الرئيسية » مقالات » عائد إلى بغداد

عائد إلى بغداد

الكتاب : عائد الى بغداد

عدد الصفحات : 371 صفحة من الحجم المتوسط

دار النشر: فيشون ميديا

مدينة فكشو – السويد

هو كتاب يضم بين دفتيه سيلا من الذكريات التي تتناول أحداثا سياسية واجتماعية وحياتية تمتد على مسافة زمنية تقع ما بين سنتي : 1943 – 2003م ، وحين بدأت بكتابة هذه الذكريات تساءلت مع نفسي : من أين أبدأ ؟ وعن أي الأحداث في حياتي اكتب ؟ وهل يهم القارئ ما أرويه عن أحداث مضى على بعضها أكثر من ستة عقود من السنين؟

إن بعض ما مرّرت به من أحداث خلال ما انصرم من العمر كان شاقا ومريرا لكنه في بلد مثل العراق لا يعتبر استثناءً عن آخرين كثيرين ، لكنه بنفس الوقت ليس عاديا بالنسبة لطفل في العاشرة ، أو لشاب في مقتبل العمر . وأفراد مثلي خاضوا بعضا من تجارب الحياة تلك لم يكن لهم أبدا خيارا آخر ، فقد كانت قدرهم لا أرادة لهم فيه. لقد كنت من بين القليلين الأفضل حظا ممن سنحت لهم الفرصة للعيش في كل من المدينة والريف وبذلك فقط أمكنني أن أنقل وأعبر عن واقع معاناة المحرومين في كلا المجتمعين.

كان سردي ووصفي لوقائع عشت دقائقها كمن ينقل رسالة عن عالم المنسيين إلى من يهمهم الأمر وإلى قراء هذه الوريقات ، لا ليطلعوا على أخبارهم أو يستمتعوا بفولكلورهم الشعبي ، بل لينحازوا إلى جانبهم ويعملوا لصالح إنصافهم ومنحهم الكرامة التي يستحقون . من لم يعش حياة القرية يصعب عليه أن يتحسس ما يعانيه أهلها في حياتهم اليومية ، ومن لم يطلع من القرويين البسطاء على حياة المدينة لا يشعر بالقهر والحرمان الذي يعانيه هو في القرية أما المرأة الريفية التي هي أفقر المقهورين وأكثرهم معاناة وحرمانا من الحقوق فلا تعرف أبدا أن هناك حياة خارج عبودية الرجل حتى آخر يوم من حياتها. أن بعضا مما أتذكره عن حياة القرية كان بليغا ، حيث المساواة التامة بين الناس في ظل عدالة الفقر الموزع اشتراكيا بين الجميع.

إن مذكرات ” عائد إلى بغداد ” هي سجل لأحداث أتذكرها صورة وصوتا وجغرافية منذ كنت طفلا في الثامنة أو يزيد من عمري ، حاولت عبرها التعبير بصدق عني وعنها وعن الزمن الذي طواني وطواها قربا أو بعدا عنها ، سواء كانت عبثا طفوليا أو ما حفر في ذاكرتي من مشاهدات لفواجع كان يصعب علي حينها التعبير عن مآسيها وما رافقها من أوجاع على المكتوين بأوار نار آلامها.

في المدينة التي انتقلت إليها قرويا عام 1947 كان النشاط السياسي وانتشار الفكر التحرري المعارض لسلطة الحكم حينذاك ظاهرة بارزة في حياة المدينة ، فلم انتظر طويلا للانغماس فيها بقوة وحماس فوجدت نفسي عضوا فعالا في نشاطات الحركة الوطنية. كانت قضايا حرية التعبير عن الرأي والتظاهر والمعتقد وحرية تشكيل الأحزاب السياسية والعدالة في توزيع الدخل وتوفير العمل للعاطلين هو ما كان يشغل تلك الحركة ويشكل عنوانا لنشاطها الدائم. كان لمساهماتي في تلك النشاطات مثار اعتزازي ، لكنها لم تكن بدون متاعب حيث كان لي نصيبي من أعبائها وتكاليفها النفسية وأوجاعها وما سببته من تشرد عن الوطن والأهل و فقدان الأحبة.

تقدمي بالعمر وبعدي عن الوطن فيما بعد متن علاقتي وزادني قربا من الحركة الوطنية ونشاطاتها ، ولم تقعدني عنها خيبات الأمل من كفاح وجهد نحو نصر لم يحصل برغم التضحيات الجسام . وعندما لم تكن الهزيمة خيارا بالنسبة لطفل في الثالثة عشرة من عمره فهي لم تكن كذلك في نهاية العمر ، ولعل أشد ما يسعدني في هذه المرحلة من حياتي أني ما زلت لصيقا بهموم شعبي ومؤمنا بقدرته على التحرر من الجهل والجهلة و من الفقر وتجاره والديكتاتورية وزبانيتها.

وبرغم شديد حذري في نشاطاتي السياسية المعارضة خلال فترة وجودي في العراق كدت أقع في أيدي الشرطة مرات عدة ، ولقد نجوت بأعجوبة في مناسبات عديدة كانت ستضعني في السجن لسنين طوال ، لكني كنت من القلائل الذين انخرطوا بالنشاط السياسي السري والعلني ولم تتمكن الشرطة منه أو يدخل السجن في حياته ، لكن حكما غيابيا قد صدر بحقي تمكنت من الإفلات منه والهرب إلى خارج العراق و هذا ما سأتناوله بالتفصيل في مكان أخر من هذه المذكرات .

جزءا لافتا من مذكرات ” عائد إلى بغداد ” كرسته لانطباعاتي الشخصية عن بلدان كثيرة زرتها خلال نشاطي الطلابي في فترة مبكرة من حياتي ، حيث كان لي سفرات متعددة إلى خارج البلاد ممثلا لاتحاد الطلبة العام في خمسينيات وستينيات القرن الماضي مما أتاح لي فرصة التعرف على الظروف الاقتصادية والسياسية والثقافية في البلدان التي تنقلت عبرها ، وقد مررت بأحداث مثيرة أثناء تلك الزيارات التي كانت أولاها في العام 1959 إلى الصين الشعبية ، ثم في عام 1962 إلى جيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفيتي وهنغاريا و وفنلندة ، وفي عام 1970 إلى ألمانيا الديمقراطية و إلى بريطانيا.

وفي القسم الأخير من هذه الذكريات تحدثت عن الحرب ألأخيرة على بلادي بدءا من القصف الجوي للعراق والهجوم البري واحتلال بغداد ثم تفاصيل رحلتي إلى بغداد بعد غياب استمر لمدة 28 عاما. لقد استأجرنا سيارة تاكسي من عمان إلى بغداد أنا وإثنان من زملائي ووصلنا بغداد منتصف نهار 20 /10 / 2003.

ها نحن على مشارف بغداد ” قال السائق ، وبدأ كل واحد منا يتطلع يمينا وشمالا والى الإمام محاولين التعرف على الأحياء التي نمر خلالها ، لكن من دون فائدة ، فالأحياء تبدو وكأنها ليست بغدادية فلا نذكر إننا شاهدنا مثلها قبل سفرنا ، كانت السيارة تمر بشوارع وتعبر جسورا وتدخل إنفاقا وتدور حول ساحات وتمر بمحاذاة عمارات وبيوت سكنية ليس لها أمكنة في ذاكرتنا ، لقد حزنت كثيرا وأنا أدور بناظري حولي وكأني مواطن أجنبي يدخل بلادا لأول مرة، فكل شيء بالنسبة له غريبا يراه لأول مرة. أحزنني إن لا اعرف عاصمة بلادي التي عشت فيها طفولتي وشبابي ، وها أنا ذا غريب فيها كأي غريب يدخلها لأول مرة ، كنت أتنقل بناظري بين الشمال واليمين والى الأمام بحثا عن مكان أعرفه فلم أجد أي شيء يذكرني ببغداد وتساءلت مع نفسي ، هل حقا أنا في بغداد التي عرفتها ولا اعرفها ألان؟

كانت السيارة تشق طريقها بصعوبة في الزحام حيث عشرات السيارات تتسارع كل منها تريد أن تمر إلى الجهة المقابلة أو شمالا أو الى اليمين في آن واحد ، توقف السير عدة مرات ونحن في وسط أنقاض سيارات بعضها من دون أبواب أو نوافذ ، سيارات بمحركات مكشوفة وأبخرة متطايرة، وأخرى بدون ألوان واضحة يستحيل تمييز أبيضها عن أصفرها بسبب الصدأ الذي حول بعض أجزائها إلى غربال، فأحالها إلى أشكال هجينة لا هي بسيارات ولا هي بعربات جر هجرتها الخيول.

كانت اغلب تلك الإشكال الغريبة تاكسيات ، يكدح سائقيها لكسب قوت يومهم ليعيلوا أبنائهم الذين لهم مدارسهم وكلياتهم ، حيث كانت الوجوه المتعبة خلف مقود تلك الهياكل الغريبة المتحركة قد جسدت بوضوح عمق الأزمة الاقتصادية التي عاشها العراق في الثلث الأخير من القرن الماضي بينما كان الناس المترجلون على جانبي الطرق غريبين تماما ، وتساءلت : هل هذه الأشكال وألوان الوجوه هي ما أعتدت أن أراه قبل تركي بغداد في السبعينيات من القرن الماضي؟ أحقا أن الذي أراه في شوارع بغداد هم أناسا عراقيين أم جنسيات أخرى استوطنت بلادنا رغما عن أرادة أهلها ؟ فأن لون وجوههم قد تغير إلى الأسود فيما تدل هيئتهم على هم وغم وجوع وحرمان، حتى بانت هياكلهم العظمية تحت ثيابهم السمراء المخضبة بالعرق والغبار.

لم يكن بوسعي وأنا أتطلع لتلك الوجوه المتعبة، ألا التعاطف مع عائلاتهم التي خلفوها ورائهم بانتظار أرغفة الخبز التي سيحملونها لهم في نهاية عملهم المضني ، لم يظهر على تلك الوجوه الشاحبة أنها ذاقت أو شمت رائحة شواء اللحم .

تساءلت : أين هم كتاب القصة والرواية في العالم ؟ فليأتوا إلى بغداد فلهم ما يكفي ويزيد للكتابة عن الجوع والحرمان وهياكل السيارات التي تجري بأعجوبة في شوارع أغنى بلد نفطي في الدنيا ؟

كنت أتطلع إلى شعب هو الأغنى بين بلدان العالم كافة ، ولا أقصد بالغنى ذلك المخزون الهائل من النفط والغاز وغيره الذي يرقد بسلام تحت أقدامه ، فتلك لا تساوي شيئا ما دامت هناك في أعماق الأرض، بل أن ما أقصده هو قدرة شعب العراق على تحويل تلك الحجارة والسوائل السوداء إلى رفاه وثراء وثقافة وأدب رفيع ، غير أن أحدا لم يرد لذلك الشعب الذي حير العالم بصبره وجلده وتضحيته وحبه للحياة والأمل أن يرفل بالسعادة والغنى والأمان.

لو أعار النظام السابق اهتمامه بالتنمية الاقتصادية بدلا من الحروب والغزو وبعثرة موارد البلاد في شراء ذمم حكومات ومسئولين وصحفيين ورؤساء أحزاب، لما اضطر هؤلاء للتوسل بهذا الحديد الصدئ لتدبير لقمة عيش عائلته حيث أن صور هؤلاء الكادحين وهم يصارعون المستحيل إنما هي لطخة عار بجبين أي حكومة أو مسؤول يرتقي سدة المسؤولية ويسمح بهذا الانتهاك لإنسانية الإنسان.

أن فقراء خمسينيات القرن الماضي كانوا أفضل حظا من إنسان القرن الحادي والعشرين ، لقد تحولت قرى مغمورة في جنوب الجزيرة العربية لم يسمع بها طلاب المدارس ولم يعرها الجغرافيون ومضة اهتمام إلى واحات عمرانية في ثمانينيات القرن الماضي ، فيما كان حكام العراق يحملون معاول التهديم لتخريب بلدهم وإبادة شعبهم وتبذير موارده على موائد المنتفعين والمرتزقة وباعة الضمير و الذمم.

ورغم ما أصاب الشعب العراقي بعد إنعتاقه من الديكتاتورية وما يواجهه من فواجع في أيامه الحالكة الحالية فأن مسيرته نحو التحرر من الاحتلال والفقر والحرمان لابد أن تتكلل بالنجاح ولن توقفها قوى التخلف والفاشية مهما بذلت من جهد ، وقد أخذت عهدا على نفسي أن أكرس قلمي وجهدي فيما تبقى لي من العمر للدفاع عن وحدة العراق ترابا وشعبا ، ودعوة العراقيين بكافة انتماءاتهم السياسية ومن مختلف القوميات والأديان والطوائف والأجناس إلى نبذ التعصب قوميا كان أم دينيا ، مذهبيا جاهليا أو قبليا ، وإلى التوحد حول مشروعهم الوطني الديمقراطي والدفاع عنه.