الرئيسية » مقالات » الشيخ الذي لم ينتم لجماعة

الشيخ الذي لم ينتم لجماعة

ألتقيته قبل أن توافيه المنية بأيام، وكانت أمارات المرض ـ وهي قديمة الصلة به ـ بادية على محياه، غير أن تأثر الشيخ كان واضحاً هذه المرة رغم ما عرف عنه من جلد وثبات.. أعتذر عن إجراء المقابلة، نظراً لما لقيه على أيدي الصحفيين الذين امتهنوا “تحريف الكلام ونقله على غير موضعه”.

لم تنل أيام الاعتقال ولا لياليه من لطف الرجل وكريم أخلاقه وتظرفه مع جلسائه غير أنها أخذت كثيراً من روح المرح والتفاؤل اللذين ظلا ملازمين له في أحلك الظروف. فعلى غير عادته تحدث كثيراً عن معاناته مع أجهزة الأمن الذين لا يكفون عن مداهمة منزله ليصادروا كتبه وأشعاره ومذكراته التي ظل يسطرها طوال حياته، فلا يكاد يخط بقلمه قصاصة ورق إلا ويصادروها، كما تحدث ـ وبغضب ـ عن ألوان التضييق الذي يلقاه وهو في هذه السن دون أن يحرك ذالك ساكناً لدى القوى السياسية والثقافية ووسائل الإعلام أو المدافعين عن حقوق الإنسان.

دوره في الحركة الإسلامية

ينظر كثير من الإسلاميين إلى الشيخ عبد الله السماوي، الذي توفي الأربعاء (7/1/2009) على أنه الأب الروحي ـ إن صح هذا المسمى ـ لكافة الجماعات الإسلامية في مصر، أو واحد من أهم رموزها منذ انتشارها مع بداية السبعينات، رغم أنه لم يُشكِّل جماعةً ولم يُنشئ تنظيمًا محدداً، بل كان يفضل الدعوة والعمل على نشر صحوة الإسلام بين الشباب وطلاب الجامعات، وجاب في سبيل ذلك مصر من أقصاها إلى أقصاها، حتى قيل: “إن جميع الإسلاميين قد مروا عليه في وقت ما من حياتهم”، وكانت معرفته والاجتماع به والسماع منه “محطة في الطريق إلى جماعة أخرى” حسبما ذهب القيادي الإخواني د.عصام العريان في مقال له.

بين السماوي وعمر عبدالرحمن

ارتبط اسم السماوي بشكل خاص بتنظيمي “الجهاد” و”الجماعة الإسلامية”، فهو شيخ قياداتهما وبايعه الكثيرون منهم كما تتلمذ على يديه آخرون أمثال: كرم زهدي، ود.ناجح إبراهيم، وحمدي عبدالرحمن، وخالد الإسلامبولي، وشقيقه محمد شوقي الإسلامبولي، وأسامة حافظ ، ومحمد عبد السلام فرج، وصالح جاهين، وعلي فراج، ومنتصر الزيات.

“كان السماوي من أوائل دعاة الصحوة الإسلامية في السبعينات، مع ما هو معروف دائماً من صعوبة البداية” حسبما يقول د.ناجح إبراهيم ـ منظر الجماعة الإسلامية الذي لقيه وكان طالباً في كلية الطب ـ و”في الوقت الذي كان العلماء فيه يتهيبون الدعوة، كان السماوي من السباقين بالجهر بها نشيطاً في التنقل بين محافظات الصعيد من أجل دعوته”، حتى أن القليل من “الشباب هو الذي أفلت من الإعجاب بطريقة وسمت السماوي”، فتتلمذ علي يديه كثيرون من رموز وقادة الحركة الطلابية الإسلامية، حتى جرت البيعة له من قبل شباب وعناصر “الجماعة الإسلامية” في المنيا وأسيوط، وكانوا موزعين في فترة السبعينات بينه وبين الشيخ عمر عبد الرحمن، حيث يقول السماوي: “كنت أتردد عليهم أنا والشيخ عمر سوياً في وقت واحد، وليس اتفاقاً”، حتى قيل “إن السماوي هو المؤسس الحقيقي” للجماعة الإسلامية، غير أنه جرى اعتقاله ووضع تحت التحفظ لثلاث سنوات، اختار الشباب خلالها الدكتور عمر عبد الرحمن ليكون واجهة لهم وأميراً وأطلقوا علي أنفسهم “الجماعة الإسلامية”.

وبينما يرجع متابعون أسباب مبايعة الشيخ عمر عبد الرحمن إلى حاجة الجماعة إلى الرجل بكونه عالم أزهري، حصل على أعلى الدرجات العلمية، ما يرفع عنهم الحرج والاتهام بأنهم مجموعة لا يعرف لها نصيب في التفرغ للعلم الشرعي، ولم يتخرجوا في الأزهر، ومن ثم لا يحق لهم أن يتكلموا في الدين، حسبما كان يوجه لهم في هذه الأثناء. تحفظ د.ناجح إبراهيم على صحة هذه الأحداث نافياً أن يكون السماوي تولى إمارة الجماعة الإسلامية في فترة من الفترات، معتبراً أن علاقة الشيخ بأعضاء الجماعة ظلت وقفاً على كونه داعية إسلامي نشيط تجمع حوله الشباب وأحبوه وأجلوه وحفظوا له سبقه وقدره في العلم الشرعي.

الإخوان المسلمون

جماعة “الإخوان المسلمون” كانت محطة أخرى ضمن محطات الحركة الإسلامية في طريق السماوي حيث اعتقل بتهمة الانتماء إليها عام ١٩٦٦ في عهد عبد الناصر رغم أنه لم يكن “إخوانياً” ـ كما يقول ـ “لكن اعتقلت لأني مثلهم أدعو إلي الله، أي اعتقلت معهم وليس بسببهم”. وفي السجن التقى السماوي قياداتهم، وكان منهم محمد قطب شقيق المفكر الإسلامي سيد قطب الذي تأثر به السماوي كثيراً، وحسن الهضيبي، ومصطفي مشهور.

خرج السماوي من سجنه مع الإخوان بعد تولي السادات الحكم، وظل يحتفظ لهم بمشاعره الطيبة ويحفظ لهم الدور الذي بذلوه في نصرة قضايا الإسلام، رغم أنه لم ينتم إليهم ولعل ذلك يعود إلى طبيعة الرجل وما عرف عنه من حبه وولعه بالدعوة إلى الإسلام دون التقيد بقيود يحتمها التنظيم على أعضائه وقياداته، كما كان يكره التعصب لغير منهج الله، فضلاً عن شخصية الرجل التي يغلب عليها الداعية المتنقل في سبيل نشر دعوته ليس له هدف سواها. ولما كان قد سأل عن الاختلاف مع الإخوان أجاب بالقول: “لم أختلف في شيء، ولكن هو الإسلام، والاختلاف هو عدم لقائي بهم وربما لو التقيت بهم لما كان هناك خلاف”.

التنظيم السماوي

كما أرتبط اسم الشيخ بجماعة أو ما عرف إعلامياً بـ “التنظيم السماوي” نسبة إلى اسمه، وهي جماعة لم يدع لها ولم يكونها بل كونها مجموعة من تلامذته غير أن وسائل الإعلام ألصقت بهم غير قليل من التهم، منها: إحراق دور العرض ونوادي الفيديو، والملاهي الليلية، ومحلات الخمور، خلال الثمانينات من القرن الماضي، لكن السماوي ينفي أن يكون هو من وجههم لمثل هذه الأعمال، قائلاً: “هذا لم أقم به، وإنما قام به بعض الأفراد من تلاميذي، وأنا لم أخطط لهذا أو أستعجل الأمور وأسبق الأحداث”، معتبراً أنها ليست جماعة على فكر معين، بل هم: “مجموعة من الإخوة قاموا على التعاون على البر والتقوى، والاعتصام بحبل الله، والعمل على إقامة الدين، ودعوة الناس إليه”.

وفي الأعوام الأخيرة كان السماوي مقرباً من حزبي “الأحرار” و”العمل” المجمد الذي احتضن عدداً كبيراً من الإسلاميين، وقد شارك في العديد من الفعاليات السياسية التي نظمها الحزب من خلال عضويته في اللجنة العليا، وهو ملمح آخر من حياته يدلل على انفتاح الرجل على كافة القوى التي كان يرى من مقاصدها الدعوة إلى الإسلام والدفاع عن قضايا الدين. وإن كان الشيخ عبد الرحمن لطفي ـ وهو أقرب الناس إلى السماوي ـ يرجع السبب في ذلك إلى التضييق الذي فرض على الشيخ حتى منع من الحديث حتى في المناسبات الاجتماعية، ومن ثم رأى في الأحزاب السياسية التي لها مرجعية أو صبغة إسلامية المتنفس الوحيد.

بين الاعتقالات والتضييق

كرس السماوي حياته للعمل بالدعوة بين أوساط طلاب وشباب الحركة الإسلامية، وقد دفع ثمناً باهظاً مقابل ذلك، حتى أنه لم يكمل دراسته الجامعية بسبب عديد مرات اعتقاله، وحصل فقط علي الثانوية العامة، غير أنه تحصل بنفسه على ثقافة إسلامية وعربية أهلته للدعوة، وكانت له صفات جمعت قلوب الناس من حوله، فقد كانت له طريقة عذبة في تلاوة القرآن، كما عرف بطريقته المميزة في الحديث بالفصحى السلسة، فلا يتحدث بغير العربية، إذ كان عشاقاً للغة وكان شاعرًا وعمل محققاً لغوياً.

وقد قضى الشيخ طه أحمد السيد السماوي أيام عمره الأخيرة رهن الإقامة الجبرية في منزله بحي عابدين، بعد إطلاق سراحه من آخر اعتقال جرى بحقه في (يونيو 2008) بعدما أوقفته أجهزة الأمن على إثر تصريحات إعلامية انتقد فيها مراجعات جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية، واعتبر المراجعات: “تراجعات لأن المراجعات الحقيقية تكون والإنسان حر طليق” ليس وهو أسير.

ولازم السماوي الاعتقال منذ سنين صباه الأولى، إذ كانت أول مرات اعتقاله عام 1963 بسبب قصيدة شعرية ألقاها في الإذاعة بمدرسة المتفوقين النموذجية بعين شمس في مسابقة بمناسبة ذكرى النصر علي العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦، إذ كان شاعر مدرسته وألقى قصيدة بعنوان “سبيل النصر” ألهبت حماس الطلاب وصفقوا لها بحرارة، لكنها أحدثت سخط وغضب المباحث العامة في العهد الناصري فتم اعتقاله.

المرة الثانية كانت في العام ١٩٦٦ اعتقل مع الإخوان المسلمين في ذروة عدائهم مع جمال عبد الناصر، قضى السماوي خمس سنوات وشهراً في السجن وخرج عام ١٩٧١ ليقضي 10 أعوام طليق وهي أطول فترة طيلة عمره قضاها خارج السجن ليعاد اعتقال في سبتمبر عام 1981 ضمن من أمر الرئيس السادات بالتحفظ عليهم، ولم يخرج مع من خرجوا بعد تولي مبارك الحكم، بل ظل في المعتقل بلا محاكمة وفي زنزانة انفرادية بسجن أبو زعبل، لمدة ثلاث سنوات ليخرج في العام 1984.

وفي عام 1986 لفقت له قضية إعادة تشكيل تنظيم “السماوي” إثر حرائق أندية الفيديو الشهيرة التي اندلعت في وسط القاهرة إلا أن الحكم انتهى ببراءته. ومنذ العام 1991 صدر بحق الشيخ عبد الله قرار رسمي بوضعه رهن الإقامة الجبرية، ومنعه من النشاط الدعوي، كما أدرج أسمه ضمن قوائم الممنوعين من السفر خارج البلاد، وهو الحكم الذي ظل ملازماً له حتى آخر يوم من عمره.

وفي 19/11/2007 تم القبض على السماوى ونجله “سلوان” بعد مقابلتين صحفيتين إحداهما مع صحيفة “الفجر” والأخرى مع “المصري اليوم” القاهريتين، إذ أن السلطات كانت تحظر عليه الحديث لوسائل الإعلام وهو ما كان يرفض الامتثال له، فأمضى بهذا الاعتقال 7 أشهر، وقبل خروجه رفض التوقيع على تعهد جديد لأجهزة الأمن بعدم التحدث للصحف أو المشاركة في الندوات مشدداً علي تمسكه باستقلاليته وممارسة كافة حقوقه، وهو ما أدى إلى إعادة اعتقاله لبضعة أيام في 14/6/2008 وذلك للحيلولة بينه وبين حضور ندوة دعاه إليها حزب “العمل” للحديث عن تجربته مع السجن والاعتقال.

يقول الذين رافقوا السماوي في سجنه إن الشيخ الذي اجتمعت عليه ـ جراء السنين ـ مجموعة من الأمراض يصعب على إنسان تحملها، أبدى صلابة وتحملاً لآلام التعذيب وقسوة العيش في السجن الحربي ثم في سجن أبي زعبل، إذ كان يعزل بعيداً عن زملائه من المعتقلين، ولقد عزل في زنزانة انفرادية بعنبر التأديب في ليمان أبي زعبل ثلاث سنوات كاملة لا يستطيع أن يتحملها أحد.. وفي ظل حالات الاعتقال العديدة التي تعرض لها يعلق السماوي بالقول: “إن السجون لا تغير في شيئاً” أي من فكره وعقيدته وإيمانه بدعوته.

واستكمالاً للمسلسل الأمني جرى تشيع جثمان الرجل وسط حصار أمني مشدد، حتى منع مصوري الصحف من التقاط صور الجنازة، وتمت الصلاة عليه في مسجد كريم الخلوتى بشارع بورسعيد وسط حضور كثيف من قيادات الجماعة الإسلامية والجهاد وقيادات حزب العمل الذين كانت تجمعهم به علاقات طيبة، بالإضافة لبعض قادة التيار السلفي البارزين مثل الشيخ نشأت إبراهيم الذي تولى الإمامة في صلاة الجنازة.

تهم وشبهات ألصقت بالسماوي

تعرض السماوي لحملات تشويه، ساهم الإعلام في جزء كبير منها جنباً إلى جنب مع الأجهزة الأمنية ودوائر السلطان في مصر، فقد اتهم الرجل بالتكفير وكان أبعد الناس عنها، هكذا أكد كل من عرفوه، وكان السماوي يتبرأ من هذه الشبهة، لأنه لا يقر التكفير، وقد اختلف مع من يكفرون، قائلاً: “أنا لا أكفِّر، ورفضت فكرة التكفير، ولا أزال أرفضها، فالتكفير هكذا بدون ضوابط شرعية ليس أمراً سهلاً”. والسماوي الذي يقر بأنه التقى زعيم جماعة “التكفير والهجرة” شكري مصطفى، يقول مؤكداً: “لكنني لم أعتقد معتقده، واختلفت معه لما كنت أرى في دعوته من الغلو في التكفير”.

وكان من بين ما اتهم به الرجل الدعوة لمناهضة أنظمة الحكم التي يكفرها بمصر، تمهيداً لقلبها وإسقاطها، وأنه حمل فكراً متشدداً جعل الكثيرين من الشباب يقتدون به في ممارسة العنف، وهو ما عاش السماوي ينفيه عن نفسه طوال حياته، حيث يقول: “أنا لا أعرف الأفكار، وإنما أعرف الإسلام، ولم أدع إلي فكر خاص، ولست الآن على فكر خاص إنما هو الإسلام ولا شيء سواه… لكن لغربة الإسلام سار الإسلام فكراً من الأفكار”.

ومما أخذ على السماوي في بعض فترات عمره أنه كان يعتنق فكراً “شذَّ به عن الحركة الإسلامية في ترك التعليم والمدارس، وعدم الالتحاق بالوظائف الحكومية، ورفض التجنيد أو رفض حلق اللحية عند التجنيد”، مما سبَّب للشباب مشاكل كثيرة في حياتهم. إذ كان السماوي في بدء حياته أميل إلى فكر العزلة ونبذ الاختلاط ، وكان من أفكاره اعتزال المجتمع والعيش في الصحراء، ولذلك كان يفتي بجاهلية المجتمع، إلا أن هذه المرحلة كانت في وقت مبكر من السبعينيات ثم عدل عنها، حسبما أكد معاصروه و”في كل الأحوال لم يكن يحمل أحداً على فعل شيء أو تركه”، بل يشهد للسماوي بالدعوة باللين والموعظة الحسنة، حتى وصفه منتصر الزيات ـ وكان ممن رافقوه أواسط السبعينات ـ بالقول: “إنه داعية لا يشق له غبار، عالم متمكن وقاريء للقرآن كان علي الحركة الإسلامية أن تستفيد منه بشكل أوسع”.