الرئيسية » مقالات » أحلام الرئيس اوباما وزوابع المشرق الإسلامي

أحلام الرئيس اوباما وزوابع المشرق الإسلامي

قيل الكثير عن هذا الرجل الظاهرة , كأخر صرعة تخرج به أمريكا إلى العالم , تحدثوا عن حيويته وذكائه وقدرته على الابتكار وإيمانه بضرورة التغيير , وتحدثوا أكثر عن موهبته الخطابية مع أن النجاح في إدارة دولة عظمى أو صغرى غير مشروط بمهارة الرئيس في فن البلاغة , بل إن بلاغة رجل السياسة كثيرا ما تكون وبالا على الدولة التي أنجبته وعلى الأمة التي انتخبته , فالبلاغة تعرف كيف تمس العواطف وتؤثر فيها وتقود الرأي العام نحو توجهات غير صحيحة , فقد استطاع هتلر ببلاغته أن يخدع الشعب الألماني ليصل إلى سدة الحكم , ليشعل حربا كانت وبالا على العالم وعلى ألمانيا وعليه شخصيا , فإذا كانت السمة البارزة لكاريزما الرئيس باراك حسين اوباما هي البلاغة , فعلى دافع الضرائب الأمريكي وعلى العالم الحيطة والحذر , إذ أن الولايات المتحدة الأمريكية بزعامتها للعالم لن تنجح في ترتيب إدارة الكون بفن الخطابة , بل هناك شروط أكثر واقعية وأكثر عملية في توفير مستلزمات نجاح الإدارة الاوباماوية لأمريكا و للعالم .
ما يهمنا نحن بؤساء الشرق الأوسط بالنسبة للسيد اوباما , هو طريقة تعاطيه مع قضايا منطقتنا , حيث تنتظره ملفات سميكة ومعقدة أكثر مما يتصورها , خاصة انه قليل الخبرة بالسياسة الخارجية , ونحن نعرف أن قادة عالميين محنكين أصحاب خبرة, قد وقفوا عاجزين أمام أزمات الشرق الأوسط , التي تظل تتفاقم كلما مر الزمن , فما هي المعجزة التي سوف يفاجئنا بها اوباما , البدايات ليست مبشرة كثيرا , والحلول الأولية التي يقترحها اوباما ليست جديدة أو مبتكرة , فقد ذكر انه سوف يلقي بخطاب تاريخي في عاصمة إسلامية , يعني انه سوف يستعين بموهبته في فن البلاغة ليعالج مشاكل بلاده مع مجتمعات ما زالت تفكر بعقلية العصور الوسطى , فالرجل يريد أن يلمع صورة أمريكا في العالم الإسلامي , وعلى ما يبدوا انه لم يسأل نفسه هل سيقبل العرب والمسلمون بأمريكا إذا تم تلميع صورتها .
إن أول عقبة ستواجه أو ربما تفاجئ اوباما في هذا المجال , حين يفاتح زعيم عربي أو إسلامي أو يحاور النخب السياسية والدينية المتنفذة في مجتمعات المنطقة هي أن الجميع سوف يطالبونه بالمحافظة على الوضع الراهن , وهذا يناقض شعاره القائم على التغيير , هذا إذا كانوا لبقين معه فلا يحرجوه بمطالب تعجيزية كتخلي أمريكا عن الديمقراطية وغض النظر عن مسائل الحريات العامة وحقوق الإنسان , ليعرضوا عليه نموذج الدولة التوتاليتارية – التيوقراطية – الدكتاتورية .
أن العقلية السائدة في مجتمعات المنطقة لدى الشرائح الحاكمة والمحكومة , مشبعة بثقافة إلغاء الآخر الحضاري والثقافي والديني , خاصة إذا كان هذا الآخر غربيا وتحديدا إذا كان أمريكيا , ومن الصعب على أي رئيس أمريكي إقناع العرب والمسلمين بالتخلي عن هذه العقلية أو على الأقل إجراء بعض التغييرات عليها .
ربما يعتقد اوباما إن جوهر الخلاف بين بلاده والعالم العربي – الإسلامي هو انحياز أمريكا إلى إسرائيل وتدخلها العسكري والسياسي في بلدان المنطقة , ولكن القضية أعمق من هذه الخلافات الظاهرية
هناك إيديولوجيات شمولية ،، دينية , سياسية , فكرية ،، تسود المنطقة لها استراتيجياتها الكونية وأجندتها البعيدة المدى , تجعل قضية صراع الحضارات بين المشرق الإسلامي والغرب مسالة حتمية , أصحاب مثل هذه الإيديولوجيات وهم بذات الوقت أصحاب صناعة القرار في دول المنطقة , لن يقبلوا بالحسناء الأمريكية مهما وضعت كميات إضافية من مساحيق الماكياج السياسي , لأنهم وبكل بساطة مؤمنون بان الصراع مع الغرب صراع مصيري حيث الكرة الأرضية لا يمكنها أن تتسع لعالمين متناقضين , والحل الوحيد هو إزالة احدهما من الوجود ومن الأفضل إزالة أمريكا .
هل فكر الرئيس اوباما في الدوافع الحقيقية وراء انتشار الفكر المتطرف وثقافة العنف والتعصب وشيوع السلفية والأصولية لتتطور في النهاية إلى إيديولوجية إرهابية خطيرة تهدد البشرية , أم انه يعتقد إن الإرهاب مجرد ردة فعل طارئة ناتجة عن سلوكيات السياسة الأمريكية في المنطقة .
لقد وضع الرئيس بوش برنامج زمني للانسحاب من العراق , وتخلى عن دعم القوى الديمقراطية والليبرالية في لبنان , وكف عن الضغط على السلطات السورية , وترك المجتمع الدولي يعالج ملف إيران النووي بالطرق السلمية , وطرح فكرة بناء دولة فلسطينية , وتعهد للنظام العربي بجناحيه أي حكومات الممانعة و حكومات الاعتدال بالتخلي عن مشروع نشر الديمقراطية في دول الشرق الأوسط , ليسحب البساط من تحت أقدام النظام الإقليمي العربي – الإسلامي المنتج للإرهاب , ومع كل هذه التنازلات والإغراءات فان التطرف والإرهاب ازداد نموا بدلا من أن يتوقف أو يخف على الأقل , وهذا يشير على إن الصراع بين أمريكا وبين المشرق الإسلامي ليس صراع على القضايا الخلافية الظاهرة فحسب بل هو في جوهره يعود إلى إيمان بعض الأطراف القوية في مجتمعات المنطقة بضرورة شطب الغرب من الوجود حتى يتسنى لها السيادة على العالم بدلا من أمريكا .
ليس هناك من مبرر لمساعي إيران إلى التسلح النووي سوى أطماعها بالتوسع في بلدان المنطقة كمرحلة أولى ثم التوجه نحو أوروبا في المراحل التالية , ولهذا حين يتحدث احمدي نجاد عن إزالة إسرائيل من الوجود فانه لا يتحدث بدافع ديني بل يجد أن إسرائيل عقبة رئيسية أمام أطماع إيران في بناء إمبراطورية شيعية تتوسع نحو الغرب ,فيما لو انحسر الدور الأمريكي إقليميا ودوليا .
ما يفكر به اوباما أو يتحدث عنه اليوم , قد سبقه إليه بوش وطبقه عمليا في أواخر حكمه دون أن ينجح في تجميل وجه أمريكا , نحن هنا أمام مواقف مسبقة وهي العداء لأمريكا , وفي هذه الحالة لا يمكن اكتشاف جمال أمريكا إلا في وضعية واحدة وهي الاستسلام لإيران أو أسامة بن لادن أو لقوى الممانعة .
فهل الرئيس اوباما مستعد لتقديم تنازلات ليست مؤلمة أو كبيرة بل في غاية الخطورة إلى احمدي نجاد أو اردوغان أو خالد مشعل أو حسن نصرالله أو بن لادن , مقابل تلميع وجه أمريكا , وهل من ضمانة لديه انه بعد تقديمه هذه التنازلات بأن هؤلاء سوف يقبلون مجاملته حتى يغازلوا أمريكا الجميلة , أم أنهم سوف يفاجئونه بمطالب جديدة حتى تكون لديهم حجة في تدوير الصراع مع أمريكا حتى يصيبها الإنهاك في النهاية فتنهار كما انهارت الإمبراطورية السوفيتية , حينها لن تكون هناك عقبة أمامهم في احتلال العالم , بهدف عولمة نظامهم التوتاليتاري – التيوقراطي – الإرهابي .
تحدث اوباما عن لغة الحوار مع الأطراف المناوئة لبلاده , وهذه فرصة طيبة لمثل هذه القوى كي تسترد أنفاسها وتجهز نفسها , وتكتسب مزيدا من الوقت بالمناورة والمماطلة على طاولة الحوار , ريثما تكمل استعداداتها , والى أن ينجح اوباما بإقناع ملالي طهران بجمال أمريكا تكون هذه قد أعلنت دخولها نادي الدول النووية كأمر واقع , ليحدث خلل استراتيجي في ميزان القوى على الساحة الإقليمية والدولية , حيث يصبح الحصول على قنبلة نووية بالنسبة إلى الدول والتنظيمات الإرهابية ذي الخلفية الإيديولوجية أسهل من حصول الأطفال على العاب نارية .
على كل حال انتهت مرحلة الخطابة والبلاغة لدى الرئيس اوباما , ليدخل الامتحان الحقيقي وسرعان ما يكتشف العالم حقيقة قدراته ومواهبه وذكائه في التعامل مع أتباع ثقافة ماورائية قروسطية يتخذون الغيبيات منهجا ونظام حياة , وليست لديه من خيارات كثيرة , فإما أن يستمر في أحلامه الوردية بالتودد إلى قوى معادية ليغامر بمصير الإنسانية مع قوى الظلام , وإما أن يتسلح بالبراغماتية الأمريكية ليعود إلى معطيات التاريخ والواقع .
وقد لوحظت علامات الخوف والقلق من أحلام الفتى الأسود على وجوه الجمهوريين , وهذا سر ارتياحهم من تسلم السيدة هيلاري كلينتون حقيبة الخارجية باعتبارها أكثر واقعية وخبرة وفهما لطبيعة الصراعات الكونية الدائرة في الشرق الأوسط , حيث استفادت من تجربة الرئيس الأسبق بل كلينتون الذي لم يتردد في استخدام الشدة ضد قوى التطرف في المنطقة , فهل تنجح السيدة كلينتون في إقناع رئيسها ليكون أكثر واقعية .