الرئيسية » مقالات » منصور الرحباني … منارة الإبداع و (عاشق من فلسطين)

منصور الرحباني … منارة الإبداع و (عاشق من فلسطين)

خطف الموت منا منصور الرحباني في غمضة عين، خطف أجمل الناس، ودعناه على الطريقة الفلسطينية، حين غادرنا في الشهر الأول من السنة الفلسطينية المزدحمة بالدم، وعيون أطفالنا الحملان في قطاع غزة ترصدهم عيون الذئاب، والغيوم البيضاء الفوسفورية تجهمت فوق مدننا، وملأت سماءها بأمطارها النارية.
بكل الألم مع رحيل منصور؛ تسألنا كم غراب سيأتي بأساطيره لهذه البلاد، بلحية وقلنسوة وكتاب يسمى فقهاً . وكم طفلاً سيأكل ؟ تكالب العتاة والطغاة والغزاة من كل صوب، قلنا: لكنهم لن يستطيعوا الإفلات من كلمات وموسيقى الحياة التي صنعها وأبدعها الرحابنة. الميلاد والأمل الذي يحمل ضياء الأوطان غير المسكونة بالخيبة والضياع والهوان.
يؤلمنا ويعزُّ علينا أننا في هذا الاحتشاد الدموي، لم ننعهِ كما نرغب، وعزاؤنا أنه بينما كانت رؤوس أطفالنا تتدحرج، كان ظلام الكون كله يدخل في أجساد القتلة، اندثرت المصابيح على هاوية عظامنا، ولبسنا الغيوم البيضاء، فأشعلنا الشموع على صوت فيروز الملائكي لتوقظ أملنا ويقيننا وإيماننا، صوتها الصادح في انتفاضاتنا الفلسطينية، صوت الوحدة الوطنية، وحق شعبنا في أن يعيش حراً سيداً على أرضه.
وعزاؤنا أيضاً أن الرفيق نايف حواتمة الأمين العام للجبهة الديمقراطية، أنه اتصل باسم جبهتنا وشعبنا معزياً برحيل المبدع الكبير، وكلنا إيمان قاطع أن نلتقيه في شوارع “القدس العتيقة”.
رحل عنا ثاني أجمل الناس من عشاق فلسطين، الركن الثاني من أسطورة “الأخوين رحباني”، غادرنا الشاعر والموسيقي الموهوب، الحداثي بامتياز، في لحظة فارقة من مشهد عربي متكرر في “قضية فلسطين” التي رسم لها منافذ روحه التواقة نحو عودة لا بد منها “جسر العودة”، مطلاً من على جسرها على حلم كبير، وعلى الوجع الفلسطيني الذي بلّسمه من روحه ودمه، رحل ولم يتوقف قلبه عن التأليف والتلحين، بعدما أرّسى مع نصفه الثاني عاصي منارة وعمارة شامخة من الفن الراقي شعراً ولحناً، العائلة الإجماع العربي على المستوى الشعبي، رحل على وقع تراتيل القلوب، وعزاؤنا للعائلة التي هذّبت أرواحنا، وهندستها كما يجب أن تكون … ولن يبدع عربي إذا لم يتعمق في كلمات الرحابنة.. إن لم تصقل روحه.
تعازينا الحارة للعائلة … وتحية لروح منصور الرحباني وطيفها بيننا دوماً … تحية له حين شببنا مشدودين للكلمة والصوت … تحية للإبداع الراقي … كنا يانعين فأعطونا ماء عيونهم إبداعاً، أعطيناهم قلوبنا … كانت كلماتهم أحرفنا الأولى على صفحات كراريسنا البيضاء التي خططنا عليها أحرفنا الأولى.
تحية لآل الرحباني … نعزيكم بأشد الألم ونعزي أنفسنا.

الإعلام المركزي