الرئيسية » المرأة والأسرة » طقوس الزواج العراقية.. من القسمة والنصيب الى السمسرة والتكتيك..

طقوس الزواج العراقية.. من القسمة والنصيب الى السمسرة والتكتيك..

العالم تبدل والعراق كذلك، وكذلك آليات الزواج. وأول مظاهر هذا التبدل الزواج الصوري أو «الأبيض» من أجل تسهيل الحصول على الاقامة في بلدان اللجوء، وزواج الانترنت، والعودة الى الخاطبة في تدبير الزيجات خصوصاً في الدوائر الحكومية. انها طقوس الزواج الجديدة في عراق ما بعد الحرب.
تحمل وسن صورة شقيقها في حقيبتها، وكلما صادفت فتاة اعجبتها تخوض معها في حديث مشوق تتطرق فيه الى شقيقها وينتهي دائما بمشاهدة الفتاة صورته ومحاولة اقناعها بأن يتقدم لخطبتها…

لات شبه وسن الصورة التقليدية للخاطبة التي تحمل صور فتيات وشبان وتدور بها بين المنازل لتجمع الرؤوس «في الحلال»، اذ لا وجود لهذه الخاطبة في العراق بشكلها المعروف عربيا. ذلك ان الامهات والشقيقات يؤدين مهمتها بنجاح فيعرض بعضهن صور ومحاسن الاشقاء او ابناء الاقارب للفتيات وتعمد الاخريات الى عرض انفسهن أو صور شقيقاتهن او اقاربهن بطريقة غير مباشرة على معارفهن من الرجال عسى أن يقود ذلك الى الزواج. وفي الدوائر العراقية الرسمية، ارتفعت معدلات الزواج خلال الاشهرالقليلة الأخيرة، بحيث اكدت ايمان محمد من دائرة الجنسية انه لايكاد يمر اسبوع دون ان نسمع بخطبة احدى الموظفات. وترى ايمان انها حالة ايجابية حتى لو كانت تحدث لأسباب مادية كأن يطمع المتقدم لخطبة الموظفة براتبها بعد الزيادة الحاصلة فيه. انها سنة الحياة، والتعاون يخلق المحبة والبيت السعيد وما نفع المال من دون زوج وأسرة؟
وبخصوص التقريب بين الشباب والشابات ومسائل القسمة والنصيب، توضح ام عدنان وهي ربة بيت، أن دور الخاطبة يمكن ان تلعبه اي موظفة خصوصاً المتزوجات اللواتي يقمن علاقات طيبة مع زملائهن من كلا الجنسين، فهي تعرف ان فلاناً يبحث عن زوجة بهكذا مواصفات وهنا تحاول التقريب مع من تراها مناسبة ورغبات الخاطب.
وتلجأ بعض النسوة الى أسلوب عرض الصور في حال سفر الرجل، أو اذا كان يعاني من عيب خلقي لا يشجعه على التقدم مباشرة لخطبة فتاة ما. اما عرض صور الفتيات فما زال محصورا في نطاق ضيق جدا لعدم تقبل العائلات العراقية المحترمة مثل هذه الطريقة في تزويج بناتها.
زواج صوري
في السنوات الاخيرة انتشر هذا الاسلوب لتسهيل اقامة العراقيين والعراقيات في الخارج، ويطلق عليه أحيانا زواج الاقامة لأن العراقي او العراقية يجد ان في هذا الزواج المؤقت فرصة ذهبية للحصول على الاقامة ويتم ذلك عن طريق وسطاء ومقابل عمولة كبيرة. وتجد الناشطة النسوية ندى شوقي مبررا لمثل هذه الزيجات المؤقتة إذ لم تعد اغلب الدول العربية والاوروبية تستقبل العراقي وتمنحه فرصة الاستقرار، فصار يلجأ الى الزواج من امرأة مصرية مثلا للحصول على اقامة في مصر تصل الى ثلاث سنوات يمكن تجديدها باستمرار ما دام الزواج قائما. وينطبق الحال على العراقية المتزوجة مؤقتا من رجل مصري، والمفروض ان تنتهي هذه الزيجات بمجرد الحصول على الاقامة لكن بعضها يستمر وتثمر اولاداً يعيشون مع آبائهم العراقيين وامهاتهم المصريات في مناطق عدة من القاهرة.
لكن هناك ظاهرة محفوفة بالمخاطر تحدث عنها الباحث الاجتماعي اكرم غازي من كلية الآداب في جامعة بغداد، وهي زواج العراقيين من عراقيات يحملن الجنسية الاوروبية. ويقول غازي ان بعض السماسرة يأتون بعراقيات يحملن جنسية اوروبية بحجة زيارة سوريا، وهناك تتم الصفقات فيتزوج العراقي اللاجئ في سوريا زواجا صوريا لتسهيل حصوله على الاقامة في البلد الاوروبي، بينما يحصل الوسيط على مبلغ عمولة باهظ جدا. ويؤكد غازي ان هذا الزواج يتسم بالابتزاز فالزوجة تطالب زوجها بدفع راتب شهري كبير بمجرد وصوله الى البلد الاوروبي وفي حال رفضه دفع المبلغ تقوم الزوجة بابلاغ دائرة الهجرة بانفصالها عنه فيتم طرده مباشرة بعد سحب الاقامة المؤقتة منه كما يخسر شقته المؤثثة والمدفوعة الايجار وهي المزايا التي تمنحها تلك الدول للمتزوجين.
عبر الانترنت
تقوم بعض شركات التجارة الالكترونية بتقديم خدمات لنساء ورجال يبحثون عن نصفهم الآخر مقابل رسوم زهيدة قد تصل الى مئة دولار أميركي. ومع ان معظم الزائرين يدركون ان هذه العملية تنطوي على خداع الا ان البعض يجد فيها وسيلة مثالية للتسلية وبث المشاعر والهموم الى طرف قد يكون في اقصى بقاع الارض، وقد تتطور مثل هذه العلاقات الى درجة الارتباط الدائم، ويندر الزواج بهذا الاسلوب في العراق لكنه موجود، فهذا خالد حسون (49 عاماً) وهو رجل ارمل فقد زوجته اثر اصابتها بمرض عضال فصار يفرغ حزنه بالجلوس لساعات طويلة الى الانترنت، وبالتدريج صار لديه اصدقاء من كل انحاء العالم، ثم زار احد مواقع الزواج عبر الانترنت فوجد سيدة فرنسية ترغب في الزواج من رجل عربي له مواصفاته. وبعد صداقة استمرت اشهراً، حصل خالد على دعوة من السيدة لزيارتها لغرض الزواج منها، فسافر اليها تاركا ولديه في بيت جدهما ووعدهما بأن يرسل في طلبهما ما ان يحصل على فرصة لدخول فرنسا والزواج من تلك المرأة والاستقرار هناك. تنتقد المرشدة التربوية خديجة محمد على هذا الاسلوب في الزواج وتقول: قد يصح هذا مع الرجال لكنه لا يناسب فتياتنا لأن كرامة الفتاة هي في تقديرها وتقدير اهلها، وما زلنا نحافظ على تقاليد خطبة الفتاة، وأجمل احساس تعيشه الفتاة هو ان يتقدم الخاطب جالبا وجوه عشيرته واقاربه فكيف يكون الحال اذا اختارت الفتاة زوجها عبر الانترنت وسافرت اليه لتكتشف اذا كان يلائمها ام لا؟
ومنذ سنوات انتشرت ثقافة زواج المتعة في العراق، وهو زواج مؤقت يقوم على اتفاق بين طرفين ويتم فيه تحديد المدة والمهر الرمزي، ويكون الغرض منه الاستمتاع فقط وليس انجاب الاطفال. ولم يخرج اسلوب الزواج هذا عن محافظات بعينها، ورغم انتشاره فهناك من يناهضه بشدة وهناك من يمنحه الشرعية الدينية ويجد فيه حلا مناسبا لترويض رغبات الرجال والنساء على السواء وحمايتهم من الانحراف!
GMT
كما انتشرت ظاهرة الزواج السري وتعدد الزوجات والتي قالت عنها وزيرة المرأة السابقة الدكتورة ازهار الشيخلي ان ما يحدث الآن هو اعتياد المجتمع على عقد قران امام رجل دين فقط، لأن اغلب مسائل الزواج تنبع من اصول دينية لا قانونية، كما ان العراق يخلو تماما من المحاكم الشرعية او ما يسمونها بالمحاكم الدينية ويقتصر العمل داخل محكمة الاحوال الشخصية التي تعنى بالنظر بقانون الاحوال 188 للعام 1959. وطالبت الشيخلي بالابقاء على قانون الاحوال الشخصية لأنه ينظم الزواج ويحفظ حقوق المرأة، لكن الرجال يحاولون تغييره بحجة تعارضه مع اصول الشريعة وهذا غير صحيح تماما، والصحيح ان الرجل يبحث عن مصلحته الشخصية على حساب مصلحة المرأة متذرعا بجملة من الامور، منها حل مشكلة الارامل وتحصين المجتمع وغيرها. وتسأل الشيخلي الرجال كم من بينهم قادر على الزواج من امرأتين وان يعدل بينهما وكم رجلاً يمتلك القدرة المالية على اعالة بيتين في آن واحد؟ والجواب هو نسبة ضئيلة، اما الآخرون فسيعملون على خلق مشكلة جديدة تضاف الى المشاكل الاخرى في المجتمع عبر هدم بيت الزوجية وامكانية تشرد الاطفال، تضاف الى ذلك التداعيات النفسية للزوجة التي تفقد بيتها وزوجها.
القاضي ماجد الحسناوي اكد من جانبه على ان القانون عالج هذا الأمر، فهو يسمح بتعدد الزوجات ويقيدها بشروط يجب توافرها، منها موافقة الزوجة الاولى او ان يقدم الزوج ما يثبت قدرته المادية على تحمل نفقات بيتين، أو مرض الزوجة الاولى. كما يعتبر الحسناوي القانون العراقي حالة مثالية تحفظ حقوق المرأة، فهو لم يمنع تعدد الزوجات بشكل مطلق لكنه نظم الامر. فالحياة قد تفرض على الرجل احيانا هذا الامر مثل كبر سن الزوجة او مرضها، وهنا يجب ان يلبي القانون طموحاته إضافة الى انه كقانون لم يخالف الشريعة الاسلامية بل انه يتماشى معها. فالقرآن نص على توافر العدل بين الزوجتين، كما انه وفق بين المذهبين، وحتى مع الاديان الاخرى في العراق فنجد ان التشريعات السنية والشيعية متوافقة مع القانون، حتى ان قسماً كبيراً من المسيحيين يطالبون بتطبيق هذا القانون عليهم وهي حالة فريدة.
ومع التغيرات التي تطرأ على الواقع العراقي، تتغير طقوس الزواج العراقية ايضا وتتحول من خطبة وزواج عادي يلبي مطالب «القسمة والنصيب» واتمام نصف الدين وتكوين اسرة جديدة, الى تحقيق اهداف ومآرب عديدة قد تقود الى تكوين اسرة وبناء المجتمع او تساعد في ارباكه وزيادة مشاكله إذا بنيت على اسس المصلحة والانانية.
مفاتيح للتغيير
يكاد يكون الاحساس برتابة الايام وتشابهها شكوى عامة بين الناس، الرجال منهم والنساء، وقد تمتد الشكوى لتصل الى دنيا الشباب والشابات، فالايام تمر تتلوها الاسابيع وكأنها نسخ مكررة عن بعضها البعض، ولا جديد الى الدرجة التي ننسى معها اسم يومنا وتاريخه لولا الاحداث المغرقة في الآلام والفواجع. وتتسع دائرة التشابه او الملل حتى لنظن ان اشكالنا هي ذاتها لا تتغير. ننظر صباحا الى المرآة. لاجديد. ووجوهنا هي هي. معالمنا لم تتغير قيد انملة الا من شعيرات بيضاء تمارس غزوا تدريجيا على شعرنا واحيانا اكتساحا كاملا.
وعبر مرآة الزمن الماضي، نطل برؤوسنا لنرى ان كان الزمن قد توقف عند نقطة واحدة فنكتشف ان الزمن يتغير لكننا لا نشعر به لشدة الملل والاحساس بالرتابة.
المشكلة إذاً في رتابة ايامنا وعمرنا، وتكمن في تحولنا الى ما يشبه الانسان الآلي. فنحن مسجونون داخل انفسنا وظروفنا في قفص نعجز عن الخروج منه ونخشى ان نسعى الى التغيير وممارسة التحدي احيانا لئلا يعتبره الاخرون نوعا من البطر، فإن غيرنا اشكالنا بطراً واذا نسفنا اسلوب حياتنا اليومي وسلكنا سبيلا جديدا للتعامل مع الاخرين، فإن هذا خروج على المألوف وان بحثنا عن المغامرة فهو القاء بأنفسنا الى التهلكة.
كيف يمكن ان نحدث تغييرا في حياتنا اذاًَ اكثر من مجرد الشكوى من رتابتها؟ اعتقد ان اللجوء الى تغيير الاشياء الصغيرة جدا يمكن ان يقودنا الى التغيير الاكبر. الاهتمام بالاطفال مثلا والهبوط الى عالمهم النقي والبريء هو نوع من التغيير بالنسبة الى ربة البيت وحتى الموظفة المرهقة من الملل. اعرف سيدة مثلا استغلت انقطاع التيار الكهربائي ونفاد بنزين مولد المنزل وحالة الظلمة التي اجتاحت امسية عائلتها في اختراع لعبة طريفة يشارك فيها جميع افراد العائلة، وبعد التردد شارك الجميع ثم تحول التردد الى حماسة، وبعد قليل لاحظت ان زوجها ذاته يقفز فرحا كلما حقق نقطة فوز على الفريق الآخر الذي يضم زوجته واثنين من اولاده، وفي النهاية لاحظت ان عودة الكهرباء لم تغير شيئا، وكانت حالة المرح التي شملت المنزل اقوى واروع من انوار المصابيح وبرامج التلفاز.
وسائل التغيير عديدة اذاً وابسطها هي اروعها دائما، شرط ان تبدأ من العائلة ومن انقشاع ضباب الرتابة عن المنزل اولا
برتقال ديالى.. “يقرأ ويكتب” ويعاود منافسة المستورد على أرضه وبين جمهوره..

shafaq