الرئيسية » مقالات » سلسلة ألحان الورد في فلسفة الحب والجمال في الإسلام ( 27)

سلسلة ألحان الورد في فلسفة الحب والجمال في الإسلام ( 27)

بداية أطمئن أخواتي بنات حواء أن حديثي في هذا الموضوع لن يثير غضبهن كما هو الحال عندما يتم تناول موضوع ( تعدد الزوجات )!!
وحتى أكون في غاية الوضوح لا أريد أن أدخل في تفاصيل الموضوع باعتباره يؤثر سلباً على عواطف ومشاعر أحد الوردين الذين لهما معا أعزف ألحاني !!
مع أن تعدد الزوجات أمر مباح من الناحية الشرعية ، والرجل الذي يقدم عليه لا يعاب عليه أنه ارتكب محظورا شرعياً بشرط أن يكون متيقناً من إقامته للعدل بين زوجاته ..
لكني سأتناول هذا الموضوع من زاوية أخرى ، لعلها ترسم الابتسامة على وجوه أخواتي وشقيقاتي ويثلج صدورهن ، ويشعرن بوقوف بعض من يتحدثون بالشريعة إلى جانبهن ويشعر بعواطفهن ، فقد اعتادت نساؤونا على وقوف المعارضين للدين عامة والإسلام خاصة إلى جانبهن في هذا الموضوع في الوقت الذي يسمحون لأنفسهم بتعدد العشيقات والخليلات ويحرِّمون بل ويجرِّمون تعدد الزوجات!!

اتفاق وسلام :
عندما يقع أحد الشباب في حب فتاة ، ويريد أن يترجم حبه ذاك إلى زواج ميمون لا يفكر قطعاً في هذه اللحظات بغيرها ، ويكون كل كيانه وعواطفه وآماله المستقبلية مبنية مع حبيبته هذه !!
وبناءً على هذه المشاعر تسلِّم المرأة نفسها لحبيبها وترضى به شريكاً معها في رحلة الحياة الطويلة ..
وإذا ما كان الرجل يخبئ غير هذه المشاعر في حساباته بالتعامل مع زوجته وحبيبته في تلك اللحظات ، أعتقد أنه يبدأ بتحطيم كل شيء قبل أن يبدأ .
لذا من وضع في خطة حياته أنه سوف يعدد ويتزوج من أكثر من امرأة ويقترن بغير زوجته الأولى عليه أن يفصح عن ذلك لحبيبته حتى يضعها في الصورة التي على أساسها ينوي أن تكون مسيرة حياته. فإذا قبلت بذلك يكون قد برأ نفسه من أية اتهامات قد توجه إليه عند إقدامه على الاقتران بزوجة ثانية.
بالطبع كلامي هذا موجه لمن يؤمن بالتعدد وأنه ضرورة بشرية وسيقدم عليه لا محالة ولا يمكن له الحيد عنه ، وليس الخطاب لمن حدث له طارئ فاضطر للزواج من امرأة أخرى ؛ لأنه حينها ستكون لحبيبته أيضاً موقفاً آخر يكون نابعاً من فهمها لواقع حبيبها ومقدرة لظروفه الطارئة ..

لا أمان للرجال :
مقولة ترددها النساء كثيراً لعل مصدرها التحول الذي تراه المرأة في الرجل الذي ينقلب حاله ، عندما تصبح المرأة تحت الأمر الواقع وتكون قد ارتبطت بزوجها وأولادها ، ولا مجال لها إلا أن ترضى بما يحدث لها، حتى لو كان ثمن ذلك احتراق عواطفها ومشاعرها !!
فالرجل الذي يخشى الله تعالى ويتقيه ، عليه أن يضع حبيبته وزوجته في جو آمن تعيش بين أحضانه من غير أية منغصات تكدر حياتهما السعيدة ..

هل الزواج بأخرى يؤثر على علاقة الحب بين الزوجين ؟
مثالي من ينكر ذلك ، فالرجل مهما أوتي من أخلاق وعدالة لا يمكنه أن يسيطر على فوارق مشاعره بين زوجاته ، ولا يمكن أن يجمع حباً متساوي الأضلاع بين امرأتين في قلبه مهما كان كبيراً .وهذا الأمر أشار إليه الإسلام بالأدلة الصريحة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة .
ففي القرآن الكريم يقول الله تبارك وتعالى : ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ) النساء / 129
والمقصود بنفي العدالة في هذه الآية هو الميل القلبي والحب الناتج عنه ؛ لذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِك فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِك وَلَا أَمْلِك ) .

الحبيبة …. وحيدة
الرجل الذي يهب حبيبته الزوجة كل حبه لا يفكر في سواها إلا إذا تم خدش حبه الأول !! وعندما يرفض الرجل أن تشارك امرأة أخرى زوجته في عشرته ، فهذا قمة الإكرام والإحسان والحب والوفاء لها .
وقد تمثل ذلك في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما تزوج خديجة رضي الله عنها ، كان شديد الحب لها مرتبط بها أيما ارتباط ، لذا لم يتزوج عليها في حياتها وفاءً وحباً وإحساناً إليها ، بل لم يرد أنه صلى الله عليه وسلم فكر في غيرها ، توفيت خديجة عن الرسول وهي الوحيدة التي حظيت بكل العواطف الزوجية من الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى أن العلماء عدُّوا ذلك من مناقبها رضي الله عنها .

يقول ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري : ( ومما كافأ النبي صلى الله عليه وسلم به خديجة في الدنيا أنه لم يتزوج في حياتها غيرها، فروى مسلم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت: “لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة حتى ماتت ” وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار، وفيه دليل على عظم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها؛ لأنها أغنته عن غيرها واختصت به بقدر ما اشترك فيه غيرها مرتين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاماً انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاما وهي نحو الثلثين من المجموع، ومع طول المدة فصان قلبها فيها من الغيرة ومن نكد الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك، وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها ) .

وكم من زوجة مسلمة ومؤمنه وقفت مع زوجها في أحلك ظروف الحياة تذوق معه مرارة الحياة وترضى بكل ما تحيط بحياته من مضايقات العيش وصعوباتها فيكون جزاؤها عندما يخرج الزوج من ضائقته وضعها في جوالق القهر بزواجه من امرأة ثانية ..

الحبيبة لا تعذب :
عندما يكون بديهياً عند الرجل أن حديثه عن الزوجة الثانية يثير غضب زوجته فضلا عن زواجه الفعلي ، وهو يرضى لها أن تعيش هذا العذاب طوال حياتها، أعتقد أنه يضع بذلك أولى العوائق والحواجز بينه وبين الحب المطلق الذي بدأ به حياته معها يوم التقيا على فراش الزوجية في الليلة الأولى.
فالرجل المبالغ في حرصه على عدم تعذيب زوجته في مشاعرها يتجنب الحديث عن الثانية أمامها ، حتى لو كان قلبه يحدثه في ذلك .

ونتيجة لهذا العذاب الذي تعانيه الزوجة الأولى ، فقد أجاز بعض العلماء أن تطالب زوجَها بالطلاق إذا كانت تخشى الفتنة في دينها والتقصير في واجباتها الزوجية إذا ما أقدم زوجها على الزواج عليها ، على الرغم أن صبرها وتحملها ما جرى ومعرفتها أن الطلاق ليس في مصلحتها أفضل لها من الدخول في نفق مجهول لا تدري كيف ستكون نهايته .

ولم يكن هذا الأمر أيضاً بعيداً عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعندما رغب سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الزواج على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أسرعت إلى والدها مشتكية للمصاب الذي حل عليها .
تدخل الرسول بقوة ليقف إلى جانب ابنته الوحيدة ، ومعارضاً أن تجتمع ابنته مع غيرها خوفاً عليها من الفتنة في دينها والتقصير في واجباتها الزوجية .

لم يمنع الرسول سيدنا علياً من الزواج فذاك أمر أباحه الله ، لكنه أشار على علي بتطليق فاطمة إذا أصر على الزواج عليها .
لكن علياً رضي الله عنه كان شديد الحب لزوجته فاطمة فأزال فكرة الزواج عليها لتنعم فاطمة بحبه المطلق ، درسٌ لقنه سيدنا علي رضي الله عنه أن الحبيبة من أجلها كل شيء يهون .. وتبقى هي الوحيدة ..

وقبل أن أختم هذا اللحن أقول لكل من لا يستطيع أن يفهم فلسفة مشروعية التعدد : أن فهم المقاصد العليا من أحكام الشريعة الإسلامية السمحة تزيل كل لبس ، ولم تكن يوماً لتخرج الإنسان من بشريته، فالمرأة تغضب وتغار، ولكنها في الوقت نفسه معرضة لكل أشكال المصائب التي تجعلها في لحظة ما بين خيارين ، أن تطلَّق وتعيش وحيدة ولا تدري ماذا يكون مصيرها عندما تكون في مراحل الشيخوخة وحينها لا أحد يطالب بحقوقها حتى أولئك الذين يقاتلون من أجل محاربة فكر ة تعدد الزوجات !!
أم تكون تحت سقف تعيش في كنف زوج على الأقل يحميها من شرور الحياة في وقت يتركها الأخ والأخت وفي أحسن الأحوال تكون عالة على أبوين تمتلئ أعينهم بالدمع حين رؤيتها وهي تحترق بنيران الوحدة !!