الرئيسية » مقالات » في معركة انتخابية قبل أربعة عقود

في معركة انتخابية قبل أربعة عقود

في زحمة النشاطات الانتخابية الراهنة اليوم، في العراق الجديد، مع كل ما عليها، وحولها من ملاحظات وانتقاصات وانتقادات، عادت بي الذاكرة إلى أربعة عقود سالفة، وإلى خريف العام 1969 تحديداً، حين جرت الانتخابات الطلابية في كليات ومعاهد وثانويات البلاد، في أول تحدٍ جماهيري مباشر، وصريح، لسلطة حزب البعث الثانية، وأجهزتها التي سميت زوراً باتحادات ونقابات وما إلى ذلك من تعابير…

… قيادة اتحاد الطلبة العام، بدعم من تنظيمات سياسية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي، تقرر خوض الانتخابات برغم اجتهادات بالمقاطعة لانتشار العنف والعسف، المغلفين إلى حدود كبيرة، إذ لم يكشر الحاكمون عن أنيابهم بعد… وقد كان الهدف الرئيس من خوض المعركة الانتخابية: زج الجماهير الطلابية في ممارسة حقوقها، وتحدي جلاوزة وموظفي وأرباب وأنصار النظام… وهكذا اذن يبدأ التحضير، وتنطلق الترتيبات المحددة، أو المقترحة، بل وحتى التلقائية غير المبرمجة: جهود للتثقيف بجدوى المشاركة، وأخرى لمناقشة المعترضين من أعضاء الاتحاد عليها، وثالثة لكسب الطلبة غير المسيسين او المترددين، بل وحتى الخائفين من السلطة الحاكمة، المجربة في قمعها ودمويتها، خاصة ولم يكن قد مرّ على عهد البعث الأول سوى ما يزيد قليلاً على ستة أعوام، بعد انقلاب الثامن من شباط 1963 الفاشي، الأسود.

… تجري اختيارات أولية للمرشحين، بل وحتى شبه استفتاءات داخلية، في تنظيمنا الطلابي، الحزبي، والديمقراطي… ثم يغدو الأمر قراراً، وأدخل قائمة مرشحي الاتحاد، وأنصاره، والمتحالفين معه، لانتخابات اللجنة الطلابية لمعهد الهندسة في جامعة بغداد، إلى جانب خمسة مرشحين آخرين من بينهم حماد الخطيب وجاسم هداد، لنصبح ستة، اثنين عن كل مرحلة دراسية… ويبدأ العد التنازلي لموعد الانتخابات، فيزداد العمل: لقاءات واجتماعات وتحضيرات وندوات، علنية وسرية وما بينهما… ثم لافتات، وحلوى مغلفة بالشعارات، وبيانات ومنشورات دعائية، وغيرها، إلى جانب النشاطات ذات الصلة بفضح الانتهاكات، ومحاولات الاستئثار، والتهديد والوعيد التي يمارسها أنصار السلطة واتحادها “الوطني”… وتأتي المفاجئة:

ناظم كزار، الجلاد الأبرز، عضو القيادة البعثية، مدير الأمن العام، اللواء في الجيش، يتردد على معهدنا بشكل مكثف باعتباره طالباً!! بل ويشاع بأنه سيدخل “مرشحاً” في القائمة المنافسة، قائمة السلطة، ولكم أن تقدروا كيف سيكون تأثير ذلك على طالبات وطلاب المعهد، قبيل موعد الانتخابات، وأثناءها، وما بعدها….

… على أية حال تستمر النشاطات، بل وتحتدم، فالتحدي قادم، وبات أحلى مع اقتراب التاريخ المحدد، وازدياد أعمال التهديد والوعيد والضرب والاعتداء والاعتقالات وغيرها من ممارسات “ديمقراطية” بعثية معروفة… ومع كل ذلك، ومواجهة له، يشارك جمهور غير قليل في التصويت لقائمة الاتحاد والشيوعيين، في معهدنا والمعاهد الأخرى، والكليات والثانويات… ويفوز أنصار السلطة كما هو متوقع عبر التزوير والقمع والملاحقة، وترفض قيادة اتحاد الطلاب العالمي الاعتراف بالنتائج بعد مجيء لجنة لتقصي الحقائق من براغ إلى بغداد، والاطلاع بشكل مباشر حتى على ضحايا “الأجواء الديمقراطية” الاستثنائية لسلطة بعث العراق.

… ولكن، وكما كان مرجواً، ومطلوباً، تحققت العديد من الأهداف التي لم يكن هدف الفوز بالانتخابات محسوماً فيها، ومنها: التثقيف والتعريف بأهمية الممارسات الانتخابية، التحريض على مجابهة ومواجهة المزورين، توسيع القاعدة الشعبية لتشكيلات وتنظيمات الاتحاد وتمرينها لمعارك ديمقراطية لاحقة، زيادة الوعي بأهمية دور الجماهير، رفض القبول بالأمر الواقع والمساومة والاذعان… ترى ما أحوج شعبنا وتنظيماته وقواه الوطنية لمثل تلكم الأهداف في هذه الأيام، ونحن على أعتاب جولة جديدة وشيكة من جولات امتحان الجماهير لقدراتها…