الرئيسية » مقالات » الجواهري: لواعج ومواجهات (6)

الجواهري: لواعج ومواجهات (6)

بعد عام ونيف فقط على وثبة كانون الثاني العراقية المجيدة عام 1948، يتفجر الجواهري برائعة وطنية جديدة، هزت مختلف قطاعات الجماهير الشعبية من جهة، ونخب الحاكمين والسياسيين من جهة أخرى، على حد السواء… وبحسب الشاعر العظيم في بعض حديث ذي صلة: “… كان الجو السياسي محتدماً، وكنت أشعر أن الواجب يقضي بأن أؤكد موقفي”… ولذلك فقد أغتنم فرصة حفل تكريمي لعميد الكلية الطبية ببغداد، د. هاشم الوتري، في شهر حزيران عام 1949 ليلقي تلكم البائية الطويلة التي حملت اسم المحتفى به، ولتشتهر بعد ذلك بعنوان:

“أنــا حـتـفـهـم”

مَجَّدْتُ فيكَ مَشاعِراً ومَواهبا
وقضيْتُ فَرْضاً للنوابغ ِ واجِبا
بالمُبدعينَ “الخالقينَ” تنوَّرَتْ
شتَّى عوالمَ كُنَّ قبلُ خرائبا…
أعْطَتْكَها كفٌّ تضمُّ نقائضاً
تعيا العقولُ بحلِّها ، وغرائبا
مُدَّتْ لرفعِ الأفضلينَ مَكانةً ،
وهوتْ لصفع ِ الأعدلينَ مَطالبا!

وبعد الأبيات أعلاه التي جاءت في مقدمة القصيدة، والحديث عن مناسبتها، يصعّد الجواهري غضبه العارم شيئاً فشيئاً، ليقارع الحاكمين الذين حولوا البلاد، وقادوها – كما يرى – إلى ما يخدم مصالحهم وأهوائهم وسياستهم، وهكذا راح يخاطب المحتفى به، ويسميه “عميد الدار” نسبة إلى عمادته لدار الكلية الطبية في بغداد حينذاك:


حدِّثْ “عميدَ الدار “ِ كيفَ تَبدَّلَتْ
بُؤراً ، قِبابٌ كُنَّ أمس ِ مَحارِبا
كيفَ استحالَ المجدُ عاراً يُتَّقى
والمكرُماتُ من الرجال ِ مَعايبا
ولِمَ استباحَ “الوغدُ” حرمة من سَقى
هذي الديارَ ، دماً زكِيّاً سارِبا


… ثم يصل الشاعر العظيم بعد ذلك إلى مكامن الهدف الذي خطط له لكشف الحسابات جميعاً دون حذر، أو تورية، وبكل تشدد وقسوة… وإذ كان قد توقع غضب الحاكمين ومواليهم بسبب موضوع ومضمون قصيدته، ومباشرتها، استعد سلفاً للأمر فسفر عائلته إلى مدينة “النجف” مع بعض “الاحتياطي” الذي يضمن مصيرهم لفترة من الوقت، بحسب حديث الجواهري ذاته، الذي أضاف أنه خاط بدلة جديدة ليلبسها، لأول مرة، وهو يلقي القصيدة في الحفل المعني:

إِيهٍ “عميدَ الدار”! شكوى صاحبٍ
طَفَحَتْ لواعجُهُ فناجى صاحبا
الآنَ أُنبيكَ اليقينَ كما جلا
وضَحُ “الصَّباح” عن العيون غياهبا
فلقد سَكَتُّ مخاطِباً إذ لم أجِدْ
مَن يستحقُّ صَدى الشكاةِ مُخاطَبا
أُنبيكَ عن شرِّ الطَغامِ مَفاجراً
ومَفاخراً ، ومَساعياً ومَكاسبا
الشَّاربينَ دمَ الشَّبابِ لأنهُ
لو نالَ من دَمِهمْ لكانَ الشَّاربا
والحاقدينَ على البلادِ لأنَّها
حَقَرَتْهُمُ حَقْرَ السَّليبِ السَّالبا
ولأنَّها أبداً تدوسُ أفاعياً
منهمْ تَمُجُّ سمومَها .. وعقاربا…


… وعلى ذلك النهج تستمر حمم الجواهري لاهبة على عصبة الحاكمين الذين حاولوا مساومته في أوقات سابقة على عضوية في مجلس النواب، أو الاستيزار… وحين فشلوا في مساومته والنيل من عزيمته، راحوا ينفثون غضبهم، وينفذون ما يستطيعونه من أذى ومحاصرة وتجويع له، ولعائلته. وها هو يصرح دون حدود بمواقفه، كاشفاً المزيد من الحقائق، متحدياً ومذكراً بنفسه، لمن قد لا يعرف:


لقد ابتُلُوا بي صاعقاً مُتَلهّباً
وقد ابتُليتُ بهمْ جَهاماً كاذبا
حشَدوا عليَّ المُغريات ِ مُسيلة ً
صغراً لُعابُ الأرذلينَ رغائبا
وبأنْ أروحَ ضُحىً “وزيراً” مثلَما
أصبحتُ عن أمْر ٍ بليل ٍ “نائبا”
ظنّاً بأنَّ يدي تُمَدُّ لتشتري
سقط َ المتَّاع ، وأنْ أبيعَ مواهبا
وبأنْ يروحَ وراءَ ظهريَ موطنٌ
أسمنتُ نحراً عندَه وترائبا
حتى إذا عجَموا قناة ً مَرَّةً
شوكاءَ ، تُدمي من أتاها حاطبا
واستيأسوا منها ومن مُتخشِّب ٍ ،
عَنَتاً كصلِّ الرّمل ِ يَنْفُخ غاضبا
حَرٍّ يُحاسِبُ نفسَهُ أنْ تَرْعَوي
حتَّى يروحَ لِمنْ سواه مُحاسِبا
ويحوزَ مدحَ الأكثرينَ مَفاخراً
ويحوزَ ذَمَّ الأكثرينَ مثالبا !!
حتى إذا الجُنديُّ شدَّ حِزامَهُ
ورأى الفضيلة َ أنْ يظَلَّ مُحاربا
حَشدوا عليه الجُوعَ يَنْشِبُ نابَهُ
في جلد ِ “أرقط َ” لا يُبالي ناشبا!
وعلى شُبولِ اللَّيثِ خرقُ نعالِهم !
أزكى من المُترهِّلينَ حقائبا


… ثم يواصل الجواهري نشر فلسفته ورؤاه في التنوير والتبصير، عبر مواقف ملموسة، وشواهد تاريخية، وليس بالقصيد والخيال والاجتهاد والادعاء، منحازاً إلى “الرعية” و”الرعاع” والجماهير – كما هو عهده السالف واللاحق – وليحشدها من أجل المزيد من النهوض والتحدي والمطالبة بحقوقها فأضاف:

ماذا يضُرُّ الجوعُ ؟ مجدٌ شامخٌ
أنّي أظَلُّ مع الرعيَّة ساغبا
أنّي أظَلُّ مع الرعيَّةِ مُرْهَقاً
أنّي أظَلُّ مع الرعيَّة ِ لاغبا
يتبجّحونَ بأنَّ مَوجاً طاغياً
سَدُّوا عليه ِ مَنافذاً ومَساربا
كَذِبوا فملءُ فم ِ الزّمان قصائدي
أبداً تجوبُ مَشارقاً ومَغاربا
تستَلُّ من أظفارِهم وتحطُّ من
أقدارهِمْ ، وتثلُّ مجداً كاذبا
أنا حتفهُم ألجُ البيوتَ عليهمُ
أُغري الوليدَ بشتمهمْ والحاجبا

… وفي تباه وشموخ صار سمة من سمات شخصيته الأبرز على مدى عقود، يعود الجواهري العظيم هنا، وقبيل اختتام عصمائه ليقول مخاطباً المعنيين، المقصودين من طغاة وحاكمين وأتباع مهادنين خانعين، كانوا من بين، بل وفي مقدمة حضور الحفل الذي تُلقى فيه القصيدة، وموجهاً الحديث مرة أخرى للمحتفى به:

أنا ذا أمامَكَ ماثلاً مُتَجبِّراً
أطأ الطُغاة بشسع ِ نعليَ عازبا
وأمُطُّ من شفتيَّ هُزءاً أنْ أرى
عُفْرَ الجباه ِ على الحياة ِ تكالُبا…
للّهِ درُّ أب ٍ بَراني شاخصاً
للهاجرات ِ ، لحَرِّ وَجْهيَ ناصبا
أتبرَّضُ الماءَ الزُلالَ وغُنيتي
كِسَرُ الرَّغيفِ مَطاعماً ومَشاربا …
آليتُ أقْتَحمُ الطُغاةَ مُصَرِّحاً
إذ لم أُعَوَّدْ أنْ أكونَ الرّائبا
وغَرَسْتُ رجليَ في سَعير عّذابِهِمْ
وَثَبَتُّ حيثُ أرى الدعيَّ الهاربا
يلِغُ الدّماءَ مع الوحوشِ نهارَه
ويعودُ في اللَّيل ! التَّقيَّ الراهبا

… وهكذا وبعد أكثر من مئة وثلاثين بيتاً، ينتهي الجواهري من إلقاء قصيدته وسط ذهول جميع الحضور، ومنهم المحتفى به أيضاً، من تلك الصراحة والمواجهة والعنفوان والاصرار على المواقف… ثم “ليمر يومان، وثالث – يقول الجواهري -، ولم يأخذني أحد، وفي صباح اليوم الرابع جاؤوني … ومكثت في الاعتقال شهراً واحداً… وأطلق سراحي بمناسبة العيد” … وقد راحت القصيدة التي عبرت عن مشاعر الجماهير – وإلى الآن – خالدة ومعروفة عراقياً، بل وعربياً، بمطلع أحد أبياتها “أنا حتفهم”، وفيه من الخلاصة والبيان ما يغني عن الكثير الكثير من الاضافات والتفاصيل…

يمكن الاستماع إلى مقاطع من القصيدة بصوت الجواهري عبر موقع:

www.jawahiri.com