الرئيسية » التاريخ » (المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) الحلقة الخامسة والتسعون

(المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) الحلقة الخامسة والتسعون

غفور اغا رئيس البلدية
يوظف سون المحاورة التي جرت بينه وبين وغفور اغا رئيس بلدية السليمانية انموذجاً على ظاهرة الريبة والشك التي كانت تسيطر على المجتمع الكردي عموماً ومجتمع مدينة السليمانية انذاك بخاصة، وسون يعزو ذلك بقدر تعلق الموضوع بالسليمانية الى حالة العزلة التي تعيشها المدينة.
ان هذه الريبة على حد اعتقاد سون انجبت اتجاهاً تساؤلياً لا يطاق لدى الفرد في هذه المدينة اذ اصبح من حق كل سليماني ان يتحرى عن اهداف كل قادم جديد وهويته. ولكن بالمقابل لاحظ سون ان الفرد في مجتمع السليمانية بدوره لا يمانع في تحر مقابل بل يعد ذلك فرصة للزهو الذاتي واظهار حقه في الاحترام ويبدو ان صحة المعلومات التي تجري في الحوار او التحري او مدى مصداقيتها ليست مسألة مهمة قدر ما ان الحوار والتحري قد جرى. ثم لا يلبث ان يصبح هذا القادم موضع ترحيب ويشيع وصوله في المدينة ثم يغدو واحداً من اهلها.
زار غفور اغا سون وما ان دخل إلا ونزع من قدميه زوجين جديدين من احذية بغداد وحيا بتحية فارسية ممتازة وما ان اعطاه سيكارة حتى بدأ استفساراته من دون مقدمة وهنا ندرج نص الحوار الذي دار بين هذا الزائر وبين سون وهو تحقيق هوية كامل وبدأ الزائر بالاستفسار: – اين موطنك؟
-فارس
-اية مدينة؟
-شيراز
-اهناك كثير من اهل السليمانية في شيراز؟
-لا، اذ ليس فيها احد منهم ابداً
-أأنت ذاهب الى فارس؟
-لا ادري في الوقت الحاضر
-لم لا تدري في الوقت الحاضر؟ كيف لا يعرف شخص وجهته؟
-لان خططي لم توضح بعد
-امكث هنا، انه لافضل مكان يرتجى، ماء عذب، وهواء نقي، وسكان طيبون. وما هي صنعتك؟ أأنت طبيب؟
-لا، ولم؟
-ذلك بسبب طرز لباسك الاوربي، اذ انه لا يليق الا بطبيب
-أأنت تاجر؟
-اجل قد اكون ذلك
-ما بضاعتك؟
-الاقمشة وما جانسها وشاكلها
-اعندك صابون معطر؟
-لا ولم تسأل مثل هذا السؤال؟
-لان احد التجار جاء من الموصل قبل عشرين سنة ومعه صابون معطر لكنه لا يلائم هذا المكان
-لِمَ؟
-لانه لم يستعمل فيما مضى، فضلاً عن ذلك ان الاطفال يموتون ان شموا رائحته.
-اذن أيموت اطفال السليمانية من الروائح؟
-اجل انهم غير معتادين عليها. اين ابتعت هذا الحذاء؟
-في كركوك
-انه لا يليق بهذا المكان لان فيه اشرطة (قياطين)
ثم سأل اسئلة اخرى وقال على حين غرة
-ما الذي في هذه الصناديق؟
-ملابس
-اليس فيها اشياء للبيع؟
-لا
-أي تاجر انت وليس لك بضاعة واحمال؟
-اني اراقب الانموذجات اذ لا يأتي عاقل ببضائع جديدة ما لم يتأكد من صلاحها للبيع.
-انك لتقول الحق، ولكن ما هذا الذي تحويه صناديقك؟
-قلت لك انها ملابس.
-من اين اشتريت هذه الصناديق؟
-لندن.
-في لندن؟ لم ذهبت اليها؟
-كان لي فيها شغل.
-أي شغل هذا؟
-شغلي الخاص، ولكل شغله وشؤونه
-ذلك حق، لكنني جئت هنا لاقول لك، كصديق، ان من الواجب عليك الا تقيم في (خان)، اذ ان ذلك لا يليق.
ويقول سون، هنا نفد صبري فبدلت مجرى الحديث وبدأت بتحرياتي الخاصة، فسألته
-لم تلبس خاتماً من الشذر؟ سألت ذلك بحدة.
-ماذا؟
-قلت لم تلبس خاتماً من شذر ان ذلك في بلادي لا يليق
-جئت هنا كصديق لم تسأل مثل هذه الاسئلة غير اللطيفة الهازئة؟
قال ذلك بلهجة المتألم الممتعض.
-يقول سون اجبته قائلاً لان في بلدي شيراز ثمة قول سائر، ان من يزعج الغريب بالاسئلة يتلقى قولاً بذيئاً هازئاً. وكان ان لملم عباءته الزاهية مقطباً وجهه من الغضب وانصرف معجلاً غير آبه لكلمة وداع مني، وبعد خمس دقائق جاء صاحب الخان الى الباب وهو منزعج الى حد ما وقال ان هذا الزائر كان غفور اغا رئيس البلدية وهو صاحب الخان في الوقت نفسه (256-8).
كيخسرو بك التقى ريج كيخسرو بك الجاف بعد اسبوع تقريباً من وصوله السليمانية وذلك في مجلس باشا السليمانية، ويقول ريج عن هذا اللقاء، كان من بين الحاضرين كيخسرو بك رئيس عشيرة الجاف، وهي عشيرة قوية محاربة وكان البك رجلاً جميل الطلعة ومن المؤكد انني كنت اول اوربي شاهده حتى الان والظاهر انه دهش لرؤياي ولكنه لم يحملق في بفظاظة او غباء (76) ويبدو ان ريج كان يعاني من مسألة الحملقة وما زالت هذه العادة لصيقة بكثير من الناس وان كانت قد اضمحلت بين المثقفين لكنها ما زالت موجودة وبدرجات متفاوتة بين الناس وهي عملية غير مريحة ومربكة للشخص المنظور، وهي ليست لصيقة بالكرد وحدهم بل نجدها لدى كل المجتمعات في شريحتها غير المتمدنة.
لقد زار كيخسرو بك ريج بعد يومين من لقائهما الاول، ويصف ريج رجال عشيرة الجاف في مذكراته عن هذا اللقاء الثاني اذ يقول، ان رجال هذه العشيرة وسيمو الطلعة شجعان بيد انهم يعدون حتى في نظر الاكراد انفسهم من اشد العشائر بداوة. يبدو ان كيخسرو بك كان شخصاً هادئاً ومتثاقل الخطى فقد وصفه ريج في اللقاء السابق على هذه الشاكلة وفي لقاء ثالث اشار الى ذلك ايضاً ويبدو ان كيخسرو بك قد اعجب بريج اذ يقول ريج، يظهر بانه قد كلف بي وان كلاً منا لا يفهم كلمة واحدة من صاحبه، وبعد برهة من الصمت العميق تمتم ببعض الكلمات لم ادرك انها كانت موجهة الي لكن عندما كرر التمتمة ادرت رأسي نحوه. لقد تدخل محمود مصرف في الموضوع اذ خاطب ريج بالتركية وقال له ان كيخسرو بك يرغب عميقاً ان يراك بين عشيرته وانه سيستقبلك خير استقبال، ويعلق ريج على دعوة كيخسرو بك بالقول، انه ميال بعض الميل لقبول دعوته وان كانت عشيرته تبعد مسافة ستة ايام في اعالي جبال الحدود (84).
لقد لبى ريج دعوة كيخسرو بك فرحل الى مضاربه وهو يصف الاستقبال الذي جرى له فيقول، قبيل وصولنا اليه استقبلنا البك بنفسه ممتطياً جواده الجميل، لقد كان من اجمل الخيل التي رأيتها منذ عدة سنوات مضت وكان برفقته اولاده الثلاثة وابن اخيه، وكان كيخسرو بك في حالة نفسية مرحة احسن من تلك التي رأيته فيها في السليمانية وكان انيق الملبس يرتدي معطفاً استانبولياً فاخراً بأزرار ذهبية اسبغ جمالاً على مظهره، وكانت خيام البك خيمة من النسيج الاسود وهي واسعة عالية وتحيط بها السياجات والحصران. وقد اعد له البك خيمة ديوان يستقبل ريج زواره فيها كما استقبلت النسوة زوجة ريج ببالغ اللطف، وقد اقام البكوات الشبان ظهر ذلك اليوم مبارات استعراضية لاظهار مهاراتهم حضرها ريج وقرينته وفي اليوم التالي ودع ريج مضيفه والذي يقول عنه، لن انسى كرمه البريء مطلقاً (132).

التآخي