الرئيسية » مقالات » مكالمة هاتفية اخيرة مع حسين علي محفوظ

مكالمة هاتفية اخيرة مع حسين علي محفوظ

يبدو ان العقلية الشرقية تجيد الرثاء والبكاء على علماء أمتها اكثر من أجادتها مدحهم وتقديرهم في حياتهم على غير عادة العلاقة مع السياسيين والحكام الذي نفعل معهم- في الغالب – العكس وهذا ماشهدته _ والادق عانيته_ بعد أن اخبرني أحد الاصدقاء عن وضعية استاذ الاجيال حسين علي محفوظ قبل وفاته بعدة أيام وعما يعانيه وقررت حينها الكتابة عنه وتوضيح مايحصل له بمقال تحت عنوان “رسالة إلى الدولة العراقية بشأن حسين علي محفوظ ” …

وحينما بدأت بكتابته أحسست بمسؤلية تاريخية كبرى حول هذا الكيان الانساني الذي يختصر حضارة غائرة في عمق التاريخ ، وترددت في اثناء الكتابة مرات ومرات وتوقف اكثر من مرة وكأنني اكتب بحثا او مؤلفاً حول محفوظ فبقى المقال مطوياً في أعماقي وذاتي وفي حاسوبي، أزوره كل يوم.. امر عليه… اضيف كلمة… أمحي اخرى… وهكذا ..حتى جاءتني مكالمة من صديقي الاخ باسل مجيد رشيد وهو الناطق الرسمي باسم جمعية بغداد استاذ البلاد الذي يرأس مجلس ادارتها الراحل محفوظ ليقول لي بانه قرب حسين علي محفوظ وانه يريد التحدث معي …

واخذ محفوظ الهاتف وكلمني بكل هدوء وشكرني على رغبتي بكتابة مقال عنه واوضحت له بان الشرف والفخر لي ولامثالي حينما نرغب بالتحدث عنكم وعن طود شامخ مثلكم ….وقلت له مالذي تحتاجه سيادة الاستاذ ؟

وأجابني بكل عظمة: لا احتاج ابني شيئا من احد والقى بيتين من الشعر لم احفظهما حينها وسابقى طيل حياتي نادما على عدم حفظها وكتابتها الان !

واكملت مقالي بعد المكالمة وكانت في وقتها …

رسالة إلى الدولة العراقية بشأن حسين علي محفوظ

يبدو من نافلة القول التأكيد على أن العراق بلد الحضارات و اصل العلم ومهد الكتابة وأساس العديد من المخترعات والمعجزات العلمية التي ظهرت خلال العصور الماضية , وانه على أرضه خط الأجداد أول القوانين وصيغت اول التشريعات القانونية التي منها أنطلقت الروئ والافكار باجنحتها المختلفة لبقية ارجاء العالم من اجل ان تنير الدرب وتفتح افاقاً جديدة نحو حضارة ومدنية معاصرة غيرت مجرى التاريخ ونقلت عن طريقها تلك الدولة والامم من حال الى حال اخر.

ولكن لكل اسف يبدو ان الدولة العراقية الحالية وهي الوريثة الشرعية لحضارات هذا البلد ،لم تهتم لهذا المجال بحيث تحدث بعض الاشياء التي تجعلنا نشعر بالأسف والمرارة على الحال الذي وصلنا اليه بشان الثقافة والتحضر وروادها وعلماءها وأحمل المسؤولية الكاملة فيما يجري الى المكاتب الاعلامية لمسؤولي العراق التي ينبغي له ان توصل الرسائل والاشارات التي يبعثها البعض لهم من اجل التقصي والكشف وايجاد الحلول الكاملة خصوصاً وان المسؤول في العراق لايمكن ولايستطيع ان يكون مطلعا بصورة متكاملة على مايجري على أرض الواقع الا من خلال مكاتبهم الاعلامية التي تعتبر الجسر الحقيقي بين المسؤول والمواطن…

وبعيداً عن كل هذا الكلام …فها انذا ابعث بهذا الرسائل الكاشفة عن حقيقة واقع احد اقطاب العلم والادب لا في العراق فحسب بل في الوطن العربي والعالم أيضاً ، بل ربما واتمنى ان لا اكون مبالغاً لا يوجد نظيره في هذا العالم..

أنها رسالة …ليست الى مسؤول عراقي محدد ..لان الأخير راحل مهما بقى …ومغادراً مهما وتارك لمنصبه مهما ارتسمت على ملامحه علامات الخلود …

انها رسالة …للدولة العراقية ..التي من المفترض ان تكون الهدف الاساسي لأي مسؤول وحكومة عراقية وطنية …

حسين علي محفوظ …الدكتور ….الاستاذ…البروفسور ….

حسين علي محفوظ ….علامة العراق ..شيخ بغداد …استاذ الاجيال ….

عمل …في العديد من المعاهد والكليات والجامعات العراقية والعربية والعالمية استاذ …واستاذ محاضر ..واستاذ زائر ..واستاذ مشرف… استاذ خبير …. استاذ مناقش …. استاذ مراقب …. استاذ ممتحن…. استاذ مستشار…. استاذ رئيس لجنة مناقشة ..زز

لقبه علماء اوربا ب ” الموسوعة المتحركة ” سنة 1989

له نظريات أصيلة في الادب واللغة والفن والتاريخ والتراث والفولكلور والعلم

روى الحديث عن 90 من المشايخ والعلماء في الشرق والغرب..

روى القراءات عن 11 من المشايخ والعلماء…

جمع بين الدراستين القديمة والحديثة…

يحمل درجة الدكتوراه في الدراسات الشرقية (الادب المقارن ) سنة 1955 …

عضو فخري وعضو شرف وعضو مراسل في العديد من الجامعات والمعاهد العلمية ..

عضو الجمعية الاسيوية الملكية في لندن….

مستشار في في العديد من مراكز البحوث والمعاهد والمجلات العلمية والادبية…

عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة

استاذ في علم اللغة العربية وادابها وعلوم الحديث وعلوم التجويد والتصوف والادب العرفني والعروض والبلاغة والادب المقارن والمخطوطات والتوثيق وعلم المخطوطات والتوثيق وعلم الوثائق وعلم تحقيق المخطوطات والاستشراق

بلغت اعماله سنة 1999 الف عمل ولذلك قامت صحيفة الاهرام المصرية بتحيته في ربيع 1999

واما الجوائز والشهادات التي حصل عليها ومنحتها له كبريات الجامعات والمعاهد ومراكز الدراسات والبحوث …فقد كانت كثيرة ..

منحته جامعة الحضارة الإسلامية شهادة الاستحقاق والتقدير العالي في دراسات الحضارة الاسلامية برتبة علامة بروفيسور دكتوراه شرف اولى بتاريخ 29-5-2006 ….

اعطته جامعة لينغراد (بطريسبورغ ) لقب استاذ المستشرقين ….

احتفلت به الجمعية الاسيوية الملكية في لندن بتاريخ 10-12-2004 بمناسبة مرور نصف قرن على انضمامه لها….

استضافته جامعة هارفرد في المؤتمر العالمي الفلسفي…

نال جائزة احسن كتاب العام 1958 …

نالة الجائزة العالمية للكتاب سنة 2005 …

كرمته اتحاد مجالس البحث العلمي العربية ….

كرمته الجمعية الدولية للمترجمين واللغوين العرب كافضل مبدع سنة 2007 ….

اعدت كلية الاداب بامر من وزير التعليم العالي والبحث العلمي فهرست لاعماله المنشورة حتى 2002 وقد تزيد على 1500 ….

والان … هل تحبون ان تعرفون كيف يعيش هذا الطود العلمي ؟

يعيش في بيت في الكاظمية وحيداً حيث زوجته غادرته منذ سنين الى الرفيق الاعلى وابنه يعيش في لندن بعيداً عنه …..

يعيش بلا كهرباء مستمرة ولا مورد مالي محترم ولامعين ولا مساعد له وهو في العقد التاسع بيولوجيا والتسعمائة عقليا ….لايعتني به سوى جاره الشيخ رياض العودة وهو احد شيوخ منطقة الحويش الذين يقوم بخدمته وتوفير ماء بارد له وعمل الشاي والاكل !!!

هل رفعتم حواجبكم مثلي وضربتم كفا بكف على وضع كهذا ؟

لم اصدق ان الحكومة العراقية لم تمنح هذا الطود العلمي الشامخ جواز دبلوماسي وانها قد اعطتها لمطربة عراقية شابه تُدعى شذى حسون ! وانه حينما اراد السفر في سفرته الاخيرة لم يكن له جواز جديد وقام احد الاخوة_ وهو الحجي سعدون _ بالذهاب و” الركض” إلى ان حصل له على جواز عادي بسيط شانه شأن اي مواطن بسيط لم يثري الانسانية بمؤلفات وكتب ودراسات تعدت رقم 1500.

لم اصدق ما اخبرني به صديقي بان حسن السنيد عضو البرلمان قد زار محفوظ ووعده بان رئيس الوزراء سوف يقوم بحفل تكريمي له لانجازه الثقافي ولحد الان لايوجد شيء كهذا …

نعم أن اقصى مافعله وكيل وزير الثقافة جابر الجابري ..هو وضع موظف يحضر يومية لبيته صباحا ويغادرها ظهراً ويبقى يهتم به جاره الشيخ رياض العودة !

هل بربكم يمكن ان نصدق ان عقل كهذا يحمل تاريخ وتراث وحضارة بلد ما يمكن ان تتجاهله الحكومة ؟

هل هذا يٌكافئ رجل العلم في العراق ؟

أطالب الدولة بالتحرك العاجل لمحاولة مكافئته _ وليس القيام بمكافئته _ واعطائه المكانة المطلوبة التي يستحقها ؟

اطالبكم بهذا لا من اجل حسين علي محفوظ فقط …بل من أجل العراق وتاريخه وحضارته …
………..

هكذا كانت مطالبتي حينها ….وكنت أتمنى ان يقرأ مقالي بعد كتابتها …

والان….. هل تنفع تلك المطالب ؟ وهل لها قيمة ؟

وهل سيقرأ محفوظ مقالتي الان وهو بين يدي خالقه سبحانه وتعالى ؟

مهند حبيب السماوي