الرئيسية » مقالات » الحركة الكوردية وإشكالية التكتلات الداخلية

الحركة الكوردية وإشكالية التكتلات الداخلية

كانت وما زالت الأحزاب والحركات السياسية – في عصرنا الحديث – هي المحرك الأكثر فاعلية وتأثيراً في حياة المجتمعات وفي علاقة الفرد مع الآخر؛ إن كان ضمن الحزب أو مع الأحزاب المتواجدة في الساحة وأيضاً في علاقته مع السلطة الوطنية وبالعكس وكذلك في علاقة تلك الكتل السياسية بغيرها من الكتل والتي تتقاسم معها السلطة والسيادة أو تلك التي تعمل في الضفة الأخرى والمعارضة لأجندتها السياسية، ويمكن إدراج ما سبق بالسياسة الداخلية للحزب أو الحركة السياسية (الفاعلة)؛ أي بالمنهاج أو البرنامج السياسي للحزب وهي تتنوع وتغنى بغنى الحالة المجتمعية وكذلك الحضارية للبيئة الجيوسياسية التي تنشط فيه تلك الحركة السياسية. وهناك وإلى جانب السياسة الداخلية لا بد من التفاعل مع العالم الخارجي أي وجود رؤية وبرنامج سياسي تؤسس عليه علاقة الحركة مع غيرها من القوى والدول والأحزاب، وبالتالي فإن الحركات السياسية (داخل السلطة أو المعارضة) هي التي تنظم وترسم الملامح الرئيسية لمجمل النشاط الإنساني المعاصر إن كان بدافع الأيديولوجيا أو المصالح المادية الإقتصادية.

وتعتبر الحركة الوطنية الكوردية، وفي الأجزاء الأربعة عموماً، واحدة من الحركات السياسية الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط وخاصةً في السنوات الأخيرة. وهكذا فإن الأحزاب والكتل السياسية الكوردية في الساحة السورية كان – وما زال – لها دور فاعل ومميز داخل المعارضة السورية وذلك على الرغم من واقع الضعف والوهن الذي أصابتها نتيجةً لحالات التشظي والإنقسامات التي تعرضت لها والتي لها أسبابها الداخلية الذاتية وكذلك الخارجية من تدخلات الأشقاء في الأجزاء الأخرى أو من خلال الضغوط الأمنية على بعض الكوادر والقيادات وبهدف إضعاف الحركة من خلال تمزيقها بين ولاءات وزعامات فاقدة لمصداقيتها في الشارع الكوردي. ولكن وعلى الرغم من هذا الواقع الكارثي للحركة السياسية الكوردية فما زالت تعتبر (الناطق الرسمي) لشعبنا وقضيتنا في ذاك الجزء المسلوب من الجغرافية الكوردية وبالتالي يدعونا لأن نقف عند الأخطاء في محاولة للوقوف عليها ومعالجتها وذلك من خلال البحث عن مكامن الخلل وعلاجها.

وهذه ليست هي المرة الأولى التي نتطرق فيها لهذا الموضوع ولكن ما يدعونا بين الحين والآخر أن نعود للموضوع هو إستمرارية حالة التمزق والتشتت، بل وتجدد تلك الحالة من خلال تمزقات وإنشقاقات جديدة؛ حيث رأينا في الفترة الأخيرة بروز عدد من الخلافات وعلى شكل تكتلات وتمحورات، إن كان داخل الحزب الواحد كحالة منظمة يكيتي في أوروبا وما شهدناه من بيانات وبيانات مضادة أو ضمن إئتلاف سياسي، مثال التحالف الديمقراطي وإنشطارها بين اللجنة العليا والمجلس العام. وعند العودة إلى بيانات كل طرف تجد بأن كل اللائمة والأسباب المحرضة للتمزق تكون في الجانب الآخر – وفي أكثر الأحيان تكون القيادة هي التي تتحمل أكثر تلك التبعات وذلك في حالة الحزب وليس الإئتلاف السياسي – حيث يقول “عمر داوود” أحد الأخوة في قيادة منظمة أوروبا لحزب يكيتي رداً على سؤال يستفسر ما آل إليه الأوضاع في المنظمة بالتالي: “الحقيقة أنه أمرٌ غريبٌ وعجيب أن تقول القيادة في الداخل، لا يلزمنا هذا الحجم التنظيمي الكبير، فيكفينا خمسة أشخاص في أوروبا فقط ليتكلموا باسمنا. وعجيب أيضاً أن تتخلى القيادة بكل سهولة عن رفاقها الذين ناضلوا عشرات السنين.. والأجدر من كل هذا خَرَجَ سكرتير الحزب إلى العلن وفي الغرف الصوتية للانترنت وأعلن بشكل ارتجالي فَصلَ أكثر من / 200 / من الرفاق دون الرجوع إلى القيادة أو النظام الداخلي. وقال بكل برودةِ أعصاب من لا يتمثل لرغبتي فهو مفصول دون الاستماع إليهم أو التحقيق أو الإصغاء إلى آرائهم”.

هل يمكن ذلك حقاً ومن دون “الرجوع إلى النظام الداخلي” وهل تعطي القيادات لنفسها ذاك (الحق) بأن تتصرف في أحزاب(ها) وكأنها مزارع خاصة بها تولي من تشاء وتفصل من تشاء وبالتالي فأين هي من مفهوم الحالة المدنية المؤسساتية؛ كون الحزب (أي حزب أو كتلة سياسية) هي المعبرة والمجسدة (نظرياً على الأقل) للفكر المدني الحضاري من خلال مؤسستها الحزبية. وهل أحزاب(نا) الكوردية هي الوحيدة التي تعاني من هذه العقلية الإقصائية البترية أم تتشارك معنا بقية الأحزاب التي تعمل في بيئات ومناخات سياسية حضارية هي أقرب إلى الحالة البدائية القبلية والعقلية البطرياركية النخبوية منها إلى العقلية الإنتخابية الجمعية. وهكذا وعند العودة إلى واقع تلك الأحزاب ومنها الحالة السودانية فقد رأينا بأن هناك شبه تماثل بين الواقع السياسي الكوردي والآخر السوداني من حيث التمزقات الحزبية بين تكتلات وأطر حزبوية منسوخة وضعيفة؛ فها هو أحد رموز الحركة السودانية “الخاتم عدلان” الأمين العام لحركة القوى الجديدة الديمقراطية “حق” بالخارج وفي إحدى مقابلاته يقول: “المتابع لمسيرة كل الأحزاب السودانية منذ نشأتها يلحظ دخولها في ازمات متعددة ومتكررة من بينها متوالية الانشقاقات العددية. فقد تكاثرت الأحزاب وتناسلت بشكل لا يتناسب مطلقاً والوجود الفعلي للعديد منها او تأثيرها على الساحة السياسية، فقد اختلط علينا ماذا تعني هذه التكوينات وقياداتها والفرق السياسي والفكري والتنظيمي بينها وماهو مستقبل تلك الكيانات المنشقة عن احزابها خلال المرحلة المقبلة”.

وهكذا فإننا نجد بأن الحالة جد متقاربة بين الواقعين، فالعقلية السائدة والتي تتأسس عليها الحالة السياسية هي واحدة في بنيتها المعرفية الحضارية القائمة على التفرد والتسلط وليس التشارك والتشاور؛ حيث من طبيعة الحياة التنوع والإختلاف وبقدر ذاك التنوع يكون الغنى والثراء وكذلك التناغم والإنسجام. وبالتالي فمن طبيعة الحياة الإجتماعية والسياسية أن تكون هناك التباين والإختلاف في الآراء ووجهات النظر بين الكتل السياسية وفي داخل الإطار الحزبي الواحد مما يخلق فرصة حقيقية لتبادل وجهات النظر والوقوف على القضية الواحدة من زوايا رؤيوية مختلفة ومتباينة وبالتالي إختمار وإختبار المواقف السياسية وإعتماد الأكثر خدمةً لمصالح القضية الواحدة، كون كل تلك الكتل السياسية الداخلة في نسق أيديولوجي ما تعمل (على الأقل في المستوى التنظيري) لخدمة أهداف مشتركة وبالتالي فهي بحاجة إلى تكاتف الصف الواحد وليس إلى البتر والإستئصال كما يدعو إليه أحد الأقطاب الأخرى من نفس التيار والمناخ السياسي؛ ألا وهو “الحاج وراق” الأمين العام لحركة القوى الحديثة «حق» وذلك عندما يصف “الانشقاق بأنه مثل بتر جزء من الجسد شاق على النفس رغم انه قد يكون مبرراً بل وضرورياً في بعض الأحيان لصحة كامل الجسد وذلك لأجل ايقاف انتشار عدوى الجزء المصاب”. بينما يذهب زميله “الخاتم عدلان” الى وجهة مغايرة حين يرى “ان الغالبية الساحقة من الانشقاقات تدل على غياب الديمقراطية داخل الأحزاب السودانية على مستوى القيادة والقاعدة، ويقول لو كانت المجموعات المنقسمة وجدت داخل احزابها وعلى ارضيتها الفكرية والسياسية والتنظيمية كافة الحقوق التي تكفل للأقلية الدعوة لآرائها والانتصار لها بطرق ديمقراطية داخل الحزب لما فضلت الانقسام والخروج”.

إذاً تماثلٌ في الواقع ويعني تماثل التجربتين؛ التجربة الحزبية الكوردية والسودانية في مقالنا هذا، حيث يشتكي كلا القياديين (عمر داوود والخاتم عدلان) وكلٌ ينطلق من تجربته الذاتية مع قيادة الحزب وواقعها بأن غياب الديمقراطية وتسلط وتفرد القيادة في إتخاذ القرارات و”بشكل إرتجالي” وبعقلية بطرياركية بترية هي التي أدت وتؤدي بالحركتين إلى الواقع الراهن المنقسم والمتشرذم بحيث بات أحدهم يتساءل عن مستقبل هذه الكتل السياسية والتي تجاوزت الحدود المعقولة والمنطق وخاصةً في التجربة الكوردية في غرب كوردستان كونها ما زالت في طور حركة تحرر ولم تصل بعد إلى مرحلة تشكيل الدولة السياسية وقيادتها لتكون هناك إمتيازات ومصالح مادية وإقتصادية تختلف حولها تلك الكتل والرموز السياسية. وبالتالي ونتيجةً لما تقدم يتبين لنا بأن إحدى الدوافع والأسباب الكامنة وراء هذه الانشقاقات المتكررة داخل الحركة الوطنية الكوردية تكمن في غياب الديمقراطية داخل التجربة السياسية والحزبية الكوردية وتسلط القيادة على كل المفاصل وبطريقة شبه إستبدادية متماثلة ومتمفصلة إلى حدٍ بعيد مع التجربة السياسية للبلدان التي تتسلط على رقاب تلك الشعوب بأحزابها وقادتها السياسيين والذين من المفترض بهم أنهم يعانون من إستبداد الدولة وبالتالي الموكلون بمحاربة تلك العقلية والسلوك السياسي في التعامل مع المعارضة، إلا إننا نجد على أرض الواقع بأن المعارضة تنتج التجربة (تجربة السلطة واستبدادها) بطريقة جد هزلية في قمعها للقواعد أو لأي صوت وتيار لا يخضع لسلطة (الأب الشرعية) بحكم الأقدمية الحزبية.

وبالتالي وعوضاً أن تقوم الحركة الوطنية الكوردية بالدور المنوط بها بـ”أن تقوم بثورة ثقافية في داخلها لكي تكون مستعدة للقيام بدورها الجديد” وذلك على حد تعبير “محمد العربي المساري” في تقييمه للتجربة السياسية في المغرب العربي، فإننا وجدنا بأن الحركة السياسية الكوردية وبأحزابها (المختلفة) قد دخلت في صراعات هامشية داخلية ألهت القواعد والقيادات عن صراعها الحقيقي مع السلطات المستبدة القمعية بأجهزتها الأمنية مما أفقدها ثقة الجماهير الكوردية والإبتعاد عنها وقد رأينا تجربة ثماني أحزاب وهي تدعوا الجماهير الكوردية للخروج بمظاهرة إحتجاجية ضد المرسوم (49) سيء الصيت والذي يمس حياة ومصالح تلك الجماهير ذاتها، ومع ذلك فلم تستطع تلك الأحزاب ومجتمعةً أن تدفع ببعض المئات وليس الآلاف إلى أمام مبنى البرلمان في العاصمة السورية دمشق وهذه تكشف بجلاء مدى (جماهيرية) الحركة الوطنية الكوردية وبالتالي تستدعي أن نقف عندها بعمق في محاولة لرأب الصدع الحاصل بين تلك الجماهير والأحزاب الكوردية وبالتالي وضع الحركة – من جديد – على السكة وعندها فقط يمكن لنا كشعب وأمة أن نأمل بأن (غداً) كمستقبل مشرق لقضية شعبنا “لناظره قريب”.

إقليم كوردستان – 2009