الرئيسية » التاريخ » سلسلة دراسات في التاريخ الكردي( الحلقة الثامنة )

سلسلة دراسات في التاريخ الكردي( الحلقة الثامنة )


الكرد في قصة النبي سليمان والجن (مشروع (الأبلسة)


مفارقة!


وردت في المصادر التراثية الإسلامية أربع روايات تنسب الكرد إلى الجن تارة وإلى الشيطان والشياطين تارة أخرى: – الأولى أوردها المؤرخ العربي المَسْعودي (ت حوالي 346 هـ = 957 م) في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر). – والثانية أوردها الفقيه الشيعي الاثنا عشري المشهور أبو جعفر الكُلِيني الرازي (ت 328 هـ = 940 م) في كتابه (الكافي)، وأصله من قرية (كُلِين) في منطقة الرَّيّ (قرب طهران حالياً).- والثالثة أوردها الأديب الفارسي الراغب الأصْفَهاني (ت 502 هـ = 1108 م) في كتابه (محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء).- والرابعة أوردها الأمير والمؤرخ الكردي شرف خان بَدْلِيسي (ت 1013 هـ = 1604 م) في كتابه (شرفنامه).


وزمن هذه الروايات يمتد على لا أقل من ستة قرون ونصف، وهذا زمن ليس بالقليل في تاريخ غربي آسيا الإسلامي، وهو دليل على أن الرواية كانت حية في الذاكرة الغرب آسيوية طوال تلك المدة.


وثمة حدثان بارزان بشأن الكرد في تاريخ غربي آسيا، بدءاً من القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، كان من المتوقَّع لهما أن يكبحا جماح البعد الأسطوري في هذه الروايات، ويزحزحا ما فيها من سذاجة وفجاجة، وينقّحاها من اللاواقعية واللامعقولية، ويعيدا الذهنية الغرب آسيوية إلى الصواب في تناول أمور حسّاسة كهذه؛ لكن الأمور لم تسر في الاتجاه الذي كان ينبغي أن تسير فيه، والحدثان البارزان هما:1 – نبوغ الكرد سياسياً في عهد الدولة المَرْوانية (الدُّوسْتِكية)، خلال القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، ثم بصورة أقوى في عهد الدولة الأَيوبية، خلال القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي).2 – نبوغ الكرد ثقافياً عامة، وفي مجال الثقافة الدينية خاصة، بفضل عدد كبير من الفقهاء، ولا سيما من مدينة شَهْرَزُور في جنوبي كردستان، وبلغ بعض هؤلاء مقاماً رفيعاً في بلاط الخلفاء ببغداد، وفي عهد الدولة التركمانية الزَّنْكية، وكانوا في ميادين العلم أشهر من نار على عَلَم، أذكر منهم على سبيل المثال: القاضي كمال الدين الشهرزوري، والقاضي ضياء الدين الشهرزوري، وشيخ الإسلام ابن الصَّلاح الشهزوري (انظر أحمد الخليل: سلسلة مشاهير الكرد في التاريخ، النسخة الإلكترونية).


بلى، كان من المتوقع، بعد هذا النبوغ الكردي، أن تعيد الذهنية الغرب آسيوية النظر في التفسير الأسطوري لأصل الكرد؛ إذ كيف يمكن لنسل (الجن والشياطين) أن يصبحوا شيوخ الإسلام وأئمته؟ وكيف يمكنهم أن يدبّجوا المصنّفات المرموقة، والمعتمَدة إلى يومنا هذا، في العقيدة والشريعة؟ وكيف يمكن لحفدة (الجن والشياطين) أن يصبحوا سادة شعوب غربي آسيا، ويوحّدوا صفوفها، ويقودوها لردّ أعتى هجمات الفرنج، ويعيدوا مدينة القدس (أُولى القِبلتين وثالث الحَرَمين) إلى المسلمين، في وقت كان فيه حفيد (الإنس) وأمير المؤمنين الخليفة العباسي منشغلاً مع بِطانته بمصالحه وملذّاته؟


إنها لمفارقة يصعب تجاهلها، ولا يمكن فهمها إلا في إطار التوجّه العام الذي كان يتحكّم في تشكيل الذاكرة الغرب آسيوية، ولا يمكن تفسيرها إلا بمعرفة النوايا الخفية لنخبة غرب آسيوية معيّنة، إن تلك النخبة كانت تبذل كل ما في وسعها لتشكيل تلك الذاكرة بما يتناسب مع مطامحها ومطامعها، ويبدو أن الكرد كانوا يشكّلون عقبة صعبة في طريق تلك المطامح والمطامع، فكان لا بد من إزالة تلك العقبة بكل وسيلة، وكانت أَبلسة (شَيطنة) الكرد من أكثر تلك الوسائل فاعلية.


والآن دعونا نتفحّص الروايات الأربع.


تحليل الرواية الأولى


قال المسعودي بشأن أصل الكرد:


ومن الناس من ألحقهم بإماء [ = جواري] سليمان بن داود عليه السلام حين سُلب مُلكَه، ووقع على إمائه المنافقات الشيطانُ المعروف بالجَسَد، وعَصَم الله منه المؤمنات أن يقع عليهن، فعَلِق [ = حَبل] منه المنافقاتُ، فلمّا ردّ الله على سليمان مُلكَه، ووضع الإماءُ الحواملُ من الشيطان، قال: اكردوهنّ [= اطردوهن] إلى الجبال والأودية. فربّتهم أمهاتهم، وتناكحوا، وتناسلوا، فذلك بدءُ نَسَب الكرد “. (مروج الذهب، ج ، ص 124).


وإليكم الملاحظات الآتية على هذه الرواية:


الملاحظة الأولى: يبدو أن القائلين بهذه الرواية لم يكونوا أفراداً معدودين على أصابع اليد الواحدة كما يقال، وإنما كانوا جماعة (من الناس)، والمثير للانتباه أن تلك الجماعة لم تكن محتارة في أصل العرب والفرس والأرمن والسريان، وغيرهم من شعوب غربي آسيا، وإنما كانت محتارة في أصل الكرد فقط، فالكرد – حسب تصوّرها- مخلوقات غير عادية، وبناء على ذلك لم تجد الجماعة الحائرة مسوِّغاً منطقياً لتنسيبهم إلى بني آدم الأسوياء، فكان المخرج الذي اخترعوه هو إلحاقهم بإماء النبي سليمان المنافقات وبالشيطان (الجَسَد).


الملاحظة الثانية: إن مخترعي هذه الرواية أقاموها على أرضية دينية قرآنية؛ أي على أرضية (المقدس)، وكانوا يعلمون أنها – أقصد الرواية- ستكون عندئذ أسرع قبولاً عند المسلمين خاصّتهم وعامّتهم، والأرضية القرآنية الموظَّفة في هذا الميدان هي الآيات الآتية:


( وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ {30} إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ {31} فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ {32} رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ {33} وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ {34} قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ {35} فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ {36} وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ {37} وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ {38}) (سورة ص، الآيات 34 – 38).


الملاحظة الثالثة: ليس في هذه الآيات، ولا في بقية الآيات القرآنية ذات الصلة بقصة النبي سليمان، أيّة علاقة لا بالكرد ولا بغير الكرد، وليس في كتب التفسير قديمها وحديثها- رغم أن أغلبها زاخر بالأساطير وغرائب عالم اللامعقول- أيّ ذكر لعلاقة الكرد بقصة النبي سليمان، وقل الأمر نفسه في الكتب الخاصة بأسباب نزول الآيات، وفي الكتب الخاصة بالناسخ والمنسوخ في القرآن، ولا شيء عن الكرد في الأحاديث التي وردت فيها معلومات لها صلة بآية (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ)، ثم إن الآية تذكر أن الله ألقى على كرسي سليمان جسداً، ولم تذكر أن ذلك الجسد كان شيطاناً، فما هي العلاقة بين الجسد والشيطان؟ وما هو المصدر الذي اعتمد عليه مخترعو هذه الرواية؟


الملاحظة الرابعة: وقف علماء التفسير حائرين أمام تفسير الآية الخاصة بسليمان والكرسي والجسد، وكما هي عادة أغلبهم في مثل هذه الأمور المُلْبِسة لم يمتلكوا الجرأة على أن يقولوا: (لا نعلم)، وإنما لجأوا إلى التفسيرات الأسطورية، واستعانوا بعالم اللامعقول، وأكتفي بذكر ما أورده ابن جَرِير الطَّبَري في هذا الشأن، فهو – بالقياس إلى غيره- من المفسرين المشهود لهم بالتحري والدقة، وإليكم خلاصة ما ذكره:


كان لسليمان مئة امرأة، وكانت إحداهن، واسمها جَرادة، أحبّك نسائه إليه، وكان إذا أجنب أو أراد قضاء الحاجة يخلع خاتَم المُلك، ولا يأتمن عليه أحداً من الناس غيرَ جَرادة، وذات يوم خلع الخاتَم وأعطاه لجَرادة، ودخل لقضاء الحاجة، فانتهز الشيطان الفرصة، وتمثّل في صورة سليمان، وقال لجرادة: هاتي الخاتم. فأعطته باعتبار أنه سليمان، وذهب الشيطان المتنكّر في شكل سليمان، وجلس على عرش المُلك، وصار سيّد القصر بما فيه من نساء سليمان، وأصبح الآمر الناهي في المملكة.


وبعد أن قضى سليمان الحاجة، طلب من جرادة أن تعطيه خاتمه، فقالت له: ألم تأخذه؟ فقال: لم آخذه. فأنكرت عليه ذلك، وصار سليمان الحقيقي متهماً بأنه محتال يزعم أنه سليمان، فخرج من القصر تائهاً، وظل الشيطان يحكم في المملكة أربعين يوماً. لكن كبار فقهاء بني إسرائيل أنكروا عليه أحكامه، وشكّوا في أمره، وأتوه ذات يوم وقد نشروا التوراة (كتاب الله)، وقرأوه عليه، فطار الشيطان من بين أيديهم حتى وقع على شُرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتَم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر.


أما سليمان الحقيقي فقد تشرّد واشتد جوعه، فطلب من صيادي البحر أن يطعموه من صيدهم، وقال لهم: إني أنا سليمان. فسخروا منه، وضربه بعضهم فشجّ رأسه، فلام الصيادون زميلهم، وأعطوا سليمان سمكتين كانتا قد تعفّنتا، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فلبسه في إصبعه، فردّ الله عليه مُلكه، وعاد إلى قصره، وباشر الحكم كالسابق، وسخّر الله له الريح والشياطين يومئذ، ولم تكن سُخّرت له قبل ذلك، وأمر بإلقاء القبض على الشيطان، فوُضع في صندوق من حديد، ثم أُطبق عليه فأُقفل عليه بقفل، وخَتم سليمان عليه بخاتَمه، ثم أمر به، فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة. (تفسير الطبري، ج 23، ص 159).


الملاحظة الخامسة: لم يأت بقية المفسرين بجديد في هذا المجال، وظلوا يدورون في فلك التفسير الأسطوري، واختلفوا في اسم الجني (الشيطان) فهو تارة (حَبْقيق)، وأخرى (صَخْر)، وثالثة (آصَر)، ورابعة (آصَف). وثمة تفسير آخر أورده القُرْطُبي، وخلاصته أن سليمان كان قد فرض أعمال السخرة على الشياطين، ولمّا وُلد لسليمان ولد اسمه (جَسَد) ” اجتمعت الشياطين، وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ابنٌ لم نَنْفَكّ مما نحن فيه من البلاء والسُّخرة، فتعالَوا نقتلْ ولده أو نُخبله [= نصيبه بالجنون]. فعلم سليمان بذلك فأمر الريح حتى حملته [= الولد] إلى السحاب، وغدا ابنه في السحاب خوفاً من مضرّة الشياطين، فعاقبه الله بخوفه من الشياطين، فلم يَشعر إلا وقد وقع [= الولد] على كرسيّه ميتاً “. (القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 201).


الملاحظة السادسة: اقتبس المفسرون هذه المعلومات الخرافية مما كان يرويه بعض المتخصصين في المزج بين الواقع والخرافة، ويرتزقون بها، من أمثال وَهْب بن مُنَبِّه، ومحمد بن إسحاق، وطاوُوس بن كَيْسان، ويَسار أبو نُجَيْح، ومُجاهد بن جَبْر، وإسماعيل السُّدّي، وشَهْر بن حَوْشَب، وكلهم من الموالي، ومعظمهم من أصل فارسي، أو من حملة الثقافة الفارسية قبل الإسلام، وكما هي عادتهم كانوا ينسبون تلك الروايات إلى بعض كبار الصحابة من أمثال عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عبّاس، وأبي هُرَيْرة، كي يتم تسويقها على نحو أفضل، ولإيهام الناس بأن ما يروونه هو حقائق لا شك فيها.


الملاحظة السابعة: تنبّه سيّد قُطْب- وهو من كبار المفسرين في القرن العشرين- إلى حيرة المفسرين القدامى في تفسير الإشارتين الواردتين بشأن (الصافِنات الجِياد) و(الجسد) الذي أُلقي على كرسيّ سليمان، فقال:


كلتاهما إشارتان لم تسترح نفسي لأيّ تفسير أو رواية مما احتوته التفاسير والروايات عنهما. فهي إما إسرائيليات منكَرة ، وإما تأويلات لا سَند لها، ولم أستطع أن أتصور طبيعة الحادثين تصوراً يطمئن إليه قلبي، فأصوّره هنا وأحكيه “. (سيد قطب: في ظلال القرآن، ج 23، ص 99).


وأضاف سيّد قطب أنه لم يجد في الموروث الديني دليلاً يحمله على الثقة بما جاء في تفسير أمر (الصافنات الجياد) و(الجسد)، سوى حديث نبوي، رواه أبو هريرة، وأخرجه البُخاري في صحيحه مرفوعاً (يتصل سنده بالنبي)، وأضاف قائلاً: ” ولكن علاقته بأحد هذين الحادثين ليست أكيدة “. (سيد قطب: في ظلال القرآن، ج 23، ص 99).


ونص الحديث الذي أشار إليه سيّد قطب هو:


” عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ سُلَيْمَانُ لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً [=أجامع]، كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ [= نصف] رَجُلٍ. وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ[= أقسم بالله] ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ “. (صحيح البخاري، ج 7، ص 281).


وعلّق سيّد قطب على الحديث بقوله:


” وجائز أن تكون هذه هي الفتنة التي تشير إليها الآيات هنا، وأن يكون (الجسد) هو هذا الوليد الشِّق “. (سيد قطب: في ظلال القرآن، ج 23، ص 99).


والخلاصة أن سيّد قطب لم يصدّق قصة الشيطان/ الجن (الجسد).


الملاحظة الثامنة: قد يقال: بما أن للأمر صلة بالنبي سليمان، وهو نبي عبراني، فمن المحتمل أن يكون أصحاب هذه الرواية اقتبسوها من (الإسرائيليات). والحقيقة أننا أخذنا هذا الاحتمال في الحسبان، وعدنا إلى سيرة النبي سليمان في التوراة (العهد القديم)، بدءاً من ولادته وحتى وفاته، فلم نجد فيها أي ذكر لا للكرد، ولا للجن، ولا أي ذكر لشيء اسمه (الجسد)؛ سواء أكان شيطاناً أم غير شيطان.


وخلاصة ما جاء في التوراة بشأن افتتان النبي سليمان هو ما يلي:


أطلّ النبي داود من على سطح قصره، فوجد امرأة جميلة جداً تستحمّ، فعشقها، وسأل عنها، وعرف أنها (بَثْشَبَعَ بِنْتَ أَلِيعَامَ)، زوجة أحد قادة جيشه المخلصين واسمه (أُورِيّا الحِثّي)، وكان في جبهة القتال، فأمر داود بإحضار المرأة، وضاجعها، فحبلت المرأة بعد حين، وأخبرت داود بذلك، ثم تحايل داود على أوريّا، وأمر بأن يكون في مواجهة بني عَمُّون الشديدي البأس (في شرقي الأُردنّ) كي يُقتَل، وقُتل أوريّا فعلاً، فتزوّج داود امرأته، وكان سليمان هو ابنها الثاني من داود. (انظر العهد القديم، سفر صموئيل الثاني، الأصحاح الحادي عشر، الآيات 1- 27).


ولما صار سليمان ملكاً على بني إسرائيل بعد وفاة والده أقام علاقات طيبة مع جيرانه، ووطّد تلك العلاقات بالزواج من بنات الأسر الحاكمة في البلدان المجاورة، فتزوج ابنة فرعون مصر، ومن العَمُونيّات والأَدُومِيّات (في شرقي الأُردنّ)، ومن الفينيقيات والحِثّيّات، ولم يُجبر زوجاته الأجنبيات على ترك أديانهن، وسمح بإقامة معابد للإلهة عَشْتَروت وللإله مُولوك وللإله كَمُوش، وكانت زوجاته الأجنبيات يمارسن الطقوس الخاصة بآلهتهن، فغضب (يَهْوَه) إله العبرانيين على سليمان، وأنذره بأنه سيعاقبه بتمزيق مُلكه، ولكن ليس في حياته، وإنما في عهد ابنه رَحُبْعام، وكان كذلك. (انظر العهد القديم، سفر الملوك الأول، الأصحاح الحادي عشر، الآيات 1 – 11، والأصحاح الثاني عشر، الآيات 1- 20).


هذه هي قصة سليمان، ولا مكان فيها لا للجسد، ولا للشيطان، ولا للكرد.


تحليل الرواية الثانية


قال الفقيه الإمامي (الاثنا عشري) الكُلِيني:


” عن أبي الربيع الشامي، قال: سألت أبا عبد الله [= الإمام جعفر الصادق] عليه السلام، فقلت: إن عندنا قوماً من الأكراد، وأنهم لا يزالون يجيئون بالبيع، فنخالطهم ونبايعهم. فقال: يا أبا الربيع، لا تخالطوهم، فإن الأكراد حيٌّ من أحياء الجن كشف الله عنهم الغطاء، فلا تخالطوهم “.(الكافي، ج 5، ص 158).


وقال الكُلِيني أيضاً:


” عن أبي الربيع الشامي، عن أبي عبد الله [= الإمام جعفر الصادق] عليه السلام: ولا تُنكحوا الأكراد أحداً، فإنهم من جنس الجن كشف الله عنهم الغطاء “.(الكافي، ج 5، ص 352، باب من كره مناكحته).


الملاحظة الأولى: أُسندت الرواية إلى شخصية ذات مقام رفيع جداً في التراث الإسلامي عامة، وفي التراث الشيعي خاصة؛ ألا وهو الإمام جعفر الصادق (ت 148 هـ = 765 م) وهو ابن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وترتيبه السادس في سلسلة الأئمة الاثنا عشرية (الإمامية)، وهو الجد الأكبر لمن بعده من أئمة هذا المذهب.


ومن المفيد أن نأخذ في الحسبان هنا أن مفهوم (الإمامة) عند أهل الشيعة هو غيره عند أهل السنة، فمصطلح (الإمام) عند السنة متعدد الدلالات، يُطلق على من يؤمّ الناس في الصلاة (إمام المسجد)، وعلى العالم المتبحر في علوم الدين، كالإمام أبو حامد الغَزالي، وعلى مؤسس المذهب، كالإمام أبي حنيفة النُّعمان، والإمام مالك بن أَنَس، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حَنْبَل، وهم في النهاية أناس غير معصومين، يمكن أن يختلف المرء معهم، ولا يأخذ بقول من أقوالهم. أما (الإمام) عند الشيعة فهو معصوم، ولا يجوز الخروج عن أوامره ونواهيه؛ ومن هنا تأتي خطورة تنسيب الكرد إلى الجن في الرواية المنسوبة إلى الإمام جعفر الصادق.


الملاحظة الثانية: لم أعرف بدقة المكان الذي كان يعيش فيه أبو الربيع الشامي، لكن يُفهم مما رواه أنه كان يقيم في العراق على تخوم كردستان، وهو من كبار رجالات الشيعة الجعفرية (الاثنا عشرية)، وعندما يتوجّه رجل مثله بطلب الفتوى من كبير أئمة عصره (جعفر الصادق) بشأن التعامل مع الكرد، فذلك يعني أنه كان ثمة جدل ولَغَط بين عامة الناس في موطنه حول هذا الأمر، ويعني أيضاً أنه كان ثمة فريق يبيح التعامل مع الكرد، وكان فريق آخر يحرّم التعامل معهم، وبات مطلوباً من كبار علماء الشيعة من أمثال أبي الربيع الشامي حسم الموضوع، واحتار أبو الربيع وأقرانه في المسألة، فطلبوا الفتوى من المرجع الأكبر الإمام جعفرالصادق.


الملاحظة الثالثة: إن أبا الربيع طلب الفتوى بخصوص قوم معيّنين من الكرد، كان هو وجماعته يتعاملون معهم بيعاً وشراء، لكن المفاجأة أن فتوى الإمام جعفر جاءت عامة، إذ أفتى بأن الكرد جميعهم (الجنس الكردي) من الجن أصلاً، وصرّح بذلك من خلال عبارتين (حيّ من أحياء الجن، من جنس الجن)، وبذلك يكون قد أكّد أن الأمر لا يتعلق بالفرع (قوم من الكرد)، وإنما هو متعلق بالأصل (جنس الكرد).


الملاحظة الرابعة: معروف في التراث الديني الإسلامي أن الجن نوعان: 1 – جنٌّ مؤمنون (مسلمون)، آمنوا برسالة النبي محمد، واستمع فريق منهم إلى القرآن، وهم الذين قال فيهم القرآن: ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا {1} يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا {2} ). (سورة الجن/ الآيتان1- 2).2 – جنُّ مشركون (كفّار)، وقد جاء في القرآن على لسانهم: ( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا {14} وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا {15} ). (سورة الجن/ الآيتان141- 15).


ويفهم من فتوى الإمام جعفر أن الكرد من الجن المشركين (الكفّار)، ولذلك لم يكتف بتحريم التعامل معهم بيعاً وشراء، وإنما أفتى بتحريم مخالطتهم بشكل عام، كما أفتى بتحريم مناكحتهم؛ ومن المفيد أن نأخذ في اعتبارنا أن الإسلام لا يمنع التعامل مع المشركين (الكفّار) بيعاً وشراء، أما مع الكرد فالتحريم شامل، وهذا يعني أن الكرد كفّار من طينة خاصة.


الملاحظة الخامسة: الكُلِيني هو أبو جعفر محمد بن يعقوب الكُليني الرّازي، من كبار فقهاء الشيعة الإمامية (الاثنا عشرية/الجعفرية) ومن مشاهير المصنّفين في مذهبهم، توفي في بغداد سنة (328 هـ = 940 م)، ودفن فيها، وأصله من قرية اسمها (كُلِين) كانت تابعة لمدينة الرّي (تقع آثارها قرب طهران)، وصفه الحافظ الذَّهَبي في كتابه (سِيَر أعلام النبلاء) بقوله: ” شيخُ الشيعة، وعالِمُ الإمامية، صاحبُ التصانيف “. (انظر الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 15، ص 280. الزركلي: الأعلام، ج 7، ص 145). وحينما ينقل فقيه كبير مثل الكُليني رواية أبي الربيع الشامي عن الإمام جعفر الصادق، ولا يشكّك فيها- أقصد في رواية الشامي- فذلك دليل على أن تنسيب الكرد إلى الجن كان أمراً لا جدال فيه.


تحليل الرواية الثالثة


قال الراغب الأصبهاني:


” ذُكر أن عمر بن الخَطّاب رضي الله عنه روى عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: الأكرادُ جيل الجن كُشف عنهم الغطاء! وإنما سُمُّوا الأكراد لأن سليمان عليه السلام لمّا غزا الهند، سَبى منهم ثمانين جارية، وأسكنهم جزيرة، فخرجت الجن من البحر فواقعوهن، فحمل منهم أربعون جارية، فأُخبر سليمان بذلك، فأمر بأن يخرجن من الجزيرة إلى أرض فارس، فولدن أربعين غلاماً، فلما كثروا أخذوا في الفساد وقطع الطرق، فشكَوا ذلك إلى سليمان. فقال: اكردوهم [= اطردوهم] إلى الجبال! فسُمُّوا بذلك أكراداً “. (محاضرات الأدباء، ج 1، ص 160).


الملاحظة الأولى: إن رواية تنسيب الكرد إلى الجن أُسندت إلى الشخصية الإسلامية الأعظم أهمية (النبي محمد)، وإلى الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب، ومعروف أنه من كبار الشخصيات العربية الإسلامية ذات الأهمية، ومن رجال الصف الأول بعد النبي محمد في التراث الإسلامي.


الملاحظة الثانية: يستفاد من هذه الرواية أن تنسيب الكرد إلى الجن لم يكن وَقفاً على كبار شخصيات الشيعة، وإنما تحدّث عنه أيضاً كبار شخصيات السنّة من أمثال عمر بن الخطّاب، وهذا يعني أنه ثمة (إجماع) بين كبار علماء المسلمين على هذا التنسيب، مع اختلاف طفيف في الفروع.


الملاحظة الثالثة: قَرنت هذه الرواية بين وثيقتين: الأولى تنتمي إلى الدين الإسلامي (من خلال النبي محمد والخليفة عمر). والثانية تنتمي إلى اليهودية والمسيحية، باعتبار أن النبي سليمان نبي وملك عبراني، وهو في الوقت نفسه شخصية مبجّلة في التراث الديني المسيحي والإسلامي، وهكذا فإن منتج هذه الرواية يهدف إلى الإيحاء بأنها تمثّل وجهة نظر الأديان السماوية الثلاثة (اليهودية، والمسيحية، والإسلام).


تحليل الرواية الرابعة


نقل شرف خان بَدْلِيسي الروايات العديدة التي وردت في المصادر بشأن أصل الكرد، ومنها الرواية التي تقول:


” قال الحكماء: إن الأكراد طائفة من الجن كشف الله عنهم الغطاء. كما أن بعض المؤرخين يروي أن الشياطين تزاوجوا مع بنات حوّاء، فنشأ منهم الكرد. والعلمُ عند الله، وهو على كل شيء قدير “. (شرف خان البدليسي: شرفنامه، ج 1، ص 57 – 58).


الملاحظة الأولى: جمع شرف خان بين الرواية التي تقول إن الكرد هم من جنس الجن في أصل تكوينهم، وبين الرواية التي تقول بأن آباء الكرد شياطين، وأمهاتهم آدميات، ومعلوم أن للرواية الثانية صلة وثيقة بقصة النبي سليمان والشيطان (الجَسَد)؛ وبذلك يكون شرف خان قد لخّص مجمل ما نُسب إلى تراث الديانات السماوية الثلاث (اليهودية، والمسيحية، والإسلام) بهذا الشأن.


الملاحظة الثانية: لم يكتف شرف خان بمجرد عرض الروايتين، وإنما بدا حيادياً تارة؛ حينما قال: ” والعلم عند الله “، ثم بدا وكأنه لا يرى مانعاً من أن يكون أصل الكرد من الجن والشياطين؛ وهذا مفهوم من قوله: ” وهو على كل شيء قدير”، أي ليس من المحال أن يحوّل الله بعض الجن إلى شكل إنسي، وأن يخلق نسلاً من التزاوج بين رجال شياطين ونساء آدميات.


الملاحظة الثالثة: المشهور أن شرف خان أمير كردي، وقد ذكر في مقدمة كتابه أنه ألفه ” حتى لا يبقى صيت الأسر الكردية ذات الأثر الفعّال في حياة كردستان العامة في حجاب الستر والكتمان ” (شرفنامه، ج1، ص 51)، وذكر أن أسرته تنتمي إلى قبيلة (رُوژكي) الكردية المتألفة من تحالف (24) عشيرة كردية (شرفنامه، ج1، ص 339)، وأفرد في كتابه حوالي مئة صفحة لذكر سيرة أسرته، وبناء على ما سبق كان من المتوقَّع أن يقف شرف خان موقفاً عقلانياً واقعياً من هذه الروايات الغريبة بشأن أصل الكرد، ليس دفاعاً عن الحقيقة فقط، وإنما دفاعاً عن أصله الكردي الآدمي على الأقل، ولكنه لم يفعل ذلك.


الملاحظة الرابعة: لعل شرف خان رأى أنه لا ضرر يصيب أسرته إذا كان الكرد من الجن والشياطين، فالرجل قد نأى بأسرته من هذه النسبة المزعجة المنفِّرة، إذ بعد حديثه عن قبيلة رُوژكي عاد فذكر أن أسرته الأميرية لم تكن من هذه القبيلة، وإنما ترجع في أصلها إلى أخوين ” من نسل سلاطين الأكاسرة “، كانا يقيمان في خلاط (مدينة قديمة في شمالي كردستان/ شرقي تركيا)، ودعاهما زعماء قبيلة رُوژكي إلى تولّي زعامة القبيلة، ففعلا ذلك (شرفنامه، ج1، ص 340 – 341).


والحقيقة أن لقب كِسرى يرجع في الأصل إلى العهد الميدي، وكان أشهر ملوكهم هو كي أخسار Cyaxares، أو كي خسرو Kai – Khosru ابن فراورت (كي: لقب ملكي يسبق الأسماء)، ويسميه هيرودوت (سياشاريس)، و(كيخسرو) هو الملك الميدي الذي عاش بين سنتي (633 – 584 ق.م)، وحرر الميديين من الغزاة الاسكيث (السكيث) أولاً، ثم قضى على الدولة الآشورية سنة (612 ق.م)، وحرر جميع شعوب غربي آسيا من سطوتها؛ وقد فصّلت القول بشأن حقيقة اسم لقب (كسرى) في الحلقة الخاصة بهذا الملك الميدي في سلسلة (مشاهير الكرد في التاريخ). (انظر هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ص 80. ول ديورانت: قصة الحضارة، ج 2، ص 401. طه باقر وآخران: تاريخ إيران القديم، ص 40 – 41).


ولكن بعد أن قضى الفرس الأخمين على الدولة الميدية، نسبوا التراث الحضاري الميدي إلى الفرس، بما فيه ألقاب الملوك، وعملوا بكل وسيلة لطمس كل ما يشير إلى الحضور الميدي في تاريخ غربي آسيا، وكانت النتيجة أن الأصل الميدي للقب (كسرى) غاب، وحلّت محله الصيغة الفارسية، ولما جاء الإسلام، دخلت الصيغة الفارسية إلى التراث العربي الإسلامي، وصار لقب (الأكاسرة) في المصادر وقفاً على ملوك الفرس.


الملاحظة الخامسة: لا نشك في أن الأمير شرف خان كردي الأصل، لكنه ربيب ممتاز للتراث الغرب آسيوي، وذاكرته جزء من الذاكرة الغرب آسيوية التي صاغتها النخب الإمبراطورية وفق تطلعاتها، وكان الكرد- معظم الأحيان- في الطرف النقيض من تلك التطلعات، وما كانت النخب الإمبراطورية تعترف بالحضور الكردي إلا بمقدار ما كان الكرد يقدمون من خدمات سياسية وعسكرية وثقافية للمشاريع الإمبراطورية، وبقدر ما كانوا يستميتون في الدفاع عنها، ويغفلون عن حقيقتهم وعن مشروعهم.


إننا على ضوء هذه الحقائق نفهم رغبة شرف خان في تنسيب أسرته إلى الأكاسرة (الفرس)، وعلى أية حال هو ليس الكردي الوحيد الذي اختار هذا التوجّه، فإن في تاريخ الكرد قديماً وحديثاً كثيرين من الزعماء والمشاهير الكرد الذين تبرّأوا من النسب الكردي، ونسبوا أنفسهم إلى عائلات فارسية كسروية، أوعربية هاشمية، وربما طورانية سَلجوقية عثمانية، ولِم لا يفعلون ذلك وقد أصبح اسم الكرد مقروناً في الذاكرة الإسلامية عامة، وفي الذاكرة الغرب آسيوية خاصة، ليس بالتخلف والجلافة فقط، وإنما صار مقروناً بالأبلسة أيضاً؟


أَبْلَسَة الكرد


إن الباحث- وهو يتفحّص الروايات التي نسبت الكرد إلى الجن والشياطين- يجد نفسه أمام مشروع غريب حقاً، هدفه الأساسي والصريح هو ( أَبْلَسة )الكرد، وبطبيعة الحال ثمة جهات إقليمية (غرب آسيوية) معيّنة صممت هذا المشروع، وليس ثمة مشروع يتم تصميمه إلا وتكون هناك أهداف محدّدة يراد تحقيقها في النهاية، وليس ثمة من يقوم بتصميم مشروع إلا ويكون قد وضع آليات تنفيذه.


والمشاريع أنواع ومستويات: منها ما هو تكتيكي ومنها ما هو ستراتيجي، ومنها ما هو قصير الأمد، ومنها ما هو طويل الأمد، ومنها ما هو خاص بمجال معيّن، ومنها ما هو شامل. وبمراجعة مشروع (أبلسة) الكرد يتضح أنه مشروع ستراتيجي وشامل ومفتوح إلى أبد الآبدين.


وكان القائمون على مشروع أبلسة الكرد يعرفون جيداً خصائص الذهنية الغرب آسيوية، فهي ذهنية دينية في الدرجة الأولى، إنها لا تستطيع أن تعي العالم وتتعامل معه إلا عبر المداخل الدينية، والدين بالنسبة إليها كالهواء موجود في كل شيء، إنه موجود في السياسة والاقتصاد، وفي الآداب والفنون، ولذلك حرص مصممو مشروع الأبلسة على إنتاج المشروع بصناعة (ماركة) دينية، وحرصوا على تسويقه دينياً أيضاً.


إن الكرد – حسب مشروع الأبلسة- جن كفّار تارة، ومن نسل الشياطين تارة أخرى، والشهود على ذلك ليسوا أناساً عاديين، إنهم كبار ممثلي الأديان السماوية في غربي آسيا؛ فثمة النبي العبراني سليمان، وثمة النبي العربي محمد، وثمة أحد كبار شخصيات السنّة الخليفة عمر بن الخطّاب، وثمة كبير أئمة الشيعة الإمام جعفر الصادق، وثمة فقيه الشيعة الكُلِيني، وثمة (الحكماء) حسب رواية شرف خان، وبعد كل هؤلاء الشهود كيف يمكن للكرد أن يفلتوا من قبضة مشروع الأبلسة؟


وبطبيعة الحال ما كان يهم أصحاب مشروع (أبلسة الكرد) أن يلتزموا ضوابط المعقول (ما يقتضيه العقل)، كما أنهم لم يجدوا مانعاً من الالتفاف على صريح المنقول (النص الديني)، وتوظيفه بما يخدم أهدافهم، بل يبدو لنا أنهم لعبوا في هذا المجال لعبة فيها الكثير من الدهاء، ونفّذوها على مرحلتين: 1 – في المرحلة الأولى: تم تنفيذ عملية (الأَسْطَرة)؛ إذ دسّوا في التراث الديني الغرب آسيوي، بصورته الأخيرة (الأديان السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام)، روايات خرافية أسطورية، ونسبوها إلى كبار الشخصيات الدينية المبجّلة (النبي سليمان، النبي محمد، ابن عبّاس، أبو هُريرة، الإمام جعفر الصادق، إلخ)، وضمنوا بذلك السيطرة على مداخل الوعي للجماهير المسلمة، وتغييب آليات التعقيل والتحليل، وإخضاع تلك المداخل لسلطة (النص الديني) المدسوس.2 – في المرحلة الثانية: تم تنفيذ عملية (الأبلسة)، من خلال الارتكاز على قاعدة (الأسطرة)؛ إذ من المحال أن تجد عملية (الأبلسة) لها موقعاً في الوعي إلا ضمن إطار (الأسطرة)، وهذا هو سر بقاء الروايات الدائرة حول أبلسة الكرد طوال ستة قرون، وعدم شعور من نقلوها بالحرج العقلي والأخلاقي.


ولن نقف الآن عند الجهات التي كان من مصلحتها إنتاج مشروع الأبلسة هذا، ولعلنا نكون قادرين على ذلك حينما ننتهي من استكشاف بقية الجوانب الغامضة في هذا الموضوع، ودعونا نحصر اهتمامنا في النتائج المترتبة على هذا المشروع، وهي كثيرة ومتشعّبة، ولعل أبرزها ما يلي:


1 – الكرد على الصعيد الإثني سلالة غير آدمية الأصول، إنهم سلالة جنية وكائنات مستنسَخة مشوَّهة، وليس هذا فحسب، بل إنهم سلالة شيطانية مقيتة ومنبوذة. 2 – الكرد على الصعيد الاجتماعي مخرّبون، وقطّاع طرق، وأشرار، وأعداء للحضارة، لا يصلحون سوى للسكنى في الجبال الوعرة، بعيداً عن البشر الأسوياء، ولا تجوز مخالطتهم، كما لا يجوز التعامل معهم لا بيعاً ولا شراءً ولا تزاوجاً.3 – الكرد على الصعيد الديني بعيدون عن الله، خارجون عن طاعة أنبياء الله، وبتعبير آخر: هم أعداء الله والأنبياء والصالحين. 4 – بناء على التوصيفات السابقة يصبح من الطبيعي أن يتم تجريد الكرد من حقوق النسل الآدمي، ويصبح من المباح التعامل معهم على هذا الأساس طرداً وتهميشاً وتغييباً وتقتيلاً.


وهكذا فإن مشروع (أبلسة الكرد) لم يكن جهلاً ولا غفلة، ولم يكن فكاهة ولا زلّة لسان، وأخطر ما فيه أنه يطعن في أصل الكرد، ولا يخفى أن الطعن في أصل شعب ما يعني الطعن في هويته من الأبد إلى الأزل، ويعني الطعن في جميع أجيال ذلك الشعب على مر القرون، ولا تعود المسألة مسألة أفراد يمكن إصلاحهم، أو شرائح يمكن تهذيبها، أو مظالم يمكن دفعها، وبعد أن أُدخل الكرد في خانة (الأبلسة) هل


ينفع الكردي أن يصبح (مُوبَذ مُوبَذان) الزردشتي، أو (الحبر الأعظم) البابوي، أو (شيخ الإسلام) السُنّي، أو (آية الله) الشيعي؟


– – –


توضيحات:


1 – لم أتمكن من معرفة سيرة الفقيه الشيعي أبي الربيع الشامي، وأرجو ممن يعرف شيئاً عن هويته تزويدي بذلك مشكوراً.


2 – كنت قد ذكرت في الحلقة (1) من هذه السلسلة أن (أبا عبد الله) الوارد في رواية الكُليني هو (الإمام الحسين بن علي)، باعتبار أن كنيته (أبو عبد الله)، وقد تفضل الأخ الدكتور مهدي كاكائي بتصويب الخطأ، وأفاد أن (أبا عبد الله) في تلك الرواية هو الإمام جعفر الصادق، وبالعودة إلى المصادر اتضح لي أن ما ذكره الدكتور مهدي هو الصواب، فله مني الشكر الجزيل.


3 – المشهور في كتب التراث الفارسي والإسلامي أن الأسرة الساسانية فارسية الأصل، وصحيح أن الطبري أورد في تاريخه عبارة أردوان الأشگاني: “أيها الكردي المربّى في خيام الأكراد ” مخاطباً أَرْدَشير بن بابك مؤسس الأسرة الساسانية الحاكمة، لكن الأرجح أن ذلك كان في معرض الانتقاص والشتم، ولا سميا أن النخب الفارسية الحاكمة، بعد أن قضوا على الدولة الميدية، صوّروا الكرد على أنهم بداة متخلفون أجلاف. ومع ذلك ذكر أكثر من باحث كردي أن الأسرة الساسانية كردية الأصل، وفي رسالة له إلي منذ عهد قريب لم يستبعد الأخ الدكتور مهدي كاكائي صحة ذلك، ورأى ألا نجزم بفارسية الساسانيين، وأفاد أنه يتابع الموضوع. فله الشكر والتقدير.


المراجع


1. البخاري: صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1992.


2. الذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق شُعَيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1982.


3. الإمام الرازي: تفسير الرازي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1981.


4. الراغب الأصبهاني: محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء، د. م، د. ن، 1970.


5. الزركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، 1986.


6. سيد قطب: في ظلال القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الخامسة، 1967.


7. شرف خان البدليسي: شرفنامه في تاريخ الدول والإمارات الكردية، ترجمة محمد علي عوني، دار الزمان للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 2006.


8. الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، القاهرة، 1968.


9. الأستاذ طه باقر، الدكتور فوزي رشيد، الأستاذ رضا جواد هاشم: تاريخ إيران القديم، مطبعة جامعة بغداد، بغداد، 1979.


10. القُرْطُبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1967.


11. الكتاب المقدس، العهد القديم: دار الكتاب المقدس في العالم العربي.


12. الكليني: الكافي، نقلاً من: سيد حسين الحسني الزرباطي: الكورد الشيعة في العراق، ط2، 2007، موقع جلجامش. وكتاب الكافي غير متوافر بين يدي.


13. المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، الطبعة الخامسة، 1973.


14. هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ترجمة عبد الإله الملاح، المجمّع الثقافي، أبو ظبي، 2001.


15. ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، زكي نجيب محفوظ، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، القاهرة، 1957- 1958.


وإلى اللقاء في الحلقة التاسعة


د. أحمد الخليل   في 17 – 1 –  2009


dralkhalil@hotmail.com