الرئيسية » مقالات » عتابات ومواويل من وادي الرافدين ـ مجموعة شعرية شعبية نادرة من النصف الثاني من القرن التاسع عشر الجزءالثالث والاخير

عتابات ومواويل من وادي الرافدين ـ مجموعة شعرية شعبية نادرة من النصف الثاني من القرن التاسع عشر الجزءالثالث والاخير

العتابة


يقول زاخاو إن العتابة جنس خاص من الشعر غير المعروف، الذي يطلق على الشعر الشعبي المغنى. وتنتشر العتابة بين افراد البادية وليس بين فلاحي الريف وسكان المدن. وبصورة عامة، فالعتابة لاتقرأ بل تغنى. وتنتشر في بوادي بلاد مابين النهرين. وبسبب بساطة محتوى العتابة ومضمونها وكذلك وضوحها، فانها تكون قريبة من ذاكرة الانسان البسيط وسهلة الحفظ، بسبب قصرها ووضوح قافيتها.


اشتقت كلمة (عتابة) من العتاب الذي يعني اللوم والشكوى، وهي تعبير فني عن نوع خاص من الشعر الشعبي المعروف في الادب العربي. وقد ظهر مثل هذا النوع من الشعر الشعبي عند ابي نؤاس وغيره. وجمع عتابة عتابات. وفي اللغة يقال عتابة (بكسر العين) وينبغي لها ان تكون كذلك لان العتاب هو لوم موجه للحبيب ولموقفه المتذبذب في الغالب. وما عدا الحب، فالعتابة تعبر ايضا عن الآم الافراد وهمومهم وعن كل تغير يقع في امور حيالتهم وكذلك الحنين إلى الوطن وما اشبه ذلك.


اما من حيث بنية المقطوعة الشعرية، فالعتابة تتكون من اربعة ابيات: البيت الاول والثاني والثالث، لهم نفس القافية ،  اما البيت الرابع فينتهي بقافية اخرى مضافا اليها مقطع (يا) بدلا من با. ومن عشرين قطعة شعرية شعبية (عتابة)، التي جمعها زاخاون تنتهي ثمانية عشرة منها بمقطع (با)، في حين تنتهي اثنتان منها فقط بمقطع (يا) وعندما تغنى العتابة يمد المغني المقطع (با) او (يا) بدون انقطاع.


والعتابة كفن من فنون الشعر الشعبي تتكون من اربعة ابيات وليس لها علاقة بـ(الرباعي) بأشكاله المختلفة المعروفة في الشعر العربي ولا في الشعر الرباعي الفارسي. كما ان اوزان العتابة تختلف عنهما. وفي الوقت الذي يكتب الرباعي باللغة العربية الفصحى وله خصائص وقواعد خاصة به، تكتب العتابة باللغة الدارجة.


والعتابة هي شكل من اشكال الرجز المحورة، وبشكل ادق، هي استخدام حر لاوزان الرجز، بمعنى خروج عن الوزن الاصلي عندما يغنى.


 كما ان الوزن والشكل اللذين استخداما في العتابة في العراق يشبه إلى حد قريب شعر شعبي مصري يعود في تاريخه إلى منتصف القرن الثاني عشر ويتكون من اربعة ابيات وهو من وزن الرجز ولكن بقافية مختلفة.


وهو كما يأتي:


ما مر وسقاني حبيبي سكر


نصف الليالي عالمدامه يسكر


نذرا علي وين أتى محبوبي


لاعمل عمايل ماعملها عنتر


وندرج هنا عددا من العتابات التي جمعها زاخاو من العراق وهي كما يأتي:


1- يالواجف على التنور قلا


ذراعك لاينوش النار قلا


ياطارش روح للمحبوب قلا


سلونا ولابعد بيهم رجابا


2ـ  بل تمشون مشوة العقرب خفيا


ونارك بالقلب يوجد خفيا


ياربي تدوم عشرتنا خفيا


وسر اثنينا مايدري بي حدايا


3- ابات الليل وهمومي عليا


غريب وعنت بلادي عليا


بالله ياقمر تاضي عليا


يازيتي شح وسراجي انطفابا


4- يابو شعرا على الجتفين هليت


يادمع العين علوجنات هليت


ياشهر الشوم ريت ما هليت


لان بيك فارقنا الحبابا


الموال


 وبالرغم من ان زاخاو دوَّن ثلاثين موالا كان قد جمعها خلال رحلاته إلى وادي الرافدين. لكنه لم يكتب عن الموال ولم يشرحه كما فعل مع العتابة، ما عدا بعض الملاحظات البسيطة التي وردت هنا وهناك، كما لم يتطرق إلى الاجناس الاخرى من الشعر الشعبي التي سادت في العراق وبصورة خاصة الابوذية والموشح والدارمي وغيرها من اجناس الشعر الشعبي التي انتشرت في وسط وجنوب العراق.


ومن الملاحظ اننا لم نعثر في كتب التراث والادب والشعر الشعبي في العراق نت هذه المواويل سوى على سبعة نواويل فقط من مجموع ثلاثين موال التي جمعها زاخاو من منطقة الفرات شمال بغداد، وقد وردت عند رضا محسن القرشي في كتابه (الفنون الشعرية غير المعربة) وعند عامر رشيد السامرائي في (مواويل بغدادية) وعند علي الخاقاني في (فنون الادب الشعبي) وغيرهم.


والموال او المواليا هو جنس اخر من اجناس الشعر الشعبي المستحدثة والمعروفة في العالم العربي. الذي ينظم من اجل الغناء اساسا، ويطلق عليه اهل بغداد وشمالها بالزهيري.


ومن اهم خصائص الموال انه لايلتزم بقوانين اللغة العربية ولابقواعدها النحوية، فهو يقف بين الشعر العربي الفصيح وبين الشعر الشعبي، كما يجوز فيه اللحن. مثلما يجوز استعمال الالفاظ  الدارجة عند العوام، لفظا وكتابة. وللموال وزن واحد واربعة قوافي، وهو من البحر البسيط، حيث يسمى الشطر الواحد (قفلا). وحين يتألف من اربعة اقفال او خمسة او سبعة فيسمى (بيتا). والقفل الاول في البيت (مستهلا) اما الاقفال الثلاثة الاولى فتسمى (عتبة الموال)، والاقفال التي تعقبها تسمى (ردفة). سواء كان الموال من خمسة اقفال (اعوج) او سبعة اقفال (نعماني) او (زهيري) اما القفل الاخير من الموال فيسمى (الرباط) في العراق و(الغطاء) في مصر.


ومن الناحية اللغوية فقد تجاوز شعراء الموال مثل باقي الشعراء الشعبيين، القواعد النحوية، كاستعمال الجر بدلا من الرفع او النصب. والعكس كذلك. كما ادخلوا اداة الجزم المختصة بالفعل المضارع على الفعل وكذلك على الامر.


ينتشر الموال في العر اق وبلاد الشام ومصر والمغرب العربي وكذلك في اليمن. ويطلق عليه اهل الخليج بشعر النبط او النبطي.كما يغنى الموال في المقامات العراقية.


ندرج هما عددا من المواويل التي جمعها زاخاو وهي كما يلي:


1- ياذا الذي دق عظمي والرضا


من فرقتك ضاق بي الفلا والرضا


جلسكر الشهد منه للرضا اغضاب


بلى اراك انك تروغ بحالتي واغضاب


ان شيت ارضي علي وان شيت اغضاب


بالحال انت اخوئي علغضب والرضا


2- يامالك الروح بالحسنات عذبها


هلك زمان الصبا يوم تعذبها


لامهجتي بالجفا انت معذبها


جم جان مثلك وقبلك بالزمن وخطا


وبعشرتك قدر الباري علي وخطا


ان قلت لمغرمك مالك ذنوب وخطا


الصوج للملكك روحه تعذبها


3- من شط بغداد للعانا نقضى العمر


يادنية الما خطرها من صحابه عمر


لامال عندي ولا لي دار بيها عمر


مالي سوى خالقي هو المعتلم بالحال


والى مدبر عبيده بسنين امحال


برجوك ياخالقي وتزيح عنا الحال


وتشيل ضيم لوعت مني الضمير ابجاي


والغير منكم شرب جاس المنون ابجاي


ضليت اعالج بروحي جالغريج ابجاي


وانوح على بلوتي نوح الحمام الغرب


وارعى طروش اللهم قبلا ودار الغرب


ماهي مروة تخلوني بدار الغرب


وابجي على فجدكم ماتسمعون ابجاي


وبعد ترجمة وتحقيق المجموعة والتعليق عليها قمنا بكتابة ملحقين إلى الكتاب، الاول حول الموال والثاني حول الابوذية، مع بحث في سوسيولوجيا الشعر الشعبي- الحزن كتعبير عن الحرب ضد الذات المهانة وشكل للتطهير الذاتي. والكتاب جاهز للطبع املين نشره في العراق.


( مجلة التراث الشعبي الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة ـ العراق )