الرئيسية » مقالات » حوار الأديان أم صراع الذهنيات

حوار الأديان أم صراع الذهنيات

يقول السيد صموئيل هنتنغتون في كتابه(صراع الحضارات):إن أكثر الصراعات انتشاراً وأهمية وخطورة لن تكون بين طبقات اجتماعية غنية وفقيرة،أو جماعات أخرى محددة على أسس اقتصادية،ولكن بين شعوب تنتمي إلى هويات ثقافية مختلفة”ويحدد الحضارات اعتماداً على الدين والجغرافيا ويقول بأن:” أربعة عشر قرناً…..أثبتت أن العلاقات بين الإسلام والمسيحية كانت غالباً عاصفة،كل واحد كان نقيضاً للآخر”كل هذه الأحكام تأتي تماهياً مع عقلية برنارد لويس الذي يضع تصوراته عن العلاقة بين الإسلام والمسيحية في إطار صراعهم الحضاري المزعوم تاريخياً ليعتبر أن:الإسلام الحضارة الوحيدة التي وضعت استمرار الغرب في شك ولقد فعلت ذلك مرتين على الأقل،المرة الأولى حين الاستيلاء على القسطنطينية في العام 1453م والمرة الثانية عند محاصرة فيينا عام 1529م ويقول بأن هذا النمط من الصراع لا يكمن في ظاهرة التحولات المسيحية في القرن الثاني عشر أو أصولية القرن العشرين الإسلامية بل أنه ينبع من طبيعة الديانتين والحضارات المؤسسة على مبادئهما” إن التأسيس على هذه العقلية يعني بأن الديانتين ستعيشان في صراع دائم كون هذا الصراع والتناحر من خصائص الديانتين وليس هناك طارئ وبالتالي ما يدعى بحوار الأديان والتسامح الديني وغير ذلك أمور تافهة لا يجب أن نفكر بها,لأننا لن نغير من طبيعة الصراع هذه,وثم التأسيس على الموروث الدموي التاريخي كأنه الثابت في الديانتين الأمر الذي يلفت النظر , ويبدو أن الفكر الفلسفي الغربي الحديث يتجه لتكريس هذا المنحى تحت ضغط السياسة ,خاصة وأنه جلّي بأن الفكر السلطوي الغربي يتخذ فلسفة التصادم نهجاً عاماً,أو على الأقل يتساهل مع هذا التوجه,ورغم أن المؤتمرات تعقد والعمامة تجلس بجانب الصليب غير أن العقل النمطي الغربي القروسطي يتبنى خلاف ما يدّعي,فهو يحاول أن يخرج الصراع الطبقي المرتكز الموضوعي للماركسية وإلباسه لبوساً وهمياً وإدعائياً بغية التركيز على أشكال أخرى من الصراعات ليظهر نفاق الفكر الغربي،فيركز على الطرح الدياناتي مع الخارج الديني والمذهبي داخلياً,ليكون التفتيت الشعبي عميقاً,ومركزاً على خلافات يمكن التعايش معها بكل بساطة إن كانت موجودة,ثم حقيقة لماذا يحمل الإسلام وزر ما يحصل وأين إرهابيو المسيحية واليهودية مؤسسو الإرهاب تاريخياً ,فلو لجأنا إلى التاريخ واستخرجنا الجثث واستنطقناها وألقيناها على أرض بين ديانتين وبدأنا التأسيس عليها فهل من الممكن حتى أن نتحاور,فماذا لو ذكّرناهم(أي الغرب المتحضر)بحروب القرن ونصف القرن عندما حاول ملوك و دوقات(المسيح)إقامة حكم مسيحي في الأرض المقدسة في الشرق بدءً بأواخر القرن الحادي عشر الميلادي و الدماء الكثيرة التي أريقت وثم فترات الاستعمار الكولونيالي تحت مسميات الوصاية والانتداب وغير ذلك,ألا يحق لنا مطالبتهم ب(تعويض عن التخلف الشرقي),ونسأل أنه في 1800م كانت مساحة الإمبراطورية البريطانية مليوناً ونصف المليون من الكيلومترات المربعة عليها 20 مليون نسمة وبعد عشر سنوات كانت الملكة فيكتوريا تحكم 11 مليون كم و390 مليون شخص,كيف تم ذلك وعلى ماذا تأسست الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وما هي الآثار اللاحقة على( رعاياها)من حيث التداعيات السياسية(الاتفاقات التي أبرمت كسا يكس- بيكو مثلاً)والتي جملة من الصراعات الراهنة هي بالنهاية نتائج لسلوكيات الإمبراطوريات الآفلة والتي ملوكها وأمراء حروبها يهتدون بتعاليم المسيحية,إن الاستيلاء على التاريخ ثم التحكم بالراهن ومد حبال الانقياد إلى المستقبل لم تعد صالحة للتأسيس عليها،إن العمل الجاد الذي يبذله الغرب السياسي لتكريس مفاهيم السيد هنتنغتون وتحويلها إلى واقع يبدو واضحاً في أرجاء الأرض فالصراعات القومية والمذهبية…..الخ لن ترتاح الأرض منها أبداً,طالما يخدم ذلك شكل القطبية السياسية الدولية,وتجند جيوش لتحييد(الطبيعة التصارعية-الجهاد-في الإسلام)فالعقل السياسي البراغماتي النفعي الغربي يرفض التلاقح بحجة التفاوت الحضاري وكل ذلك لصالح تهميش الصراعات الأساسية,ولو بحثنا عن الآليات الدالة على التسامح سنجدها في كل الكتب السماوية ولكنهم يختارون كلمة(ترهبون)من القرآن،وماذا لو فتح المسلمون كذلك توراتهم وإنجيلهم ،ففي العهد الجديد نقرأ في رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس:فأقول هذا وأشهد في الرب أن لا تسلكوا في ما بعد كما يسلك سائر الأمم أيضاً،ببطل ذهنهم ،إذ هم مظلموا الفكر ومتجنبون عن حياة الله لسبب الجهل الذي فيهم بسبب غلاظة قلوبهم”إن الذين يدعون إلى حوار الأديان ويكفرون الآخرين(تابع القمّص ذكريا)وحتى الكاهن الأكبر(مرجعية بابا السياسية- الدينية)وتحريضه لشعوب ضد أخرى.
ثم تصوروا لو أن الحديث التالي كان نبوياً إسلاميا,ففي رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس:أيتها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب,لأن الرجل هو رأس المرأة,كما أن المسيح أيضاً رأس الكنيسة”لسألوا شيوخ الإسلام في السعودية مثلا عن حقوق الإنسان و المرأة ,ثم لقاموا هناك بحذف هذا الحديث من الكتب المدرسية (إذا كان موجودا فيها)
ثم لو عرجنا على اليهودية لكفانا أن نرد من العهد القديم ,يسوع ,الإصحاح الأول :وكان بعد موت موسى عبد الرب أن الرب كلم يشوع بن نون خادم موسى قالا : موسى عبدي قد مات فالآن قم اعبر هذا الأردن أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي إنا معطيها لهم أي لبني إسرائيل وكل موضع تدوسه بطون إقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات , جميع ارض الحثيين إلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم ….)وعاهده بنو إسرائيل :كل إنسان يعصي قولك ولا يسمع كلامك في كل ما تأمر به يُقتل ) فقراءة بسيطة لهذا النص القصير علما بأنه نص اخترناه متوازنا يظهر فيه أن الرب أعطى لبني إسرائيل أرضا هي لآخرين حسب زعمهم وحدود بني إسرائيل أينما داسته بطون أقدامهم ومن يعارض ذلك يُقتل نعم يُقتل ويبدو الآن أن النص يطبق بحرفيته,بإقامة دولة بدون حدود ولا دستور ،فإذا كان(إرهابيو الإسلام)يعيشون في الجبال والصحارى ،فان إرهابيي المسيحية واليهودية يحكمون الدول والإمبراطوريات ويسيطرون على المؤسسات الدولية،فدعوا الأديان جانباً لأنها بالأخير خاضعة لجملة إرادات خاصة حاكمة ومفسرة,والدين هو بالنهاية شكل معرفي ،وسيبقى مستَغلاً حتى نخرجه من رأس السياسة.