الرئيسية » مقالات » الانتخابات بين اعلام الدولة.. والحكومة

الانتخابات بين اعلام الدولة.. والحكومة

الذي يجلس قبالة فضائية الحكومة اربع وعشرين ساعة(كما جلستُ)منذ ايام، وكان في ذاكرته صورة وإداء فضائية(واعلام) نظام ما قبل التغيير، سيعرف ان العراق يشق طريق الاعلام الحر ويضع علامات بارزة على هذا الطريق يمكن لها ان تتسع، مستقبلا، لكي تعبر الى ذلك الاعلام الذي لا يتغير بتغيّر الحكومات، ولا يخضع لابتزاز واملاءات القوى المتنفذة.. ولا يخاف.

كان الاعلام الحكومي لعهد الدكتاتورية يتحد عضويا بطبيعة ذلك النظام، ويلتزم مشيئته وارادة الحلقة الضيقة التي تتحكم في رقاب المجتمع، ولا يخرج عن الواحدية البغيضة التي تكرس نفسها كنظرة وحيدة (وغيرها محرم)نحو العالم او نحو مصائر البلاد.. خياره هو الخيار الوحيد، وكلمته هي الكلمة الفصل، وصورة الدكتاتور هي الصورة والاطار والملهم، وقراره هو القدر المحتوم المفروض والمقنون، وضحتكه فرع من ابتسامة السماء، وغضبته لا تتراجع إلا بعد ان يطاح برؤوس ورقاب، ثم، لا احد يعرف متى يضحك ومتى يغضب، فيما كانت الشاشة الحكومية وإعلام السلطة رهن اهواء لا يعرف احد مقدماتها، وكان يطاح بمن لا يجيد الركض على حد السكين.

اقول، كان ذلك هو ما توارثناه من إداء اعلامي وثقافة دعائية ذليلة، قبل ان ننتقل الى عهد اعلامي مفتوح، اختلطت فيه كل اجناس واتجاهات الاعلام بما فيها بصمات من الاعلام السابق للتغيير، واعلام الردة والتجهيل والخرافة، جنبا الى جنب مع اعلام الوعي والمعلومة النظيفة، في حين وقف الاعلام الحكومي مضطربا ومترددا بين جميع هذه الاجناس، بل انه تعثر في اكثر من موضع واخفق احيانا في تجسيد معنى ووظيفة “اعلام الدولة” العصرية.

وتعدّ انتخابات مجالس المحافظات والحملة الانتخابية للقوائم والشخصيات المختلفة اختبارا مهما لكفاءة واهلية هذا الاعلام وقدرته على ان يكون حياديا في نقطة استيعاب دلالات الحملة والعمل على تطوير حق التعبير وتقاليد الفروسية الانتخابية، ويستطيع المراقب ان يرصد بعض الزلات والضعف على الرغم من الامكانيات الهائلة التي تضعها الدولة تحت تصرف الاجهزة الاعلامية التابعة لها.

الوقت لا يزال مبكرا في الحكم النهائي على مهنية الاعلام الحكومي وحياديته بين المتسابقين.. واستباق الحكم الان مثل الحكم على متهم لم يرتكب جريمته بعد.

على ان ثمة حقيقتان ينبغي تثبيتهما قبل الخوض في قضية شائكة مثل “إعلام الدولة والانتخابات” الاولى، ان على سطح هذا الاعلام، في القيادات وغيرها، كفاءات اعلامية مهنية ممتازة لا تخطئ البصيرة التقاط بصماتها في مرافق مختلفة، كما لا تخطئ في تسجيل ان الكثير من هذه الكفاءات عاطلة او متفرجة او تعطي اقل بكثير مما يمكن ان تعطيه، والثانية، ان التابعية للدولة لم تجهّز في “تعليمات” او قوانين او تقاليد متراكمة واضحة الامر الذي ترك المجال امام اضطراب هذه العلاقة وتأويلها على نحو اعتباطي ومغلوط باعتباها علاقة مع الحكومة، والحكومة طبعا غير الدولة.

في كل الاحوال، وباستثناء دولة الحزب الواحد القمعية، يلزم وضع ترسيم، او مسافة محسوبة بين الحكومة و”اعلام الدولة” حين يجري الحديث عن دولة المؤسسات والقانون والتداول السلمي للسلطة ليس فقط لان الصحافة والاعلام سلطة رابعة تحتفظ باستقلال ومكانة خاصة بل ولأن الحكومات في الدولة الديمقراطية تتغير فيما المؤسسة الاعلامية للدولة باقية، لكن، في غالب الاحيان تحاول الحكومات، حتى في الدول الديمقراطية العريقة، ان تتسلل عبر هذه المسافة لتقضم من سيادة الاعلام، وسِجل مؤسسة البي بي سي وعلاقتها بالحكومات البريطانية المتعاقبة، مثلا، زاخر بالمشاكل والاختراقات، والشكاوى.

في هذا الملف الكثير من الصراعات والتجاذبات، إذ يتشكى اعلام الدولة من ضغوط او املاءات تمارسها الحكومات عليه، فيما تمكنت دول ديمقراطية عديدة من ضبط هذا الصراع وسد ابواب الشكوى والتجاوز بتشكيل مجالس ادارة مستقلة من كبار الاعلاميين المشهود لهم بالمهنية والنظرة المستقلة ومن خبراء ودبلوماسيين ورؤساء تحرير سابقين وتكنوقراط وممثلي الاحزاب الحاكمة والمعارضة، وبصلاحيات وآليات وضوابط تحول دون تدخل الحكومة في تفاصيل الخدمة الاعلامية واتجاهاتها، وذلك ضمانا لحياديتها وسلامة إدائها.

فما هو حال الاعلام التابع للدولة لدينا؟

حتى نقترب من هذه الصورة علينا ان نفتح الملف من ثلاث زوايا، الاولى، حداثة تجربة الاعلام الاحترافي المتوازن والقادر على بناء اعلام جديد وضعف وعي عناصر المهنية الاعلامية من العاملين والمسؤولين على حد سواء، والثانية، طبيعة مرحلة الانتقال التي يمر بها العراق من حيث التداخل بين الخيارات ودوامات العنف والاستقطاب الطائفي والتحديات واضطراب المعايير وتفاوت استيعاب موجبات دولة المؤسسات، والثالثة، ضعف فاعلية الجمهور في تصويب مسار الاعلام.

على ان تعاقب اربع حكومات وثلاثة مراجع للتشريع واربعة تجارب انتخابية في غضون اقل من ست سنوات، ساعد في اطالة يد مراكز الحكومات على اعلام الدولة واخضاعه لمشيئة “رئيس السلطة” وإن بنسب متفاوتة، وكانت الانتخابات في كل مرة تكشف عن هيمنة المركز الحكومي على شبكة الاعلام التي يفترض انها تابعة للدولة ، وقد عبرت هذه الهيمنة عن نفسها بربط الدعم المالي لهذا الاغلام بضمان الولاء لرأس الحكومة، وتعيين الاكثر استعدادا للولاء و(احيانا)الاقل مهنية على راس المؤسسة الاعلامية، وهذا يفسر السبب في كثرة المسؤولين الاعلاميين الذين تركوا المؤسسة، وكثرة الذين حلوا محلهم، مثلما يفسر سبب تضخم جيش وميزانية هذه المؤسسة.

ان انتخابات مجالس المحافظات التي يجري التحضير لها تعيد فرضية استقلال اعلام الدولة الى دائرة الضوء.. اعني الى دائرة الشكوى، فما هو المبرر، وما هو غير المبرر لهذه الشكوى؟.

من زاوية، لا يبدو الامر سهلا ان يقوم إعلام خرج توّا من تأثير مرحلة مظلمة بوظيفة اعلام دولة بالمعنى العصري لهذه الوظيفة، ومن هذه الزاوية يمكن ان نحشد الكثير من المعطيات عن مساعي الحكومات المتعاقبة لمنع تبلور إعلام دولة مستقل، وقد تظهر هذه المساعي بشكل فاقع عشية كل سباق انتخابي تنخرط فيه العملية السياسية في العراق، وببن ايدينا جملة تعديات (بعضها غير متداول) لرؤساء حكومات على سيادة السلطة الرابعة ومحاولات تدجينها، او توظيفها في خدمة حملتهم الانتخابية.
على مسؤوليتي اشير الى ان موقف اعلام الدولة (حاليا) من التنافس في انتخابات مجالس المحافظات يتسم بقدر معين من الانضباط والحذر والنأي عن الدعاية المباشرة لاصحاب القرار السياسي، واضيف، ان الاداء الاعلامي لاقنية الدولة يسجل الان رصيدا طيبا في عدم الانحياز لكابينة الحكومة اذا ما وضعنا تجارب السنوات الست الماضية مقياسا، ومثلا للمقارنة، ولا ازعم انها الحيدة المهنية المطلوبة، فان هذه الحيدة تحتاج الى العديد من العناصر وتتجسد اخيرا في الفرص المتساوية التي ينبغي ان تتيسر للفرقاء المتنافسين للوصول الى الجمهور عبر اقنية الدولة.
وإذ يُحرم على جميع المرشحين استخدام دوائر الدولة وابنيتها واقنيتها في الحملة الانتخابية تحت طائلة القانون، فان هذا وفرّ رادعا قانونيا يحول دون استخدام اعلام الدولة بالدعاية لمرشحي قوائم قريبة من الحكومة او من سلطة القرار فيها، وحرمان القوائم الاخرى منها، وحسب متابعات نشرت، فان اكثر من خرق جرى لهذا الالتزام (وكنت احد الذين سجلوا وقائعه لصالح مرصد يراقب سلامة الانتخابات) وان جهات معنية تحقق في شكاوى هنا وهناك من تجاوزات اعلامية لمراكز نفوذ، فيما عبر موظفون في اقنية اعلام الدولة عن عزمهم على احترام الهوية المستقلة والمتوازنة لهذا الاعلام.
من جهة اخرى، فان المتنافسين في انتخابات مجالس المحافظات ينالون فرصا مفتوحة لترويج شعاراتهم وبرامجهم الانتخابية، عبر الاعلام الحر او عبر وسائلهم الاعلامية او عبر اشكال الاتصال بالجمهور، وهذا بحد ذاته يقلل من الضغط على اعلام الدولة، وربما يقلل الحاجة له من جهة، وينهي احتكار الدعاية الانتخابية لاي طرف من الاطراف بما فيها سلطة القرار الحكومي من جهة اخرى، واحسب ان هذا التطور سيكون، في نهاية المطاف، في صالح بناء اعلام دولة عصري، وسيفتح الطريق نحو اعادة هيكلة هذا الاعلام وترشيقه وتأهيله مهنيا ووظيفيا لكي ينهض بمهامه المعرفيةوالتنويرية، فوق ان يكون اعلاما للشعب وليس لفئة من فئاته.. تعالوا نتفاءل قليلا.

ــــــــــــــــــ
كلام مفيد:

“للنهر عقاب واحد لا يمارسه دائما، هو إغراق الذين يدخلونه قبل ان يتعلموا السباحة”.

حكمة برازيلية