الرئيسية » مقالات » من الذاكرة: المرحوم العلامة الدكتور حسين علي محفوظ

من الذاكرة: المرحوم العلامة الدكتور حسين علي محفوظ

من حظوظنا التاريخية أنَّ الفترة الزمنية التي عشناها ونشأنا فيها وتلقينا التعليم والعلم ونحن على مقاعد الدراسة الابتدائية والثانوية والجامعية كانت حقبةً حبلى وزاخرةً بجهابذة العلم وفطاحل العلماء وكبار الباحثين والاساتذة والمؤلفين في اللغة والأدب والتاريخ والفلسفة وعلوم القرآن الكريم والعلوم الأخرى المختلفة، الى جانب خيرة المعلمين والمدرسين والأساتذة الجامعيين. وتلك الحقبة الزمنية الغنية بكل هؤلاء هي أربعينات وخمسينات وستينات القرن العشرين الزاهرة المزدهرة بكل كبار أهل الفكر والعلم والمعرفة والبحث والتعليم. ولذا يمكننا تسميتها بالعصر الذهبي للعلم والثقافة والتقدم والتطور الفكري.

كان معلمونا ومدرسونا الذين كان لنا الشرفُ أنْ نكون تلامذتهم في الابتدائية والثانوية مقتدرين في مجالات تخصصهم التعليمي والمهني مالكين لناصية العلم وزمام مهنة التعليم. لقد أفادونا بالكثير، وزودونا بما في عقولهم وصدورهم من العلم، ووجّهونا الى ما يزيد في معارفنا ويوسِّعُ مداركنا وعقولنا ويفيدنا في مستقبلنا، وذلك بكل تجرد واندفاع منهم وجهد وتعب واخلاص وحمية وحبٍّ للعلم وتوصيله الى تلامذتهم ليخلقوا أجيالاً متعلمة مثقفة مزودة بسلاح العلم لخدمة وطنهم وإثراء عقولهم ورفعة ذواتهم.

لم يكونوا مجرد معلمين ملقنين لما في بطون الكتب الدراسية من مناهج محددة مطلوب من التلامذة النجاح فيها لينتقلوا الى مراحل أعلى، بل أخذوا بأيدينا أيضاً الى فضاءات المعرفة الفسيحة والمتنوعة نتغذّى وننهلُ ونلتهم ما يرفدونا به أو ما تقع عليه أعيننا وأيدينا بجهدنا الذاتي وبتوجيهاتهم ونصائحهم ، فنتجول بين المكتبات ورفوف الكتب نلتقط ونطالع ما يملأ عقولنا ونفوسنا بكل ماينفع ويفيد ويثري ثقافتنا ونفوسنا ومعارفنا. وشارع المتنبي التاريخي والمكتبة الوطنية ومكتبة جامعة بغداد المركزية شاهدة ومراقبة ومؤرخة، فهي تذكر وجوهنا وعيوننا وهي تسوح بين عناوين الكتب، وأقدامنا وهي تطأ الأرض، وأنفاسنا ونحن نقرأ، وهمساتنا ونحن نتحدث ونتناقش.

ومن نِعَم الله والتاريخ علينا في أوائل ستينات القرن الماضي بين عامي 1961 ـ 1964 حين كنا طلاباً في كلية الآداب/جامعة بغداد ـ قسم اللغة العربية أنه مرّّ علينا عددٌ منْ الأساتذة أعلام العلم والثقافة العراقية التاريخيين الكبار وفي مختلف الاختصاصات لنتلقى علومنا على أيديهم ونتزوّد بما يجودون به علينا منهجاً وعلماً وغذاءاً روحياً وفكرياً، أذكر منهم ما تختزنه الذاكرة من الأسماء الأعلام:

الدكتور العلامة محمد مهدي المخزومي في النحو وبحور الشعر
الدكتور العلامة ابراهيم السامرائي في فقه اللغة
الدكتور العلامة عبد الجبار المطلبي في الأدب الجاهلي
الدكتور باقر عبد الغني في أدب عصر صدر الاسلام والعصر الأموي
الدكتورة وديعة طه النجم في أدب العصر العباسي
الدكتور العلامة مصطفى جمال الدين (ليس الشاعر المعروف) في الأدب العباسي
الدكتور العلامة أحمد مطلوب في البلاغة العربية
الدكتور العلامة داود سلوم في الكتاب القديم وأدب الجاحظ
الدكتور العلامة الشاعر ابراهيم الوائلي في الكتاب القديم وأدب الفترة المظلمة بعد العصر العباسي وأدب القرن التاسع عشر
الدكتور العلامة يوسف عز الدين في الأدب الحديث
الدكتور العلامة علي جواد الطاهر في النقد الأدبي الحديث
الدكتور جميل سعيد في النقد الأدبي العربي القديم
الدكتور أحمد شاكر شلال في التفسير
الدكتور صالح الشماع في الفلسفة
الدكتور العلامة صالح أحمد العلي في التاريخ العربي الاسلامي
الدكتور العلامة حسين أمين في التاريخ العربي الاسلامي

وفي اللغة الانجليزية مع الأسف الشديد لا أذكر اسم الاستاذ مع أنه قد علمنا الانجليزية من خلال قراءة نصوص من الأدب الانجليزي والكتابة عنها والنقاش فيها، الى جانب قواعد اللغة.

وكانت هناك مادة (لغات شرقية) للسنتين الثالثة والرابعة من الدراسة في قسم اللغة العربية. وكان على الطالب أنْ يختارَ إحداها لدراستها كمنهج ومادة ضمن منهج القسم ومواده الدراسية المطلوبة رسمياً وتحسب ضمن درجات الطالب. واللغات هي (الفارسية والتركية والعبرية). وقد اختار الغالبية العظمى من الطلاب اللغة الفارسية إلا اثنين اختارا العبرية. أما التركية فلا أذكر أن أحداً اختار دراستها.

ومن طالعنا السعيد أيضاً والفرصة التاريخية التي حُظينا بها أنه كان استاذ اللغة الفارسية في كلية الآداب هو المرحوم العلامة الدكتور حسين علي محفوظ، والذي توفي يوم الاثنين الماضي 19 يناير 2009 والمولود بالكاظمية في الثالث من أيار عام 1926 لأسرة دينية عريقة معروفة بالعلم والأدب تعرف بآل محفوظ . تخرج من دار المعلمين العالية 1948 متخصصاً باللغة العربية. وفي عام 1955 نال شهادة الدكتوراه من جامعة طهران في الآداب الشرقية ـ الأدب المقارن على دراسته المقارنة في نتاج الشاعرين العربي المتنبي والفارسي سعدي الشيرازي وتأثير شعر المتنبي على شعر الشيرازي واقتباس الثاني من الأول. وقد خلف محفوظ مئات الكتب والبحوث والرسائل والدراسات تقترب من 1500 مؤلف أو تزيد.

في العامين الدراسيين 1962/63 و 1963/64 درسنا اللغة الفارسية على يد هذا العلامة الكبير الذي امتاز الى جانب موسوعية علمه بالخلق الرفيع والشخصية المهذبة والكياسة والهدوء العاليين. وقد غمرنا بدفئه وعلمه، وترك فينا أثراً كبيراً وخطّ في نفوسنا الاحترام والاعجاب والتقدير والمحبة لشخصه، لتصبح حصته من الحصص المحببة والقريبة الى قلوبنا. لم يكن أستاذاً تقليديَ التدريس إنما عمل على أن يوصل المادة الينا بأسلوب حديث يعتمد على التعليم الاستنباطي أي اعطاء نص من الأدب الفارسي، ثم من خلال النص يعلمنا قراءة اللغة الفارسية وكيفية تلفظ الحروف والكلمات ومعانيها والعلاقات بين الكلمات وتعلم قواعد اللغة وصرفها. وكان مما يساعدنا ويسهّل علينا تعلم الفارسية هي حروفها المتماثلة مع العربية، اضافة الى أدبها وشعرها العريق والمعروف بالرقة والجمال والصياغة المزخرفة المترفة والعمق الروحي الصوفي، وشعرائها الذين تأثروا بالشعر العربي وأثّروا فيه من أمثال عمر الخيام وحافظ وسعدي الشيرازي.

لقد اغتنمنا تلك الفرصة التاريخية ونحن مع هذا العلامة الجليل، إذ كنا نحاول أن نستفيد من أوقات الفراغ وفرص الاستراحة بين المحاضرات في الاستزادة من علمه من خلال استفهامنا عن الموضوعات اللغوية والتاريخية والتراثية التي كانت تمرّ بخواطرنا فتثري معلوماتنا، فلم يكنْ يبخل علينا بما في مخزونه من علم ومعرفة واسعة، ولا يتثاقل أو يمانع أو يظهر تبرماً أو امتعاضاً، بل كان يمنحنا ما يسدُّ رمقنا من المعلومات والشروح والتوضحيات بدفء خلقه المعهود ورحابة صدره. وبذا كان له دوره الكبير في تعليمنا واثراء مسيرتنا الثقافية والعلمية الجامعية والعامة.

إنها حقاً لخسارة لا تعوّض برحيل هذا العلامة الكبير، وأمثاله من الأعلام الاخرين من رجالات العلم والثقافة والتراث التاريخي في تلك الحِقَب الزمنية التي مرّت وكانت غنية بهم وبعلمهم ونتاجاتهم وثقافتهم وتراثهم الفكري. وقد صبغوها بآثارهم وخطوا عليها وعلى كل الأزمنة والعصور من بعدهم بصماتهم الماسية وعصارة علمهم وعقولهم وأفكارهم النيرة.

ومع الأسف الشديد والأسى الغامر أن الحقب اللاحقة لتلك الحقب المضيئة ضمت الكثير ممن يحملون لقب الدكتور والباحث والاستاذ وهم بعيدون عن هذه الألقاب بُعدَ السماء عن الأرض. فنحن نعلم جيداً كيف حصل الكثيرون منهم عليها في السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وكيف أتيحت لهم فرص الدراسات العليا على قدر قربهم من السلطة وأصحاب النفوذ وألوان انتماءاتهم والفرص التي أتيحت لهم فاقتنصوها اقتناصا.

فكم من جاهل ثقافياً وضعيف علمياً واصل دراسته وحصل على الدكتوراه و لقب الاستاذ والباحث دون أن يمتلك شيئاً من مقومات ومتطلبات حمل هذه الألقاب. فالعالمون يدركون خطورة وصعوبة الحصول عليها والتسمية بها، وما هو المطلوب من الانسان الذي يحملها أو يروم حملها من آثار علمية ومؤلفات ونتاجات ومعلومات حقيقية نافعة معترف بها أكاديمياً وعلمياً، وجهوداً مضنية وتعباً على مدى سنين العمر الطويلة.

والأدهى أن البعض يلقب نفسه بالدكتور أو يلقبه الآخرون به زوراً وبهتاناً أو جهلاً دون أنْ يعترضَ، وهو الذي لا يحمل هذه الشهادة، ولم يُعرف عنه شيءٌ من العلم والنتاج الفكري والبحثي والتأليف لا منْ قريب ولا من بعيد. وبعضهم لم يحصل حتى على الشهادة الثانوية!

وشرُّ البلية ما يضحك!

ورحم الله أيام زمان، ايام المرحوم العلامة شيخ بغداد الدكتور حسين علي محفوظ ورهطه من العلماء الأعلام.


عبد الستار نورعلي
الأربعاء 21 يناير 2009