الرئيسية » مقالات » فيلة تطير في سماء العراق

فيلة تطير في سماء العراق

من يتابع الحملات الانتخابية، والوعود التي تتطاير من هذه القائمة وتلك، يعتقد ان العراق سيتحول وفي ضرف ايام معدودة الى امارة بروناي، وان كل رجل سيمتلك بيتا على الشط، وكل امرأة الى “مسعدة”، تغرف من الصوبين، وسينبت لكل طفل جناحان يرفان على رياض “الاحياء الشعبية”.

جربت ان اكون بليدا للحظة واصدق هذه الفانتازيات الانتخابية. تابعت قناة “بلادي” وهي تنقل جولات السيد ابراهيم الجعفري بين الاقضية المتربة والنواحي التي لم يذكرها الاعلام من قبل. وصدقت كل الـ “سوف” و “سنقوم بـ” و “سنعمل على..”. وعجبت.

السيد الجعفري اخذ اكثر من نصيبه في السلطة طيلة السنوات الست المنصرمة، اول رئيس لمجلس الحكم، نائب رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء، وعضو دائم في البرلمان، فلماذا لم “يقوم بـ”، او “يعمل على ..”، طيلة هذه المدة اذا كان يعرف كل هذه التشكيلة الوعودية، و “سر” سعادة الشعب العراقي؟

السيد المالكي سبق الجميع في حملته فابدى نضالا مريرا من اجل تشكيل “مجالس الاسناد”، واعتبرها اكسير الحياة للوطن العراقي. وساعده الاعلام على رسم صورة “العروبي- الاسلامي” لكي يغرف من الصوبين، مثل مسعدات العراق الجديد، فهو شيعي الانتماء سني الهوى، يعد بالغاء الفقرات الدستورية، وتسليح جيش صدامي قادر على ضرب الاكراد، واعادتهم الى بيت الطاعة.

ولكن السيد المالكي هو رئيس الوزراء الحالي، فلماذا لا يلغي الدستور الان، ولم يشكل مجالس الاسناد، ولم يسلح الجيش، ولم يلغي الفيدرالية، ولم يؤنفل الاكراد الى الان… لماذا يترك كل هذه الخطوات العروبية الجبارة، وهي مطاليب اليمين، من البعثيين الى الصدريين، الى المستقبل المجهول؟

المجلس الاسلامي الاعلى ومشتقاته، منظمة بدر، شهيد المحراب …الخ كلها تعد بالفيدرالية للجنوب، تلك التي ستجلب المن والسلوى لمحافظات محرومة من الماء.

يشكل هذا المجلس منذ 4 سنوات الاغلبية في البرلمان، وبيده تعيين رئيس الوزراء و اقصائه، وله حصة الاسد من الوزارات والمناصب السيادية، فلماذا بخل على الجنوبيين كل هذه السنين؟

الاحزاب الكردستانية لو قدر لها ان تشترك بانتخابات مجالس المحافظات القادمة، ماذا كانت ستطرح… قضية كركوك واعادتها الى اقليم كردستان. العمل على تطبيق النظام الفيدرالي، عقود النفط، تصريحات الشهرستاني .. الخ.

والاحزاب الكردستانية، التي اختارت طريق “النضال الدستوري” لم تتمكن على هذه المطاليب منذ سقوط النظام الديكتاتوري الى اليوم، فماذا تستطيع ان تقدم في الاشهر القادمة…

القوائم السنية تغازل “جمهورها” ايضا، بنفس الشعارات.. طرد المحتل، العودة للحكم الفردي، القضاء على النفوذ الصفوي… الخ.

وقائمة تعد بتوفير الكهرباء، واخرى بتبليط الطرق الريفية، واخرى باخراج الامريكان، وكل هذه التيارات والقوائم مشتركة في السلطة، ولم تعمل على ذلك، لكنها تقسم اغلظ الايمان على انها “سوف” و”تعمل على” و “ستقوم بـ”…

من ينظر الى جدران العراق سيرى الشعارات والوعود وابتسامات السياسيين الورعة، ومن يتابع الفضائيات سيرى الوجوه القديمة ذاتها، ويسمع الكذبات المقنعة نفسها.

ولا ادري اذا كانت ديمقراطيتنا في العراق غير ناضجة، مازالت في طور البلادة، ام ان العيب في قلب النظام الديمقراطي، اذ يملأ السماء في ايام الانتخابات بالفيلة الطائرة.

حسين القطبي