الرئيسية » مقالات » الهجرة والتهجير في الادب السياسي العراقي

الهجرة والتهجير في الادب السياسي العراقي

لا فقر اشد من الجهل
سل تفقها ولا تسأل تعنتا
لو تمثل لي الفقر رجلا لقتلته!
الفقر في الوطن غربة
لا تكن للظالم معينا!
ليست الصلاة قيامك وقعودك انما الصلاة نزاهتك!
ليس الخير ان يكثر مالك وولدك،ولكن الخير ان يكثر علمك

موضوعة المهجرين واللاجئين العراقيين اقتحمت الادب السياسي كواحدة من ابرز قضايا الاضطهاد والتمييز في العراق،وهي مشكلة كبيرة تواجه الدولة العراقية،لان الاسباب التي دفعت الملايين الى الهجرة والترحال القسري،ومهما اختلفنا في تحديد جذورها وتشخيص المسؤول عنها وتباينت الآراء بصددها،تبقى خطيرة.ولم تظهر مشكلة التمييز الطائفي والتهجير وقضية اللاجئين العراقيين مع انقلاب 17 تموز سنة 1968 رغم انها تفاقمت واتسعت وشملت مئات الآلاف من المواطنين وابناء الشعب العراقي واصبحت احدى مظاهر ازمة النظام الممعن في اجراءاته القمعية المعادية للحريات والحقوق الانسانية والتي ادت الى ان يعيش قرابة الثلاثة ملايين مواطن عراقي مكرهين خارج وطنهم تتوزعهم المنافي القريبة والبعيدة.وبات التمييز الطائفي جزءا من النظام القائم في العراق اثر تشكيل الدولة العراقية الحديثة اوائل العشرينات والثغرات الشوفينية والتمييزية التي احتوتها صيغ اول قانون للجنسية العراقية رقم(42)لسنة 1924 وقانون الجنسية لسنة 1963 المرقم(243).وتضررت الاقليات الاثتية باجراءات السلطات الحاكمة في حينه عبر القرارات الكيفية ومصادرة الاموال والممتلكات،الا ان نظام صدام قد فاق الجميع في اتساع انتهاكات حقوق الانسان والحريات الديمقراطية بعهده الذي اصبح زاخرا بالجريمة والارهاب.وتحول التهجير القسري الشامل للقرى والمدن،واسقاط الجنسية عن عشرات الالوف من العوائل العراقية،وارغام البقية المتبقية الى عبور الحدود هربا من آثار استخدام الأسلحة الكيماوية والقصف الوحشي ومن بطش النظام،تحول كل ذلك الى حجر زاوية في سياسة غدر الطغمة الحاكمة واجراءاتها الانتقامية العقابية ضد خيرة ابناء الشعب العراقي.
بانوراما التهجير في العراق 1940 – 2007

فترات التهجير حملات التهجير
1941- 1950 تعرض يهود العراق الى المطاردة والقمع والاستبداد والتهجير والفرهدة..وبالحاح الانكليز سمحت الحكومة العراقية لليهود بمغادرة العراق شريطة تخليهم عن الجنسية العراقية فغادر حوالي 125000 يهودي بعد ان تم تجميد ومصادرة ممتلكاتهم.
1963 – 1968 حملات قمع وتهجير واسعة ضد الحركات السياسية ورموزها،ولاعداد من سكان الجنوب العراقي بذريعة التبعية لايران ولضيق اصحاب الكفاءات باجواء القمع السلطوي..بلغ عدد المهاجرين العراقيين من اصحاب الكفاءات خلال ثلاثة اعوام فقط بين (1966 – 1969) 4192 شخصا الى الولايات المتحدة و254 شخصا الى كندا،وان عدد الذين نالوا الجنسية الامريكية من هؤلاء خلال الفترة المذكورة 975 عراقيا.
1969-1971 التهجيرالقسري ضد العراقيين الشيعة والاكراد الفيلية بدعوى الاصول الايرانية – 150000 مهجر .
1975 – 1978 هجرة واسعة للاكراد العراقيين باتجاه ايران ودول اخرى بعد توقيع النظام العراقي اتفاقية الجزائر عام 1975 مع نظام الشاه،والتي مكنته من التفرغ لشن حملات قمع وابادة ضد الاكراد العراقيين في منطقة كردستان…تهجير اكثر من 150 الف مواطن كردي عراقي من مناطق سكناهم في كردستان الى مناطق اخرى في الوسط والجنوب وتم توطين قسم كبير من هؤلاء المهجرين في بيئات صحراوية لم يعتادوا عليها.
1980 نيسان 1980،وتهجير التجار الشيعة،وتوالي حملات التهجير بعد ذلك بمعدل(2000 مهجر)/يوم… قرار الحرب العراقية الايرانية.. وتهجير مئات الآلاف من سكان الجنوب بحجة التبعية الايرانية..
1980 – 1988 350- 500 الف مهجر الى ايران وفق المركز الوثائقي لحقوق الانسان في العراق.
1986- 1988 الانفال الكردستانية وعشرات الالاف من الضحايا الكرد وما يقارب من نصف مليون مشرد ومهجر الى ايران وتركيا والمحافظات العراقية.
1991 من الهجرات الكبيرة في تاريخ العراق وربما في تاريخ المنطقة برمتها،جعلت العراقيين يقفزون في احصائيات الأمم المتحدة الى الموقع الرابع بين الدول الاكثر تصديرا للمهجرين في العالم.
2004 – 2007 اضخم هجرة داخلية والى خارج العراق في تاريخ العراق،وربما في تاريخ المنطقة برمتها منذ نكبة فلسطين 1948.

جدول يبين المستويات العلمية للمهاجرين العراقيين عام 2000 وفق احصائيات الامم المتحدة

العراق مهارة قليلة(اقل من 8 سنوات في المدرسة) مهارة متوسطة(9- 12 سنوات في المدرسة) مهارة عالية(13 سنة واكثر في المدرسة) المجموع
34.8 26.6 38.6 100

لازالت الحكومة العراقية اليوم دون مستوى المشكلة والمسؤولية،ولم تخطو الخطوات الضرورية التي تعبر عن الحرص على هذه الملايين من ابناء شعبنا،وهي ملايين تركت مصائرها الى مشيئة الأقدار..ورغم اتخاذها مجموعة من القرارات والتدابير الرامية الى تشجيع وتحفيز عودة النازحين واللاجئين الى ديارهم،ومع تحقيقها المكاسب الامنية النسبية،فان المهجرين واللاجئين مستمرون بالبحث عن انسانيتهم المهدورة لمواجهة المعاناة المريرة وابسط مقومات الحياة والبطالة وقلة فرص العمل وتردي الخدمات وغير ذلك،الى جانب اصوات التهديد والوعيد التي تدعوهم الى العودة من حيث اتوا،وبعد ان امتدت جذور مشكلتهم في قلب الملحمة السياسية العراقية.
لم يعد التهجير في بلادنا حوادث متفرقة تروى بل امسى حالة مقرفة وظاهرة عينية مشفوعة بالادلة،وتؤيدها الاحصائيات والارقام.التهجير القسري والاحترازي للعراقيين هو اكبر ترحال قسري يشهدها العالم في تاريخه المعاصر،ورغم المعاناة الهائلة لخمسة ملايين عراقي هجروا في الداخل والخارج منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003،ورغم المخاطر التي مثلتها هذه الهجرة على وحدة اراضي العراق وعلى النسيج الاجتماعي لشعبه وعلى السلم والأمن الدوليين،الا ان هذه الجريمة لم تنل من المجتمع الدولي ومؤسساته ولا من الدول العربية ومؤسسات العمل العربي المشترك اهتماما جديا،مثلما اقتصرت اجراءات الدولة العراقية على البيانات الخجولة والاجراءات اقل ما يقال عنها انها لا تتناسب مطلقا مع حجم الجريمة.
لا تتحرك الحكومة العراقية بالقوة والصرامة المطلوبة لمعالجة قضية المهجرين واللاجئين الذين يشكلون نسبة 10%من الشعب العراقي!والمشردين عن ديارهم المطوقين بالخوف واليأس!والذين انتزع العنف منهم ذكرياتهم ومنازلهم الاولى الحميمة!والعراقيين الذين تطحنهم رحى الغربة!ان دفع مبلغ 1.8 مليون دينار(حوالي 1500 دولار)للاسر التي تحتل بيوت غيرها من العوائل النازحة المنتمية الى طوائف مختلفة والتي تريد العودة الى ديارها،ودفع حوالي 840 دولار لكل نازح او لاجئ يعود الى دياره،ودفع اعانة شهرية بمبلغ 150000 دينار عراقي(حوالي 145 دولار)لكل اسرة نازحة لم تتمكن بعد من العودة الى ديارها على مدى ثلاثة اشهر من فترة نزوحها،ومساعدة اللاجئين العراقيين في الدول المجاورة عبر منحهم تذاكر طيران مجانية عند اتخاذهم قرار العودة وتسهيل الشحن المجاني لممتلكاتهم ومنحهم تعويضات عن الاضرار التي لحقت ببيوتهم….ان اجراءات تحفيزية من هذا القبيل تبقى متواضعة ولا تنسجم مع هول فضيحة العصر والكارثة الجريمة اذا اخذنا بنظر الاعتبار بقاء الميليشيات المسلحة في مناطقها على الرغم من انتشار القوات الامنية،وبين هؤلاء من انخرطوا في الصحوات..ان بعض من استولوا على منازل المهجرين لا يملكون اي مأوى مما يدفعهم الى تهديد مالكي الدور،ان العديد ممن ارغموا على ترك منازل المهجرين قاموا بتفجير هذه المنازل بعد نهبها من باب الانتقام ولم تلاحقهم الدولة!!هناك اهمال وتقصير واضح من لدن الحكومة العراقية تجاه اللاجئين والنازحين،وهي لا تقدم لهم الدعم اللازم سواء بشكل مباشر عبر اعطائهم المال اللازم والمساعدات الغذائية والعينية والتأمين الامني والتعويض عن فترات وظروف القهر والحرمان التي عاشوها او بشكل غير مباشر عبر مساعدة المجتمعات المضيفة لهم.
لقد حملت المجموعة الدولية للازمات في تقريرها المنشور في 47 صفحة يوم 10 تموز 2008 المجتمع الدولي والحكومة العراقية الفشل في تحمل مسؤولياتهما تجاه قضية المهجرين واللاجئين العراقيين،والذين يواجهون ظروفا مزرية في ظل تقلص مدخراتهم،وبسبب حدة التوتر بينهم وبين المجتمعات المضيفة لهم!واكدت منظمة العفو الدولية(AMENESTY)في تقرير لها في 20/6/2008 بمناسبة اليوم العالمي للاجئين انه في الوقت الذي لا يزال العراق يشكل احد اكثر الاماكن في العالم خطورة فان أزمة اللاجئين فيه تزداد تفاقما،وان احوال العديد من الاسر ساءت الى حد الاملاق وهي تواجه خيارات مستحيلة ومخاطر مستجدة كتشغيل اطفالها او مواجهة احتمال الاضطرار الى العودة الطوعية الى ديارها بسبب تدهور ظروفها..ودعت منظمة العفو المجتمع الدولي ولا سيما تلك الدول التي شاركت في الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق الى اتخاذ خطوات حقيقية للتخفيف من معاناة من ادى الغزو والتطهير العرقي الى تهجيرهم،كما شددت على انه يتعين على هذه الدول تحمل مسؤوليتها في مساعدة العراق والدول المضيفة والمنظمات الانسانية العاملة في بلادنا،على وجه السرعة،كيما تكون قادرة على دعم الاعداد الهائلة من اللاجئين.لقد تخلفت الدول التي شاركت في الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عن واجباتها الاخلاقية والسياسية والقانونية لعدم تقديمها المساعدات الضرورية للاجئين العراقيين،اضافة الى محاولات بعضها طرد العراقيين،ولجوء البعض الآخر الى وسائل غير مباشرة كقطع المساعدات عن طالبي اللجوء لارغامهم على العودة الى العراق،وهذا ما يثير القلق.
ولازالت الهيئات الانسانية،كمكاتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للامم المتحدة(UNHCR)وبعثة الأمم المتحدة في العراق(يونامي)و مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع،عاجزة عن مواكبة المتطلبات المتنامية مع تنامي عدد اللاجئين الذين يحتاجون الى الاساسيات حتى يتمكنوا من البقاء،فعدم كفاية التمويل يعني لها انها لن تكون قادرة على تغطية جميع الاحتياجات الصحية الاساسية للمهجرين ولن يتمكن العديد من العراقيين الذين يعانون امراضا خطرة ومزمنة من تلقي وجباتهم الشهرية من العلاج،كما انه يعني تقليص المساعدات الغذائية ما سيدفع العديد من العراقيين الى المزيد من الفاقة ويعزز احتمالات زيادة معدلات سوء التغذية وعمل الأطفال.ويؤكد مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للامم المتحدة في العراق(منظمة الهجرة الدولية)في تقريره النصف سنوي لعام 2008 ان تحسن الاوضاع الامنية في العراق يخفض من معدل النازحين داخل العراق،ويشجع هذا التحسن شريحة من هؤلاء النازحين على العودة الى مناطقهم ومنازلهم…الا انه لايزال هناك 2.8 مليون نازح عراقي يعانون اوضاعا صعبة ويفتقرون الى الخدمات المعيشية الاساسية مثل المسكن المناسب والمواد الغذائية والمياه النظيفة والخدمات الصحية،وهؤلاء داخل العراق يعانون نقصا في الكهرباء والخدمات التعليمية ايضا.ان 63% من النازحين العراقيين داخل العراق لا يستطيعون الاعتماد على اقربائهم لتأمين مساكن،فهم يعانون بسبب ذلك غلاء الايجارات والعيش في اكواخ طينية.
ويفيد تقرير نشرته منظمة الهجرة الدولية في 15 آب 2008 بالتعاون مع وزارة الهجرة والمهجرين العراقية وجمعية الهلال الأحمر العراقي ان النازحين القاطنين في الخيام لا يحصلون على الخدمات الاساسية او يحصلون على جزء قليل منها فقط ولا يستطيعون حماية انفسهم من الظروف الجوية القاسية ويسكنون في اماكن بعيدة عن الخدمات الطبية والتعليمية وغيرها،بالاضافة الى انعدام الخصوصية العائلية والكرامة الشخصية.فالاوضاع المعيشية في مخيم المناذرة الصحراوي،20 كلم جنوب النجف،مزرية حيث تعيش العوائل التي طردت من المباني العامة الآن في خيام او كرفانات مكتظة!وكذلك الحال في مخيم قالاوا شمال محافظة السليمانية اذ لم تحصل العوائل النازحة حتى الآن على خدمات الصرف الصحي والكهرباء والمراحيض.وهذه المعسكرات محاطة بالقمامة والازبال والقاذورات!وتتخوف العوائل النازحة من ان تقوم السلطات العراقية باغلاق هذه المخيمات لانها لا تستطيع العودة الى ديارها حتى وان اصبحت اكثر امنا نسبيا لان المسلحين لا زالوا يجوبون مناطقهم في انتظار الفرصة المناسبة لشن هجماتهم مرة اخرى!
يؤكد وزير المهجرين والمهاجرين عبد الصمد رحمن سلطان في المؤتمر الصحفي الذي عقده ببغداد في 24/7/2008 ان تنفيذ السياسة الحكومية تجاه النازحين تواجه مشكلتين:الاولى تتمثل بان 65% من العوائل النازحة هي مستأجرة ولا تملك مسكنا،والمشكلة الثانية ان 15% من هذه العوائل دمرت منازلها السكنية او اغتصبت من قبل جيوب العصابات والميليشيات في بعض المناطق.هناك 3350 ملك مغتصب في مدينة بغداد وحدها وفق التقارير الحكومية.
وتؤكد منظمة العفو الدولية انه على الرغم من الادعاءات الشائعة بان التحسن الذي طرأ على الاوضاع الامنية في العراق قد ادى الى عودة طوعية للاجئين فان واقع الحال يظهر ان معظم هؤلاء قد عادوا لانهم قد انفقوا كل ما يملكون ولم يعد معهم ما يقيم اودهم،فقدوا قدرتهم على التحمل جراء حجم المعاناة التي مروا بها وشدة وطأتها في اماكن الهجرة..وكانت اوسع واخطر عليهم من تلك التي دفعتهم الى الهجرة،وهم يعودون رغم ما سيواجهون من مخاطر حقيقية على ارواحهم.وحذرت المنظمة من ان التقاعس في مواجهة الازمة يسهم بالتدهور الحاد الذي تشهده حماية حقوق الانسان للافراد الذين اجبروا على الفرار من ديارهم طلبا للسلامة،وان ثمة حاجة ماسة للدعم حتى تتمكن المجتمعات المضيفة من تحمل مسؤولياتها في افساح المجال امام دخول جميع الفارين من العنف في العراق ومن انتهاكات حقوق الانسان الى اراضيها.
هناك اهمال واضح من قبل الحكومة العراقية والحكومات الأخرى والمنظمات الدولية لاحتياجات النازحين في الداخل واللاجئين في دول الجوار الذين تعرضوا للنسيان”كما تؤكد المفوضية العراقية لمؤسسات المجتمع المدني التي تضم اكثر من 1000 منظمة غير حكومية”وان العراق ما يزال بلد نزاعات ولذلك هو من اخطر الاماكن في العالم،كما انه لا بد من تقوية المؤسسات العراقية حتى تتمكن من تقديم خدمات افضل للعراقيين المستضعفين وخصوصا النازحين وتوفير معلومات متكاملة عنهم،وتتحمل المؤسسات الحكومية كامل الملامة لندرة البيانات المتعلقة بالنازحين!
كانت الأقليات الدينية والعرقية ولا تزال ضحايا للعنف والجماعات المسلحة والتمييز القانوني والتهميش السياسي والاجتماعي في العراق،حيث تعاني من ضياع الحقوق في المشاركة السياسية والحرية الثقافية وحرية ممارسة عقائدهم.لقد حذرت المجموعة الدولية لحقوق الاقليات في تقارير لها،اكثر من مرة،من خطورة اضطهاد الاقليات في بلادنا،وذكرت ان الميليشيات المسلحة اجبرت عشرات العائلات المسيحية في بغداد والصابئة المندائيين على الهجرة خارج العراق او اللجوء الى كردستان رغم ان ديانتهم لا تتعارض ومفاهيم الاسلام!وتعرب جماعات الصابئة المندائيين عن خوفها من ان تتعرض للقتل والتهجير في العراق بينما لا تزال النزاعات العرقية والعنف مستمر في كركوك..لايزال مجتمع الشبك في الموصل ونينوى يشكو من التعرض للعنف والتهديد،ورحلت اكثر من 1100 عائلة للاقامة في قرى خارج مدينة الموصل.ويتذمر البهائيون من التمييز العنصري الممارس ضدهم لدى التعرف على هوياتهم عند السفر او انجاز المعاملات.لقد ساهمت الاشاعات المقصودة منها او العفوية بتأجيج حالة الفزع واتساع خارطة التهجير،الامر الذي ادى الى تهجير آلاف العوائل المسيحية والصابئة وتشتيتها داخل العراق وخارجه.ان الكثير من العائلات المهجرة فضلت ترك العاصمة بغداد نهائيا والعودة الى اصولها في المحافظات الوسطى والجنوبية،بينما توافدت آلاف العائلات المسيحية على محافظة اربيل.وبعد الارتفاع الهائل الذي حصل في اسعار العقارات اواخر عام 2006 سكنت الكثير من العائلات المهجرة في المقابر!عشرات الدور المعروضة للبيع او للايجار،كانت تسكنها عائلات كردية في بغداد ونزحت منها قسرا او طوعا وتوجهت الى اقليم كردستان،بحثا عن الامان والاستقرار.لا تزال الأقليات تشعر بالقلق ازاء تهميشهم السياسي نتيجة للصراع المسلح الدائر،ويتذمر معظم ممثلي الاقليات من عدم الاعتراف بهم كما ينبغي في الدستور العراقي،ويسعون للحصول على ضمانات اكثر عند مراجعة الدستور العراقي خصوصا فيما يتعلق بهويتهم وتمثيلهم السياسي.
ان ما قامت به الحكومة العراقية والجهات المعنية من اجل المهجرين ضئيل جدا بالمقارنة مع احتياجاتهم الضرورية،ومن المؤسف ظاهرة عدم سماح عدد من المحافظات للمهجرين البقاء ضمن حدودها الادارية.وتتغافل الحكومة ان عمليات التهجير في اطارها العام قد خضعت اصلا الى”أهداف ومصالح”واجندات،وجرت على مستوى التطبيق الميداني اساليب تهديد مباشرة وعلنية وبشتى السبل،وتسببت في نشر الذعر العام،وتوسعت السوق الرائجة لاصحاب الغرض السيئ وللعصابات الخارجة عن القانون والتي لم تترك وادي الا وسلكته،لترحل الكثير من العوائل احترازيا واستباقا للوقت ليكونوا اصحاب المبادرة قبل ان تفرض عليهم وتكون القضية بين الحياة والموت!كما تتناسى الحكومة العراقية ان عمليات التهجير استهدفت بالاساس تمزيق النسيج الاجتماعي العراقي وابداله بصبغة طائفية او عرقية وتحويل نعمة التنوع الى مشكلة تؤرق العراقيين وباب للاحتقان الطائفي يمكن ان يفتح في اي لحظة،وخلق جبهات متقابلة لدى جميع الاطراف واستخدام اصحاب الغرض السيئ والنفوس الضعيفة في تهديد جميع الاطراف!
يتطلع المهجرون واللاجئون في بلادنا اليوم اكثر من اي وقت مضى الى ان تلتفت لهم الحكومة العراقية باعتبارها المسؤولة الاولى عن شؤونهم، خصوصا ان الحكومة تتمسك بمشروع وطني لتحقيق العدالة!قضية المهجرين واللاجئين بحاجة الى معالجة واقعية شاملة- برنامج وطني شامل وعمل متواصل بحرص ومثابرة وجدية- حملة وطنية شاملة تتضمن حلولا عملية واجراءات سريعة وعاجلة واجراءات اخرى استراتيجية طويلة الأمد،في معالجة الاوضاع السيئة وظروف القهر والعوز التي يعاني منها المهجرون،وتقديم كل الرعاية والدعم والاسناد لاعادة تأهيلهم واندماجهم بالمجتمع واعادة البسمة الى شفاه الاطفال والفرح والدفء الى تلك العوائل التي عاشت فصول المأساة المرعبة،وتقديم المنح والمساعدات وتسهيل طرق تقديمها بعيدا عن الروتين الطويل،وتأمين عودة المهجرين الطبيعية الى مناطق سكناهم وديارهم وبيوتهم وحمايتهم من تهديد او ابتزاز من شغل هذه البيوت طوال فترة التهجير…شريطة ان تساهم كل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية لتنفيذ الآليات التي تعتمد عليها السياسة الوطنية للنزوح وفي مقدمتها قيادة خطة فرض القانون ووزارة الصحة ومجلس محافظة بغداد ومنظمات الأمم المتحدة المتخصصة!ان تأمين عودة من يرغب الى منطقته وبيته،وحفظ املاك وبيوت المهاجرين والمهجرين وحمايتها،وتأمين الرعاية الكريمة لحياة هذه الملايين من ابناء شعبنا،انما هو واجب وطني مقدس،وان القلوب والعيون تصبو نحو كل موقف منصف ومعين.

19/1/2008