الرئيسية » مقالات » يسار الداخل يتجول بين شارع المتنبي والفردوس

يسار الداخل يتجول بين شارع المتنبي والفردوس

الفكرة

خلع راسه الشخصي , فصله عن رقبته ووضعه امامه , امسك بخصلات شعره , رفع الجلد العلوي وحز بالسكين سقف الجمجمة , ضهر سطح دماغه مكشوفا عاريا تلافيف وفصوص مخترقة بشبكة ممتدة متغلغلة يتسارع فيها جريان السائل الاحمر , مد يده وضغط باصابعه على لوحة الاسفنج , وعند المنتصف دفع بانامله التي غاصت في عمق مظلم تبحث في دهاليز المخ عما يفتقده العقل , استشعر اوتار تتقطع , وتنفس رائحة كهوف رطبة مبللة لاتؤوي مايبحث عنه , اصابه الضجر بعد التعب , ثم الوهن اثر مرور الزمن , سحب يده كانت اصابعه تقطر دما , خطر بباله ان مالمسته الانامل هي الفكرة حتما , حمراء اللون كما وصفت له دوما , اعاد بناء راسه وثبته في مكانه , هو اذن يمتلك المعنى ! , ابتسمت شفتاه , وابتدأت قدماه مسيرتها الاولى الى امام .
———————————————–

ينار

في ساحة الفردوس اسطورة الزمن العراقي الذي يتهاوى , الجندي المجهول تهدمه الشفلات ويرحل قطع من الاسمنت والحديد , ثم تمثال يرتفع وينحني ثم ينحني ويغطى ويتهاوى ليرتطم بحجارة الارض والجلود , وقيل لنا , من بين الركام سينهض المستقبل , وفي صباحات الحرية الموصوفة تتحرك عشتار مرة اخرى , عراقية , وكأن لا احد في الميدان سواها , تتقدم بطقوس دينية تذكرنا باشور وبابل , تحيطها كاهنات المعبد , تستجلب بالتضحيات الخير والمطر لوادي الرافدين , تتحدث , يعلو صوتها وسط الفردوس وتصرخ , كل ظنها انها ستوقض الحاظر والمستقبل , ويتهامس رجال اشداء صناديد , ملئهم الحيرة والعجب , وربما بعض الاستنكار .

– من هذه الانثى التي يضارع فعلها الذكور ؟

و يجيبهم صدى الريح والاعصار الذي خلفه مقدمها ورحيلها .

– انها ينار ….. ينار .

وقرب المقر العائدة اليه , تسأل ينار محمد الفتيات من حولها .

– متى موعد الخروج القادم الى ساحة الفردوس ؟

——————————————-

ابو شاكر

لايكل ولا يمل من التجوال , وهو الجالس في مقصورة ال60 , اميزه عن بعد مرتديا قبعته الشهيرة التي اعود واجدها مرمية على اي طاولة او كرسي جلس عليه ثم تركه للتو ليعود بعد حين مبتسما قائلا

– نسيت الكاسكيته .

ثم بعدها راكضا بين عمله ومن حوله , في جريدة يتحمل العبأ الاكبر من تبعات اصدارها , الى نقاش ومشاحنات رفاق وجدل حاد يداومون عليه طوال ال40 عاما الماضية , ولكنهم لاينتهون , يتلمس باللسان والقلم طريق اليسار المتعثر , ولا اراه الا حامل شموع في الليل والنهار , يشعلها ويضعها امام ابواب المقاهي والشوارع ودروب الرفاق وتجمعات العامة , عل وعسى ! , تنير الطريق لمن لايرى الحق واضحا وسط سطوع شمس النهار , لايهمه بعدها سخرية البعض فقد تفهم المرحلة وتعود ازاحة الاحجار لتبقى الطرق سالكة تشهد للداغستاني … ابوشاكر

———————————————–

ابو ايمان

اتعجب لنظرتي اليه , فلا اراه الا وحيدا ! مهما اجتمع من حوله الناس , الكبار والصغار , الرجال والنساء , ويعود بي الزمن 5 سنوات للوراء , اشاهده للمرة الاولى يقف وحده ايام الجمع والزحام في شارع المتنبي وامامه طاولة تراكمت فوقها منشورات حزبه يوزعها للراغبين .

عرفت بعدها ان فلاح علوان هو رئيس اتحاد المجالس والنقابات العمالية , شاهدته بعدها مرارا اما في مقره العمالي عند شارع الزعيم وسط اعضاء النقابات , او خطيبا في المضاهرات وتجمعات ساحة الفردوس , ولم اعجب او ادهش من محاولات تقزيمه بانشاء اتحاد عمالي مواز من داخل حزبه وبين جماعته , فهل يستوجب ان يكون للعمالقة ظل حتى لا يشعروا بالوحدة !؟

——————————————–

مازن لطيف

– مازن راح … مازن اتى .. مازن كان هنا , ذلك ما اسمعه كلما حاولت ان احادثه او اتلمسه بيدي , فيتسرب كهواء في شبك ! , ولكنه يملأ شارع المتنبي بوقع اقدامه وافعاله , فمن خريج الى صاحب بسطية الى ادارة دار نشر الى صحافة واعلام , وصولا الى مؤسسة الحوار المتمدن , وكتابات ناضجة بعضها عن اشخاص مروا نجوما واقمار في تاريخ العراق الحديث ينساهم الاخرين ويتذكرهم , يده للجميع , ولكن الشاطر من يستطيع الامساك بها حين يجده امامه , حينما تراه تحسبه كحارس قديم نادر وامين اخر لايام شارع المتنبي المستمرة بالمرور بحلوها وعلقمها .

————————————-

ابو ربيع

– في ايام المزادات القديمة كانت حنجرته تصدح , لا احد مثله يجيد الصنعة والتغزل بالقديم من الكتب , خاصة تلك التي يكون قدمها هو سر ارتفاع قيمتها وثمنها , ثم يقضي باقي الوقت جالس على كرسي عند باب مكتبته في شارع المتنبي , علم وراية , يستدل بمكانه الغرباء والزائرين , تسأل وتاتيك الاجابة

– عند مدخل الشارع تسير ثم قبل او بعد مكتبة الشطري .

ويحزر السائل ويفهم طريقه الصحيح وموقع اقدامه عند البحث , لاينافسه في الشعبية هناك وخاصة بين العامة الا رمضان الجايجي جاره القريب , الا اذا استثنينا مقهى الشابندر الابعد موقعا ,

وسط المدى بين سقوط بغداد وانفجار الشارع ازدهرت ايامه مع الجديد والحديث من الكتب والمطبوعات والزائرين , ثم اصفرت وذبلت وتساقطت الاوراق , ولم يعد يسمع من الاصوات غير رشقات الرصاص تحيط بشارعه من كل جانب , كنت امامه في بناية مقابل مكتبته , اعمل بورشة لصنع الحقائب لهاشرفة تطل عليه , واستمع مثله للعنة ولعلعة الاطلاقات حتى قبل انتصاف النهار, لتبدأ المحلات المجاورة بالاغلاق السريع وكان العمل والرزق ينتهي مع اذان الضهر ! , وتصمت حتى مولدات الشارع الصغيرة , وتتسرب الاقدام والحياة مبتعدة عن المتنبي , ويبدأ القلق , واتطلع من الشرفة والشباك كارها قدوم الصمت , ولكني اجده , يبقى هو (مفتح) من غير بيع او شراء وكأن الامر لا يعنيه , واشعر بالراحة كما العاملين معي , ونقول لايزال هناك ابو ربيع ضمن الشارع , مكشوف للنوائب , رغم ان الكرسي الذي يجاوره فارغ , وحكايته اشد غرابة , واقصد الكرسي العجيب , الذي يمكن وصفه بسهولة , بانه مقعد حكايا وهموم اليسار في العراق , يتسابق الرفاق على اختلاف ميولهم للجلوس واسماع احاديثهم لابي ربيع .

فماذا بعد الانفجار الكبير وتطاير اشلاء نصف شارع المتنبي واهله ؟

بقي الشطري على حاله وجلسته ! ربما نهض ومشى واخترق حواجز الغبار والحرائق والدخان , متسائلا عن مصير الاحبة والاصحاب عند الشابندر والمصرف والمكتبات والمطابع , وقد يكون بكى بصمت ثم عاد , وتحدث قليلا وتصبر , اما انا فقد انقطعت عن العمل بعد ان تحطم نصف زجاج الشقة واهتز البناء والمكائن وتناثر الاثاث , وهرب العمال فلا شغل بعد ان انقطعت كهرباء حتى مولدة الشارع واصابني الاحباط , ولكن بعدها وبين فترة واخرى , اسبوع واخر , اعود للاصلاح واراه , يراقب العمل ومرور الايام ورفع الانقاض , وبناء جديد (لواجهة ) جسد قد يتعافى ماديا , بانتظار عودة الروح والربيع , وزوار ابا ربيع .