الرئيسية » مقالات » اللعب على حبال غزة..!؟

اللعب على حبال غزة..!؟

في مقالي السابق والموسوم (غزة والطريق الى الحل)(*)، كنت قد حددت ثلاث محاور أساسية للتحرك من خلالها من أجل التوصل الى صيغة مناسبة للخروج من المأزق السياسي والدرامي الذي وضعت فيه القضية الفلسطينية، سواء من قبل أعداء القضية أو من قبل أبنائها أنفسهم، من السياسيين الفلسطينيين..!

وقد كانت الأرضية التي أنطلقت منها في تحديد سبل الحل المطلوب ومحاوره، تتحدد في الحالة التراجيدية المأساوية التي يعيشها شعب غزة الصابر، مؤكداً بالأساس عل أهمية التفكير؛ بأن شعب غزة هو اليوم من يحتاج الى الحماية، وما يؤكد ذلك ما وصل اليه سوء الحال الآن بعد أن بلغ عدد الضحايا من الشهداء أرقاماً كارثية لا يمكن لأي إنسان مهما بلغ من برودة الدم أن يتحملها، حتى لو سارت في عروقه دماء (بليتسي ليفني) وزيرة خارجية إدارة الحرب الإسرائيلية..!

لقد كتبت منتقداً ولا زلت، تلك الكتابات التي حاولت ولم تزل تحاول، الشماتة وتوجيه الأنظار فقط الى حركة حماس بإعتبارها تتحمل مسؤولية ما يقع في غزة من مجزرة ضد الإنسانية، صارفة تلك الأنظار عن حقيقة تحمل إسرائيل مسؤوليتها الكاملة عن هذه المجزرة وبسبق إصرار وتعمد، ومع ذلك فإن حماس لا يمكن أن تكون في منجى من أخطائها التكتيكية والسياسية، ونظرتها العدمية للإنسانية، ولا يمكن أن تفسر تلك الأخطاء وتلك العدمية لصالحها، رغم تأطيرها بالشعارات التعبوية والحماسية، أو منحها مسحة دينية قدسية..!؟

فما يتعرض له شعب غزة اليوم من مجازر دموية بيد الآلة العسكرية الإسرائيلية المجنونة، لم يكن مجرد “أذى جسدي” على حد قول السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إنه الشعب من يقدم كل هذه التضحيات، وليس عبثاً أن قدمت العديد من الشعوب التضحيات من أجل التحرير من العبودية والإحتلال، ولكن كان لمثل هذه الشعوب دورها في تحديد الوقت والعدة والإستعداد عند خوضها غمار تلك المجابهة ضد أعدائها، كما ولها حساباتها الدقيقة في تحديد اللحظة المناسبة لكل ذلك، وفي مقدمتها وحدة الصف الوطني..!

لا أظن ان قادة حماس لا يدركون طبيعة الظروف التي يمر بها شعب غزة اليوم، وفي مقدمتها حالة الحصار التي تفرضها العسكرية الإسرائيلية، كما لا أظنهم لا يدركون بأن من فرض هذه الحرب البربرية على شعب غزة هي نفسها سلطة المحتل، وهي سلفاً من حددت متى وأين وكيف ستنفذها، وهم يدركون بأن الهدف الحقيقي وراء الموقف الإسرائيلي من هذه الإبادة البشرية لا ينحصر في إنهاء دور حماس كما يروج له حسب، بل يتعداه ليشمل القضية الفلسطينية نفسها، ولينتهي الى منع قيام الدولة الفلسطينية الديمقراطية الموحدة، وإن كان هناك من حل لدى إسرائيل لهذه القضية، فهو لا يعدو عن كونه تفتيت لوحدة الشعب الفلسطيني، وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، وشرذمة الشعب الفلسطيني هناك في كانتونات متفرقة تحت الإدارة الإسرائيلية، وغيرها من السيناريوهات التي تتحدث عن ضم قطاع غزة الى الإدارة المصرية، وتصفية القضية الفلسطينية على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، فهل ستكون الأولوية في تفكير السياسيين الى ذلك..؟؟!

ما يؤلم في الأمر، ومع تصاعد وتيرة أعداد الضحايا من الشهداء الفلسطينيين وتضخم أعداد المصابين، فأن ما يعتبر إلتزاماً على أي فصيل سياسي فلسطيني، وفي ظل ظروف العدوان التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة، هو ما يقدمه هذا الفصيل من أجل هذا الشعب، وهو في أقل الدرجات، موقف التوحد ولم الشمل، والتعاون المشترك بين جميع أبناء الوطن الواحد والوصول الى وحدة القرار الفلسطيني، ولكن ما يراه المرء وعلى العكس من ذلك، وكأن الأخوة في قيادة حركة حماس، قد عزموا أمرهم، وإستُدرجوا الى موقف العزلة من خلال التمسك، بما رسمته بعض الأوساط العربية والإقليمية، من حالة التفرق والشرذمة لوحدة الصف الوطني العربي والفلسطيني، والإنقياد وراء أجندات أجنبية لم تُظهر ذلك الحرص المطلوب، ولم تقدم أقل ما يمكن أن تقدمه من موقف المؤازرة والمعاضدة الحقيقيين الى الشعب الفلسطيني في محنته الراهنة..!؟ وإلا ما معنى تجميد العلاقات القطرية الإسرائيلية والموريتانية الإسرائيلية القائمة “مؤقتاً”، مع علم الجميع بأن قطر هي من بح صوته لعقد مؤتمر للقمة في الدوحة يوم 16/1/09 ، أم أنه حقاً وكما يقال؛ ” تمخض الجمل فولد فأرا”..!!؟

فأي مقاومة تتحدث عنها قيادة حركة حماس لا تأخذ بعين الإعتبار كل ذلك، إنما يضع مجمل الحركة الوطنية الفلسطينية في موقع لا تحسد عليه من الضعف والإنعزال. أما التشبث بعامل الفرقة الحاصل في الوسط العربي، من قبل حركة حماس، ومحاولة المراهنة عليه في خططها المستقبلية، وبالذات في نطاق محور قطاع غزة، فهو الآخر يفقدها قرارها الفلسطيني المستقل، ويضعه نهباً بين المصالح المتباينة للآخرين، خاصة وإن حماس قد لمست موضوعياً ما تعنيه حالة الإنشقاق وسياسة المحاور في الوسط العربي ومقدار ما يمكن أن يقدمه ذلك من أجل القضية الفلسطينية، وليس بعيداً ما إنتهى اليه مؤتمر قمة الدوحة الطاريء الذي لم يقدم جديداً في هذا الإطار..!

لقد حضرت القيادة الإيرانية ممثلة برئيس الجمهورية أحمدي نجاد الى مؤتمر قمة الدوحة فما تراها قدمت تلك القيادة أكثر مما قدمه البلاغ الختامي لذلك الإجتماع، وكم فاد قادة حركة حماس حضورهم منفردين الى الإجتماع في غياب السلطة الشرعية الوطنية..؟ وهل كان الأمر ضرورياً لدرجة سحب إجندات الصراع العربي الإيراني الى قمة عربية كان هدفها المعلن نصرة الشعب الفلسطيني، إن لم يكن في ذلك تعبير عن تعميق شقة الخلاف الفلسطيني على خلفية تلك الصراعات..؟

يحدونا الأمل أن يتمكن مؤتمر القمة العربية المنعقد في الكويت، تدارك ما آلت اليه حالة التمزق في الصف العربي التي هيمنت على المناخ العربي منذ وقت ليس بالقصير، وأن بتخذ من القرارات الواقعية ما تساعد على رأب الصدع في البيت العربي والفلسطيني، لتداخلهما من حيث الأسباب والنتائج، مع الأمل أن تدرك الفصائل الفلسطينية جمعاء حقيقة الأمر، وأن تتفهم ما تسفر عنه من نتائج مأساوية، سياسة اللعب على حبال غزة التي تنتهجها بعض الأوساط القريبة والبعيدة ذات الأجندات الخاصة، وتداعياتها الكارثية على مصالح الشعب الفلسطيني ووحدته الوطنية، فإسرائيل وحدها المستفيد من كل ذلك، وما حدث ويحدث في غزة إلا البرهان على ذلك، والدرس الذي ينبغي أن يستوعبه الجميع، عندما تفتقد الوحدة الوطنية..!
____________________________________________________

(*) http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/7gaza.htm