الرئيسية » مقالات » عنقـــاءْ الشِعــر

عنقـــاءْ الشِعــر

كثيراً ما أستهوتني فكرة الحديث عن اللحظة الشعرية الخاصة ، أو فكرة التأمل اللاشعوري لحالة الرؤيا الشعرية المنثالة من تخيلاّت وتصوّرات لا ترتبط بزمان ومكان ، بقدر ما ترتبط بعناق الشاعر الرائي لذاتهِ الأولى الرافضة كُلياً إنفصالها عن جزئيات حياته وطرق تفكيرهِ وبروق عواطفهِ الملغزة . إلى أبعد حدود الإلغاز .

فالحديث عن الشعر أشبه بالحديث عن شيءٍ نحسُّه ولا نستطيع أن نفسّر بالكلمات البسيطة الحسيّة ظاهرته المجرّدة ومعناه المجهول ، كالحب مثلاً ، المرتبط بإفرازات هرمونية كثيرة ، وتغيرات فسيولوجية في أجسادنا العاشقة لا نستطيع أن نحدّد منبعها ونتخيّل ماهيتها . وجوهرها ، ربما هي مصدر أحاسيس وعواطف ، فإنَّ الشعر ، هذا المفهوم الدقيق وبالأصح الكائن الغامض كلما أحسست بأني سَبَرتُ غورهُ واكتشفت موطنه الأصلي البعيد وجدتُ نفسي أجهل الجاهلين به ، هو يتكوّر بشكل سريع وغريب ومفاجىء كالشهوات المؤجلة أو كالمطر الاستوائي الحزين المنهمر داخلنا وفي أعماقِ ذواتنا ، ما عادَ ذلك الحنين القديم أو التحفة الزمنيّة أو الصديق الروحي الذي ألِفَه الرومان والإغريق والجاهليون ومن أتى بعدهم من شعوب وحضارات . فطالما وجدتُ نفسي في دوامة نوازعه الطاغية . أدور في فلك لا نهاية لهُ . هو فلك الشعر أو مجازياً بقعة الضوء الباقية في سراديب أرواحنا . حتى أني أصبحت أشبّههُ بطائرِ الفينيق أو بعنقاء الألم والرماد ، إذا إختفت ما تلبث أن تظهر بلون وشكل جديدين لتحلّق من جديد في فضاء الكون والحياة .لتملأهما أصداءً ساحرةً وألواناً جديدة براقةً كأنما طائر الشعر هذا يشكلُّ القاسم المشترك بين كل الطيور السماويّة على هذه الأرض . والنغمة الموزّعةُ على التاريخ . والتي غناها فرجيل وهوميرس ونرفال وبودلير ورمبو . وردّدها المئات في الشرق والغرب مع تنويعات وإضافات رائعة ، فنرى هذا الطائر المحاصر ذا الريش الملوّن ينطلق الى آفاق غير محدودة ليتحد مع ألوان وأطياف قُزّحية مترامية في السماءْ . أقصد بها الرؤية الكونيّة الشموليّة للشعر الجديد في زمنٍ لا محدود الإمكانيات يتقدّم بسرعة مركبة فضاءْ الى الأمام … ومن أهم مظاهره الإنترنت ، المرادف لعالمية الشعر ولا نهائيته وعمق رؤياه . وبعد تأثيره ، ونفاذه جمالاً وإيحاءً أكثر مما كانَ عليه في ماضٍ مظلمٍ متحجرٍ . رغم وجود أقلامٍ مضيئةٍ كثيرة أنارتهُ بالأشعة الملونة الهادئة . فالمعادلة الجديدة في رأيي الشخصي هي أن الشعر لكي يكون جديراً بالخلود والأبدية فلا بدَّ له أن يصهر ويصب المذاهب الكثيرة في بوتقةٍ واحدة .مذاهب كالسريالية والواقعية والتجريدية الشعرية والرمزية والرومانطيقية والوجودية وغيرها ، وتتلاحمُ فيه ثقافات اخرى متعدّدة . نلمحها في ما وراء النص لمحاً خفيفاً رغم الإمحّاءِ والذوبان بتأصيلية بارعةٍ فيه . وتتوارد فيه أفكار مجنحّة وجميلة . وأيديولوجيات ذاتية عديدة . فنجد الشعر واحداً لا يتجزأُ معناه وكتلةً لا تنفصل عراها في أي زمان ومكان يستلهم الحقيقة فينا أولاً وفي كل عناصر الوجود وذراتهِ المتناهية . ويعبر بالرسم وبالكلمات وبألف وسيلة أخرى كاللون والإيقاع النفسي والتواتر الذهني والوزني . والتناسق الحرفي . في كل سطر من سطور القصيدة ونراه بعيداً كل البعد عن معايير نقدية بالية وآراء مضلّة وعدميّة .ومقاييس لا تنطبق على الإبداع في شيء . ولا تنضوي تحت لوائِهِ الشمسي الخفاق وتحت سرحة الأصالة ، الباسقة في أعلى الكلام.
فالشاعر يتفاعل مع الأشياء الغير شعرية في العالم المادي ويحولّها بحساسيّة عالية ثرّه ومتوقدة وبحس مرهف ونفس خلاقة الى موتيف شعري جديد ويمسح عن الموجودات غبار الجمود والصمت والزمن البالي ليراها حق الرؤية ويشعلها من الداخل والخارج بالحياةِ ، ليسري ضوؤها الى كل الحنايا المعتمة الأخرى وهو يستطيع إيجاد التآلف والتناغم التاميّن . بين المتناقضات والمتضادات . في عالمهِ الذهبيّ لينطقها ويجعلها رموزاً وإيحاءاتٍ يحدب من خلالها على نفسِهِ المائيّة الهادرة . في صحراءٍ ملأى بالقيم الرملية الفاسدة وبالمتحجرات ، ويوظف المهمشات في قلبِ المشهد بعدما أُغفلت زمناً . رغم أنها تحتفظ بقدر لا بأس به من حرارة الواقع وجمالهِ وقدسيّته العالية والرائعة ، لكي نحسها ونراها بعد رفع الستار والغبن الحقيقي عنها ونلمسها بالوجدان الملتهب . وبالخصوصية الحميمة ليكتمل فينا الرضى بالعمل وإبداعِهِ كأنهُ قطعةٌ منّا ، وبالصدق الذي يعمّدُ الكتابة بالنار المقدسة ، وبالدمع الهاطل من سماءٍ خفيضة فضيّة اللون ، الصدق المقلّم الوحيد لأزهارنا البريّة والمكوّن للنواة الحقيقية المتجذرة فينا للخلق والإبداع ، فلو لم يكن الشاعر أو الكاتب أو الفنان صريحاً مع نفسه وصادقاً في تجربته لأنعدمت الثقة بينه وبين الجمهور المتلقي ولأنقطعت العلاقة من قراءة ، أول نص أو مشاهدة أول لوحة أو ربما تلاشت الأفكار والمناظر في ذهنه كأطياف الدخان .