الرئيسية » مقالات » الحرب على غزة… وخطة شارون- داغان لتصفية حركة التحرر الفلسطينية المعاصرة

الحرب على غزة… وخطة شارون- داغان لتصفية حركة التحرر الفلسطينية المعاصرة

ما يعلنه الثلاثي المقرِّر في الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت وتسيبي ليفني وإيهود باراك، حول أهداف الحرب الدموية الرهيبة التي بدأت في 27/12/2008 على قطاع غزة، ليس واقع الحال، أو كل واقع الحال.

الحروب على العرب تعزّز الفرص الإنتخابية في إسرائيل… ولكن ليس دائماً!
صحيح أن حرباً كهذه، لا تتكبد فيها إسرائيل الكثير من القتلى في صفوف جنودها وسكانها، بسبب التفاوت الهائل في موازين القوى واعتماد الجانب الإسرائيلي على القصف عن بعد بشكل أساسي، هي حرب تلقى تأييداً واسعاً في صفوف الجمهور الإسرائيلي اليهودي، باستثناء نخبة محدودة العدد من اليساريين وأنصار العدل. وبالتأكيد، يستفيد الحزبان الرئيسيان في الإئتلاف الحكومي الإسرائيلي الحالي، حزب “كاديما” وحزب العمل، من هذه الحرب ومن حجم الضحايا والدمار الذي يوقعه جيش إسرائيل في صفوف الشعب الفلسطيني ومناطق سكنه وعيشه، بحيث يمكن أن يحصل الحزبان على عدد أكبر من المقاعد في الكنيست القادم. وهو أمر يبدو انه قابلٌ للتحقق، مبدئياً، إذا نظرنا الى استطلاعات الرأي المنشورة حتى الآن، والتي تفيد بتحسن نصيب كلا هذين الحزبين، المؤتلفين حالياً، وخاصة حزب العمل، حزب وزير “الدفاع” إيهود باراك، في حال جرت الإنتخابات هذه الأيام.
ولكن ذلك لا يضمن، بالضرورة، انتصار هذا الإئتلاف في الإنتخابات المقرَّرة للعاشر من شباط/فبراير القادم: فما زالت الإستطلاعات تعطي الحزب الرئيسي في اليمين المتطرف، حزب الليكود بقيادة بنيامين نيتينياهو، رقماً عالياً من المقاعد، يتجاوز، أو يتساوى أحياناً، مع رقم “كاديما”. وما زال هناك، بالطبع، زمن حتى يوم الإقتراع، بحيث يمكن أن تتغير الصورة، خاصة إذا لم تتمكن حكومة إسرائيل وجيشها من تحقيق أهدافهما المعلنة من هذه الحرب، كلها أو بعضها، أو كانت الكلفة البشرية الإسرائيلية، في نهاية المطاف، عالية. وهو احتمال وارد، خاصة وأن الحرب ترافقت مع تعتيم إعلامي مبرمج من قبل حكومة إسرائيل، خاصةً على صعيد الخسائر الفعلية في صفوف جيشها، كما على تفاصيل مسار العمليات العسكرية، حيث تخضع وسائل الإعلام الإسرائيلية، وتلك المقيمة في إسرائيل، للرقابة العسكرية. وهو تعتيمٌ شمل منع الصحافة الأجنبية من دخول القطاع ومن متابعة الحرب عبر صحافيين أجانب، يمكن أن يتصرفوا، أو يتصرف بعضهم على الأقل، بدون الإلتزام بقيود الرقابة العسكرية الإسرائيلية.
أما فظائع الحرب الرهيبة التي ينقلها للعالم مراسلو الفضائيات العربية والأجنبية الغزيّون، أو أولئك المراسلين الموجودين قبل الحرب في غزة، فيبدو أنها لا تزعج، أكثر من اللازم، ذلك الطاقم الحاكم في إسرائيل، طالما أن أحد أهداف الحرب هو الترويع، وخاصةً ترويع المدنيين… الى جانب هدف استعادة ما يسميه الإسرائيليون قدرة الردع، التي تصدّعت الى حد كبير إثر الفشل الإسرائيلي المدوي في الحرب على لبنان في صيف العام 2006. أما الغضب العالمي على الجرائم المرتكبة بحق السكان المدنيين، بمن في ذلك الأطفال والنساء والمسنون، فلا تأبه له حكومة إسرائيل كثيراً، مراهنةًً على كون ذاكرة العالم (الغربي خاصةً، وهو الذي يهم إسرائيل) قصيرة، من جهة، وعلى الحماية السياسية والإعلامية التي توفرها الإدارة الأميركية وبعض الحكومات الغربية الأخرى لها، بما في ذلك في مجلس الأمن الدولي وهيئات الأمم المتحدة والهيئات الإنسانية الأخرى.
***
واندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وشعبها عشية انتخابات نيابية مقررة قبل ذلك يعيد الى الإذهان سوابق شهيرة.
فمؤسس “الليكود” والزعيم التاريخي لليمين المتشدد في إسرائيل ورئيس الحكومة الإسرائيلية منذ العام 1977، مناحيم بيغن، نجح في انتخابات حزيران/يونيو 1981 في تغيير المزاج الذي كان سائداً عشية الإنتخابات، كما كانت تشير له استطلاعات الرأي التي سبقتها والتي كانت تميل لصالح حزب العمل، المعارض آنذاك، وذلك من خلال إرسال طيرانه العسكري للقيام بقصف مفاعل تموز النووي العراقي، قبل ثلاثة أسابيع فقط من يوم الإقتراع، في وقت كان فيه العراق منشغلاً بالحرب مع إيران. وقد تَحقَّق، بالفعل، في هذه الإنتخابات نجاح آخر لليكود، ولو بمقعد واحد أكثر من حزب العمل، مجدداً بذلك نجاحه الأول في العام 1977.
بالمقابل، لم ينجح شمعون بيريس، الذي كان رئيساً لحكومة إسرائيل ولحزب العمل بعد مقتل اسحق رابين (في أواخر العام 1995)، في تغيير المزاج الإنتخابي الإسرائيلي لصالحه ولصالح حزبه، عشية انتخابات نيابية مبكرة حدّدها هو لأواخر أيار/مايو 1996، من خلال شن حرب دموية مدمرة على جنوب لبنان في شهر نيسان/أبريل من العام ذاته، وهي الحرب التي أَطلق عليها اسم “عناقيد الغضب”.
وهكذا، لا شيء يضمن أن الحرب الدموية المدمرة التي انطلقت في 27/12/2007 ضد قطاع غزة ستحول، بالضرورة، دون مجيء بنيامين نيتينياهو وتكتل اليمين المتطرف، الذي يقف الى جانبه، الى السلطة في إسرائيل بعد الإنتخابات القادمة.
وهنا من المفيد أن نذكّر بأنه من المألوف في المسرح السياسي الإسرائيلي أن نرى أن الطرف السياسي الذي يحاول أن يصوّر نفسه بأنه “معتدل” سياسياً ويحاول أن يعطي الإنطباع بأنه يسعى الى حلٍ مع الجانب الفلسطيني أو مع جانب عربي آخر، في الوقت الذي يمارس فيه على الأرض سياساتٍ وأعمالاً لا تختلف عما يمكن أن يمارسه اليمين المتطرف في مجال الحروب، وفي مجال التوسع الإستيطاني، والتنكيل بالمواطنين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، في غزة والضفة الغربية على حد سواء، ومواصلة الإعتداءات على الجوار العربي، من المألوف أن نرى هذا الطرف السياسي المخاتل يخسر الإنتخابات لصالح اليمين المتطرف الأصيل. أي ان الناخب الإسرائيلي اليهودي يميل غالباً الى تفضيل الأصل على النسخة. وهي قاعدة صالحة في بلدان أخرى وفي سياقات أخرى. وهو ما حصل، بالضبط، مع شمعون بيريس في انتخابات العام 1996 التي خسرها لصالح بنيامين نيتينياهو، إياه، المرشّح هذه الأيام للعودة الى سدة الحكم.

لا فروقات ذات شأن في برامج وسياسات الليكود و”كاديما”… وحتى حزب العمل
وجدير بالإشارة أن معظم قادة حزب “كاديما”، الذي تشكّل بالإساس كانشقاق عن “الليكود”، قاده في أواخر العام 2005 رئيس الحكومة، آنذاك، أريئيل شارون، وفي مقدمة هؤلاء القادة المرأة المرشحة لرئاسة الحكومة في حال نجاح “كاديما” في الإنتخابات، وزيرة الخارجية الحالية تسيبي ليفني، ينتمون الى نفس مدرسة اليمين المتشدد التي أسسها مناحيم بيغن، والتي ينتمي اليها زعيم الليكود الحالي بنيامين نيتينياهو. وهي المدرسة التي تستند الى أفكار وتراث الزعيم الصهيوني اليميني، الروسي المولد، زئيف جابوتينسكي (1880-1940) وتشكل امتداداً له.
ومن العبث المراهنة على كون أحد هذين الطرفين المتنافسين سيكون أقل تطرفاً من الآخر في التعاطي (العملي وليس اللفظي) مع الحقوق الفلسطينية والعربية. وفي كل الأحوال، شاهدنا كيف تصرفّت الحكومة التي ترأسها إيهود أولمرت بعد غيبوبة شارون، في مطلع العام 2006، على الصعيد العملي: حربان كبيرتان خلال ثلاث سنوات، ضد لبنان وضد غزة، تكثيف تهويد القدس، وتوسيع الإستيطان في أنحاء الضفة الغربية بوتائر عالية، واستكمال بناء جدار العزل والتوسع في الضفة، وتشديد إجراءات التصفية والتنكيل والإعتقال، ومضاعفة الحواجز وأشكال إعاقة حركة الناس والتضييق على الحياة اليومية في الضفة، وبالطبع، مواصلة حصار قطاع غزة وتجويع شعبه على نطاق رهيب، وصولاً الى هذه الحرب الدموية.
وفي الواقع، فإن جزءً كبيراً من المسؤولية عن هذه السلوكيات من قبل الحكومة الإسرائيلية يقع أيضاً على كاهل وزير “الدفاع”، إيهود باراك، بحكم مسؤوليته في هذا الموقع عن الأراضي المحتلة. وباراك هو حالياً زعيم حزب العمل، الذي من المفترض، نظرياً، أنه أقل يمينية من حزب “الليكود”، لكن، في واقع الحال، باتت التخوم بينه وبين يمين “كاديما” غائمة، الى حد أنه كانت هناك نوايا في الآونة الأخيرة لدمج الحزبين، علماً بأن عدداً بارزاً من قادة حزب العمل السابقين كانوا قد انتقلوا من حزبهم الى حزب “كاديما” عشية انتخابات مطلع العام 2006 مراهنةً على حظوظ أوفر لهم في النجاح في قائمة ذلك الحزب. ومن أبرز هؤلاء القادة الذين غيّروا طواقيهم رئيس الدولة الحالي شمعون بيريس، ورئيسة الكنيست المنقضية ولايتها داليا إيتسيك، والوزير حاييم رامون، وغيرهم.
وفي كل الأحوال، لا بد أن نتذكّر أن حزب العمل، وريث حزب “ماباي” الصهيوني التاريخي، الذي تأسس في ثلاثينيات القرن الماضي، هو الذي قاد عملية استعمار فلسطين ومجمل المشروع الصهيوني ابان الإنتداب البريطاني، كما وعمليات تهجير الشعب الفلسطيني في أواخر الأربعينيات الماضية، ومعظم المجازر والحروب التي سبقت “النكبة” وتلتها، مع الفلسطينيين وجيرانهم العرب على حد سواء، الى أن انتقلت السلطة الى اليمين الليكودي في العام 1977. وحتى في بعض المراحل اللاحقة التي عاد فيها الى السلطة، وحده أو متحالفاً مع الليكود، لم يكن حزب العمل أقل قمعاً وبطشاً من الليكود تجاه الشعب الفلسطيني وجيرانه العرب الآخرين. وفي واقع الحال، فإن “اليسارية” المزعومة لحزب العمل كانت شكلية الى حد كبير، ولا تتعلق بالأساس بالموقف من الشعب الفلسطيني وحقوقه. وهي “يسارية” لم يبقَ منها الآن أي أثر، حتى شكلي، بعد أن تحول الحزب من تشجيع ملكية الدولة والمؤسسات الملحقة بها لقطاع واسع من الإقتصاد الإسرائيلي الى سياسة النيوليبرالية على الصعيد الإقتصادي، خاصة منذ السبعينيات والثمانينيات الماضية. وهذا البهتان في هوية الحزب وغياب التمايز عن أحزاب اليمين، وخاصة حزب “كاديما”، هو ما كان يهدد بقاء حزب العمل كقوة سياسية ذات شأن، حيث كانت استطلاعات الرأي تعطيه قبل الحرب على غزة أرقاماً متواضعة جداً، بحدود 10 مقاعد أو أقل في الكنيست القادمة. ومن الواضح أن باراك، كما ذكرنا، سعى عبر هذه الحرب، في ما سعى إليه، الى تحسين هذه الأرقام.

الفخ الذي نصبه شارون للحركة الفلسطينية… إعادة الإنتشار خارج غزة
وهنا لا بد من توضيحٍ لوهم سابق انتشر في بعض الأوساط الفلسطينية عندما قرّر أريئيل شارون، رئيس الحكومة الإسرائيلي السابق، في مطلع العام 2004، إخراج قواته ومستوطنيه من داخل قطاع غزة، في خطوة تم تنفيذها في آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر من العام 2005. وقد أحدثت هذه الخطوة، في حينه، خلافاً داخل حزبه، “الليكود”، مما اضطره الى تأسيس حزب “كاديما” في أواخر العام 2005، كما أشرنا، تحضيراً للإنتخابات النيابية، التي جرت في إسرائيل في آذار/مارس 2006، دون أن يتمكن شارون من مواصلة قيادة حزبه الجديد فيها، بعد أن أُصيب بالجلطة الدماغية والغيبوبة المتواصلة في الأيام الأولى لذلك العام.
والوهم المشار إليه أعلاه يتعلق بالمدلول الفعلي لخطوة شارون، القاضية بالتخلي عن التواجد الإسرائيلي العسكري والإستيطاني المباشر داخل قطاع غزة، بقرار أحادي الجانب من الطرف الإسرائيلي وحده: فبعض الأصوات الفلسطينية رأت جانباً واحداً من مدلول هذه الخطوة، فاعتبرتها انتصاراً فلسطينياً وتراجعاً إسرائيلياً لصالح الإقرار بالحقوق الفلسطينية، وخطوةً على طريق تحقُّق الإنسحاب الإسرائيلي من بقية الإراضي المحتلة عام 1967. وقد حاول خليفة شارون، إيهود أولمرت، أن يوحي بأنه سيواصل خطوات إعادة الإنتشار في الضفة الغربية من خلال ما أسماه خطة الإنطواء في الضفة الغربية، والتي لم يتأخر بعد الإنتخابات بفترة وجيزة في طيها.
هذا الجانب من الصورة صحيح بحد ذاته. بمعنى أن المقاومة الفلسطينية، ومجمل كفاح الشعب الفلسطيني، طوال زهاء الأربعة عقود، وليس في قطاع غزة وحده وإنما في كل مواقع نضاله، في القطاع والضفة وأقطار اللجوء، بما في ذلك إنتفاضة شعب الضفة والقطاع منذ أواخر العام 1987، دفعت كلها جنرالاً عسكرياً ومسؤولاً سياسياً إسرائيلياً، معروفاً بتاريخه الحافل بالتطرف وبعمليات الإغارة الدموية والبطش والحروب التوسعية مثل شارون، وكان مسؤولاً عن القمع الشديد للحركة الوطنية المقاوِمة في قطاع غزة نفسه في السنوات الأولى التي تلت احتلال القطاع في العام 1967 عندما تولى في العام 1969 موقع القائد العسكري لما تسميه إسرائيل “المنطقة الجنوبية”، دفعه الى الإستخلاص بأن إبقاء غزة تحت الإحتلال المباشر وإبقاء المستوطنات، قليلة السكان، فيها تحت حماية الجيش الإسرائيلي المكثّفة، أكثر كلفةً بشرياً ومادياً من تحويل غزة الى منطقة محاصرة ومسيطرٍ عليها من حدودها البرية والبحرية ومن الجو.
فالخروج من غزة كان، في الواقع، إعادة انتشار للقوات الإسرائيلية، يحقق لها فرصة التعاطي مع القطاع بمجمله كساحة حرب مفتوحة، كساحة تدريب وتجريب للأسلحة بدون حسابات لوجود مستوطنين يهود أو حرس وجنود إسرائيليين يحمونهم. وهو، تحديداً، ما رأيناه الآن في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، حيث تستخدم قوات الإحتلال كل أنواع الأسلحة، المألوفة وغير المألوفة، ضد كل البشر والأبنية والأراضي الزراعية دون تردد. وليس غريباً أن يتحدث أكثر من مراقب خارجي عن قطاع غزة في السنوات التي تلت إعادة الإنتشار هذه عن “أكبر معسكر اعتقال في العالم”، خاصة بعد أن تكرر في الآونة الأخيرة إغلاق المعابر ومنع توريد الأغذية والأدوية والوقود من قبل سلطات الإحتلال. وهو وضع كان، في واقع الحال، قائماً منذ سنوات طويلة، وخاصة بعد أن قام رئيس الحكومة الأسبق إسحق رابين ببناء السياج العازل المحيط بغزة في العام 1994.
والحديث عن معسكرات الإعتقال يثير حفيظة بعض الصهاينة، الذين يريدون ترسيخ الصورة بأن معسكرات الإعتقال النازية الشهيرة خلال الحرب العالمية الثانية كانت مقصورةً على المواطنين الأوروبيين اليهود وحدهم. مع العلم بأن العديد من المواطنين من شتى الجنسيات الأوروبية تم اعتقالهم في معسكرات كهذه، بما في ذلك وخاصة أعضاء التنظيمات اليسارية وقوى المقاومة في البلدان التي جرى احتلالها خلال الحرب. وبالطبع، كانت مساحة أي معسكر اعتقال نازي محدودة نسبياً، مقارنة مع مساحة قطاع غزة، من هذه الزاوية، بما يسمح بالحديث عن معسكر اعتقال كبير فعلاً. ذلك أن القطاع كله أرض صغيرة المساحة، وكثيفة السكان بشكل استثنائي. فهناك مليون ونصف المليون إنسان فيه مكتظون في قطعة أرض لا تتجاوز مساحتها الـ 360 كيلومتراً مربعاً، وهي مساحة تساوي ستة بالمئة تقريباً من مساحة الضفة الغربية بحدود ما قبل احتلال 1967، وبالكاد أكثر قليلاً من واحد بالمئة من مساحة فلسطين بالحدود التي كانت لها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى في العام 1918 وبدء الإنتداب البريطاني عليها وحتى العام 1948، عام النكبة وقيام دولة إسرائيل.
وجدير بالإشارة أن العديد من مدن العالم تبلغ مساحة كل واحدة منها أضعاف مساحة قطاع غزة كله: فعلى سبيل المثال، تبلغ مساحة مدينة لندن، عاصمة بريطانيا، أكثر من أربعة أضعاف مساحة القطاع، ومساحة مدينة براغ، عاصمة جمهورية تشيكيا، الرئيسة الحالية للإتحاد الأوروبي، تبلغ زهاء مرة ونصف المرة مساحة القطاع، مقابل عدد من السكان في هذه المساحة أقل من عدد سكان قطاع غزة. والقطاع، خلافاً لمدينة كبيرة مثل براغ، يشمل، بالطبع، الى جانب المدن والقرى والمخيمات، مناطق زراعية، ومناطق خالية من السكان أو خضعت للتجريف والتفريغ من قبل جيش الإحتلال على مر السنين، خاصة بالقرب من المناطق الحدودية للقطاع.

وجهان لعملية إعادة الإنتشار الإسرائيلي من غزة: إنجاز للمقاومة نعم، ولكن..
خروج القوات والمستوطنين الإسرائيليين من قطاع غزة بفعل تراكم مفاعيل مقاومة الشعب الفلسطيني كان، إذاً، وجهاً من الصورة… التي لها وجهٌ آخر.
ولم يكن مطلوباً، بالتأكيد، من الجانب الفلسطيني أن يقول “لا” لهذه الخطوة، خاصةً وأنه، في كل الأحوال، لم يكن طرفاً في تنفيذها، حيث جرت من جانب واحد، وفي سياق رؤية شارون الإستراتيجية التي أوضحها بشكل أولي في مداخلة له قدمها أمام مؤتمر هيرتسليا السنوي في أواخر العام 2003، أي بعد عملية إعادة احتلال مدن الضفة الغربية في ربيع العام 2002، والإلغاء الفعلي لمناطق “أ”، كما كانت تسمى في الإتفاقات التي وُقّعت بعد اتفاق أوسلو.
ذلك ان رجلاً مثل شارون، أمضى حياته كلها في محاربة الشعب الفلسطيني وشعوب المحيط العربي، لم يكن معنياً بـ”منح” الفلسطينيين أية “هدية”… إلاّ إذا كانت هدية مسمومة. وخطته لإعادة الإنتشار خارج غزة هي كذلك، كما يتضح الآن في هذه الأشهر الرهيبة من الحصار التجويعي ومن الحرب القاتلة والمدمرة.
فهو كان يريد، من خلال إشغال الوقت والعالم بمسألة “الإنسحاب”، أو بالأحرى إعادة الإنتشار، من قطاع غزة، الإلتفاف على الضغوط المحلية والإقليمية والدولية من أجل حل أوسع وأشمل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. وكان يريد أن يغطي على سعيه لاستكمال بناء جدار العزل والتوسع في الضفة الغربية المحتلة، تحديداً في الوقت الذي كانت فيه محكمة العدل الدولية في لاهاي، في مطلع العام 2004، على وشك البدء بمناقشة شكوى مقدمة ضد الجدار.
ووجد شارون تجاه مخططه هذا، وتجاه دوافعه، تفهماً وتغطية كاملين لدى رئيس الإدارة الأميركية جورج بوش منذ أن بدأ تفكيره بموضوع “الإنفصال” في أواخر العام 2003. مما أشعره بأن بإمكانه أن يمضي قدماً في إعادة الإنتشار من قطاع غزة، متحملاً بعض حملات النقد من بعض أعضاء حزبه القديم، الليكود، الذين سيكتشفون لاحقاً، كما قال تقريباً، بأنه قام بذلك بخدمة كبيرة لمشروع التوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية وفي مجال تعزيز ضم القدس العربية المحتلة عام 1967 ومحيطها، ولمنع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة غربي نهر الأردن.
شارون واصل، عبر خطته هذه، تطبيق رؤياه الخاصة التي كان قد عرضها مراراً في الماضي، والقاضية باستمرار السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية ومناطقها الحيوية، مناطق آبار المياه الجوفية وغور نهر الأردن ومناطق الإستيطان الكبرى، بالإضافة الى القدس طبعاً، وحشر الفلسطينيين في عدد من “المعازل”، الشبيهة بـ”بانتوستانات” نظام جنوب إفريقيا العنصري التي أقيمت في سبعينيات القرن الماضي، معازل يمكن أن تُطلق على نفسها اسم “دولة” أو غير ذلك من التسميات الكبيرة، دون أن يعني ذلك في الواقع أكثر مما كان يعنيه حكام جنوب إفريقيا العنصريون في تلك الحقبة بـ”دول السود” التي سعوا لإقامتها لإدامة نظامهم العنصري والتخفيف من المسؤولية المباشرة عن الشؤون المدنية للإفارقة السود… لكن، في النهاية، دون جدوى.
وهكذا، كان شارون يهدف من خلال خطة إعادة الإنتشار خارج قطاع غزة الى التحايل على كافة الخطط الدولية المطروحة لحل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، بما في ذلك خطة “خارطة الطريق” المتواضعة، التي اضطُرّ الرئيس الأميركي جورج بوش الى طرحها رسمياً في 30/4/2003، كترضية لبعض حلفائه في الحرب على العراق، بعد اجتياحه له ببضعة أسابيع. ومعروف أن حكومة شارون أبدت 14 تحفظاً على “خارطة الطريق”، وهي تحفظات لقيت، عملياً، تفهماً من قبل الإدارة الأميركية، خاصةً بعد أن خرج بخطته لإعادة الإنتشار من قطاع غزة، كبديل عملي للخطوات المفترض تطبيقها في سياق “خارطة الطريق”، وهي خطوات، كما هو معروف، على ثلاث مراحل كان يُفترض أن تنتهي في أواخر العام 2005 بإقامة الدولة الفلسطينية!
ونحن نرى اليوم أين وصلت الأمور، على خلفية التناغم الذي كان قائماً بين شارون وبوش، وهو التناغم الذي وصل حداً كبيراً في الرسالة التي بعثها بوش لشارون في 14 نيسان/أبريل 2004 وأيّد فيها رفض إسرائيل لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى أراضيهم الأصلية، كما أيّد نية إسرائيل تعديل حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وضم مناطق الإستيطان الأساسية اليها.
وهكذا، فإن مشروع شارون لمستقبل إسرائيل كان يقوم على التخلص من أكبر عدد ممكن من السكان الفلسطينيين مع الإحتفاظ بأكبر مساحة ممكنة من الأرض. وهو كان، في الماضي القريب، من أنصار خيار اعتبار أن “الأردن هو فلسطين”، بما يعني أن بإمكان الأردن استقبال كل اللاجئين الفلسطينيين، بما في ذلك أولئك الذين كان يسعى شارون الى دفعهم للهجرة من غزة والضفة الغربية من خلال تحويل حياتهم اليومية الى جحيم، في تطبيق ملتوٍ لمشاريع الـ”ترانسفير” الشهيرة التي مورست في العام 1948 والى حد ما في العام 1967، والتي لم يعد من السهل تنفيذها بشكل فظ في عصر التلفزيون والإنترنت والإتصالات السريعة، وفي مرحلة تطور الوعي الوطني الفلسطيني الجماعي.

المؤرخ أفي شلايم: إعادة الإنتشار من غزة أتت في سياق منع الإستقلال الفلسطيني
ويؤكد المؤرخ الإسرائيلي المعروف أفي شلايم، الذي يعمل منذ عدة سنوات أستاذاً للعلاقات الدولية في جامعة أكسفورد البريطانية، وله مؤلفات هامة متعلقة بالصراع العربي- الإسرائيلي، في مقال حديث نشره في صحيفة “ذي غارديان” البريطانية في عدد يوم 7/1/2009، وحرفياً أن “الهدف الحقيقي لهذه الخطوة- ويقصد الإنسحاب من قطاع غزة عام 2005- كان إعادة رسم حدود إسرائيل الكبرى من طرف واحد من خلال إدماج الكتل الإستيطانية الرئيسية في الضفة الغربية داخل دولة إسرائيل”. ويضيف: “الإنسحاب من غزة لم يكن هكذا مقدمة لصفقة سلام مع السلطة الفلسطينية، وانما مقدمة لتوسع صهيوني إضافي في الضفة الغربية”. وينتهي الى القول: “الإنسحاب من غزة كان جزءً من جهد طويل الأمد للحؤول دون حصول الشعب الفلسطيني على وجود سياسي مستقل على أرضه”… إنطلاقاً من “رفض جوهري للهوية الوطنية الفلسطينية”.
***
وتشير عدة مصادر الى أن خطة شارون لإضعاف السلطة الفلسطينية واستعادة السيطرة الكاملة على مدن الضفة الغربية، وهو ما جرى فعلياً عبر الهجمة العسكرية التي قامت بها القوات الإسرائيلية في شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل 2002، وإيجاد صيغة ما للتخلص من عبء قطاع غزة المباشر، هذه الخطة مستوحاة من مشروع أعده، في أواسط العام 2000، مستشار شارون للشؤون الأمنية الجنرال المتقاعد مئير داغان، خلال مرحلة استعداد شارون لخوض الإنتخابات لرئاسة الحكومة، وهي الإنتخابات التي جرت في شباط/فبراير 2001، وفاز فيها شارون على إيهود باراك. وقام شارون بتعيين مئير داغان في العام 2002 رئيساً لجهاز “موساد” الإسرائيلي للإستخبارات الخارجية. وتم التجديد لداغان في هذا الموقع منذ ذلك الحين عدة مرات، وهو الآن مجدّد له من قبل إيهود أولمرت حتى نهاية العام 2009.
و”خطة داغان” المعدة قبل انتخابات العام 2001، كما ذكرنا، والتي تعكس جوهر أفكار شارون تهدف عملياً الى القضاء على ما تبقى من وجود لسلطة فلسطينية موحدة، والعمل على شرذمتها، ليس فقط بين الضفة وغزة وإنما بين مناطق الضفة المختلفة، التي ينبغي العمل على تحويلها الى معازل مفصولة عن بعضها البعض بحواجز شبه حدودية للجيش الإسرائيلي، بحيث تتحول الضفة الغربية الى مجموعة من الـمعازل، أو الـ”بانتوستانات”، المسيطر عليها أمنياً من قبل إسرائيل. وهو ما جرى العمل عليه بعد وصول شارون الى رئاسة الحكومة، وتم استكماله بعد غيبوبته وتسلُّم إيهود أولمرت لمقعده، وذلك عبر تدمير مؤسسات السلطة في حملة العام 2002، والعمل على “ترحيل” الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، كما أشارت الخطة بوضوح، ثم استكمال بناء جدار العزل والتوسع وتطوير الحواجز القائمة في قلنديا بين القدس ورام الله، ولاحقاً في حوارة على المدخل الجنوبي لمدينة نابلس ولشمال الضفة الغربية، كما في منطقة الكونتينر على مداخل مدن بيت ساحور وبيت ولحم وبيت جالا ومن ثم منطقة الخليل وجنوب الضفة، بالإضافة الى حواجز أخرى يجري تعزيزها وتحويلها الى مراكز فصل حقيقية لاستكمال رسم مشروع شارون لحل المشكلة مع الجانب الفلسطيني من طرف واحد، أي من خلال إجراءات إسرائيلية أحادية الجانب، تُلغي عملياً إمكانية قيام دولة فلسطينية فعلية.
أما في قطاع غزة، الذي كان رئيس الحكومة الأسبق اسحق رابين يتمنى أن يستيقظ ويراه قد غرق في البحر، على حد تعبيره، فيقوم ورثة أريئيل شارون اليوم بإغراقه في الدماء، وترويع سكانه، بأهداف عديدة، منها تشجيع التفكير بالهجرة الخارجية لأكبر عدد ممكن من السكان، وإن كان بسبب ضيق فرص العمل والعيش الآمن، من جهة، وتعزيز الهيمنة الأمنية الإسرائيلية على كافة حدوده ومنافذه، بما في ذلك وخاصةً معبر رفح.
وبالرغم من بعض التصريحات العلنية لقادة حزب “كاديما” الحاليين، الذين ورثوا تركة شارون بعد غيبوبته، فإن كل تصرفاتهم وسياساتهم العملية، على الأرض، تؤكد أنهم يواصلون العمل بالإتجاه ذاته… نسف إمكانية تحقيق الشعب الفلسطيني لاستقلاله الوطني ولاستعادته لهذا الجزء المتواضع من الأرض التي كان يعيش فيها قبل نكبة العام 1948، الأراضي المحتلة عام 1967، الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة عام 1967، وقطاع غزة.
المشكلة في الموضوع لا تتوقف عند هذا الحد. بل تكمن في كون كل هذه الخطوات الإسرائيلية، المتعارضة، كما هو معروف، مع القانون الدولي، ومع اتفاقية جنيف الرابعة، ومع قرارات الأمم المتحدة، ومع توصية محكمة العدل الدولية في لاهاي في أواسط العام 2004 بشأن الجدار الذي بنته إسرائيل، كل هذه الخطوات تلقت دعماً كاملاً وغير مشروط من إدارة جورج بوش الأميركية.


دعم أميركي وغربي للحرب على غزة
والحال ذاته ينطبق الآن على هذه الحرب الظالمة والمتوحشة التي تشنها آلة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بحجة محاربة حركة “حماس” ووضع حد للصواريخ التي تُطلق من قطاع غزة على بعض المدن والمواقع الإسرائيلية القريبة من القطاع، وهي أسلحة متواضعة جداً مقارنة بالترسانة الهائلة التي تصبّ حممها من طائرات وبوارج ودبابات ومنصات الجيش الإسرائيلي. فهذه الحرب لقيت دعماً كاملاً ومعلناً من قبل إدارة بوش، والأدهى أنها لقيت ردة فعل محدودة من الرئيس المنتخب باراك أوباما وإدارته الجديدة التي تتسلم السلطة في 20/1/2009 والتي لا يمكن أن تجري أحداث بهذه الخطورة وتُرسم سياسات أميركية تجاهها دون إعلامه بها.
أما موقف الإتحاد الأوروبي، فيكاد يكون، كما تعودنا في السنوات الأخيرة، نسخة تابعة وباهتة عن الموقف الأميركي. وهو ما أوضحه التصريح المريع الذي أطلقه رئيس حكومة تشيكيا، الرئيس الدوري للإتحاد الأوروبي بين 1/1 و30/6/2009، والذي اعتبر فيه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة “عملاً دفاعياً”، وكما تؤكده مواقف وتحركات معظم دول الإتحاد الأوروبي، بما في ذلك بعض الدول التي كان حكامها السابقون قد عارضوا الحرب على العراق في مطلع العام 2003، مثل فرنسا وألمانيا، في حين اقترب حكامها الحاليون من مواقف واشنطن. ومزاج قطاعات مهمة في شارع بعض هذه البلدان مختلف، كما ظهر في التظاهرات الواسعة التي شهدتها عواصمها ومدنها. ولا بد من تسجيل تميز موقف حكومة إسبانيا، التي شارك الحزب الحاكم فيها في تظاهرات التنديد بالحرب على غزة.
يبقى أن نسجل لشعوب منطقتنا العربية ولشعوب البلدان المسلمة وللجاليات العربية والمسلمة في أنحاء العالم، وللقوى والتيارات والفعاليات والشخصيات اليسارية والديمقراطية والمستنيرة وذات النزعة الإنسانية في العالم مواقفها المشرّفة في التعبير عن تضامنها مع شعب غزة ومع مجمل الشعب الفلسطيني في محنته هذه وإدانتها للحرب العدوانية الدموية عليه.
ونشير بشكل خاص، في هذا السياق، الى التحول المثير للإهتمام في المزاج الشعبي التركي، الذي عبّر عن تضامن واسع وقوي مع شعب فلسطين لم يكن معهوداً قبل عقود، حين كانت الحكومات التركية المتعاقبة تقيم تنسيقاً قوياً مع الدولة الإسرائيلية وتبدي عداءً واضحاً للتطلعات التحررية العربية وولاءً كاملاً للمشاريع الأطلسية الأميركية في المنطقة. وهو تحوّل كان يجري، على ما يبدو، بالتراكم، منذ عدة سنوات.
كما لا بد من الإشارة الى المناخ الواسع المتعاطف مع شعب فلسطين في أميركا اللاتينية والموقف المقدام لرئيس فنزويلا أوغو تشافِس وحكومته اليسارية، التي طردت سفير إسرائيل وعدداً من أفراد طاقم سفارته تضامناً مع شعب فلسطين في قطاع غزة، وكذلك موقف حكومة كوبا التي لا تقيم علاقات مع إسرائيل منذ فترة طويلة، وموقف اليسار الحاكم في بوليفيا الذي ذهب الى حد قطع العلاقات مع أسرائيل، وسائر القوى اليسارية والتقدمية في مختلف بلدان تلك القارة المتقدة بتطلعات التحرر والعدالة.
وبعد، ما ينبغي التأكيد عليه مع استمرار هذه المجازر الإسرائيلية الرهيبة في قطاع غزة واحتمال استمرار الحرب بأشكال مختلفة خلال الأشهر القادمة، هو أن هدف العدوان، مرةً أخرى، ليس حركة “حماس” أو مجموعات المقاومة المتعددة التي تُطلق الصواريخ على مدن ومواقع إسرائيلية، بل هو قضية الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني، استكمالاً لخطة شارون- داغان.
***
ومهما كانت نتائج الإنتخابات الإسرائيلية في شباط/فبراير، سواء أكانت رئاسة الحكومة ستقع في يدي ليفني أو نيتينياهو، ومهما كانت السياسات التي يمكن أن تتبعها إدارة باراك أوباما الأميركية بعد استلامها للحكم في 20/1، فإن لا شيء جوهرياً يمكن أن يتغير طالما لم يتم تصليب الوضع الذاتي الفلسطيني، بدءً بتوحيد الصف الفلسطيني بكل قواه، بدون استثناء، بشكل جاد وواعٍ وبدون حسابات فئوية، بالإضافة الى ضرورة رسم استراتيجية نضال تفصيلية موحدة للأمد القريب والمتوسط لحركة التحرر الفلسطينية، تعتمد في ما تعتمد عليه على تثمير هذه الحركة الشعبية العربية المناصرة الرائعة والحركة العالمية الداعمة للحق الفلسطيني والمنددة بجرائم المحتلين، وذلك من أجل ممارسة كل أشكال الضغوط على دولة الإحتلال الإسرائيلية، من جهة، وعلى الإدارة الأميركية، من جهة أخرى، لوضع حدٍ لهذا التحدي السافر للقانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية وللقيم والمبادئ الإنسانية.
وهو تحدٍ يتشارك الحليفان، الإسرائيلي والأميركي، في المسؤولية عنه بدون انقطاع منذ العام 1948، كما يشير الى ذلك المؤرخ آفي شلايم في مقالته المشار إليها أعلاه، والتي ذهب في نهايتها الى الإستخلاص المنطقي بأن دولة إسرائيل هي “الدولة المارقة” بامتياز، لكونها لا تحترم القوانين والأعراف والقرارات الدولية.
ولا ينبغي هنا أن تكون هناك أوهام حول تغيرات في السياسات الأميركية تنطلق من صفات خاصة مرتبطة بالرئيس الجديد، سواء أصوله الإفريقية أو مواهبه الشخصية. فباراك أوباما سيكون رئيس الولايات المتحدة أولاً وأخيراً. والقوى الإقتصادية والإستراتيجية الكبرى التي دعمته وأوصلته الى هذا الموقع تعلم أنه لن يتصرف خارج حدود خدمة المصالح الكبرى لها. فالتغيير في الموقف الأميركي، كما يُفترض أننا بتنا نعرف بعد كل التجارب القاسية الماضية، لن يتحقق إلا إذا حصل التغيير عندنا، في الساحتين الفلسطينية والعربية بالأساس، وبالإستناد الى هذه الموجة العالمية المتصاعدة من التحرر ودعم حقوق الشعوب. وهذا أمر ممكن. وما هو غير ممكن هو أن يستسلم الشعب الفلسطيني ويستكين بفعل هذه المجازر وهذا التنكيل المتواصل وهذا الإستهتار المستمر بحقوقه الإنسانية الأولية وحقوقه السياسية في وطنه.
رام الله- فلسطين
مطلع العام 2009