الرئيسية » مقالات » غزة و حصان طروادة الخفي

غزة و حصان طروادة الخفي

ليس هناك خلاف على أن العدوان الإسرائيلي على غزة جريمة قاسية بحق الإنسانية , وهي عمل مرفوض , لا تقبل به الشرائع السماوية والوضعية ,مهما قدموا من ذرائع ومبررات , ومع ذلك لن أدين ولن أندد ولن استنكر هذا العدوان الغاشم , بل اترك شرف هذه المهمة الجهادية – النضالية للعرب , كونهم أصحاب خبرة تاريخية مشرفة في مثل هذه الميادين , إذ ليس هناك من هو امهر منهم , في إظهار زبد النخوة ألفاظا حامية تندلق نفاقا من شفاههم كالبعير ساعة الهياج .
عرب ما برحوا يجاهدون تنديدا من النكبة إلى النكسة إلى محرقة غزة , وهم يضربون المثل في الإقدام والشجاعة على ابتكار ألفاظ نضالية جديدة, أمام كل عدوان إسرائيلي جديد , ألفاظ تفتح شهية إسرائيل على ارتكاب مزيدا من المذابح وعمليات التدمير , يتشدقون بالعروبة نسبا وبالإسلام إيمانا , وفي ساعة الامتحان يكتفون بأضعف الإيمان فيجاهدون بألسنتهم الطويلة , التي مهما زعقت فلن تنجح في إنقاذ طفل فلسطيني من الفوسفور الأسود أو الأبيض .
عرب عاربة ومستعربة , أحفاد قحطان وعدنان وبطيحان , يغطون الخيانة والخنوع والخوف على عروشهم , بتجييش المظاهرات وتسيير الإعانات وتجميع التبرعات , وفتح معارك ضارية مع الصهيونية العالمية والامبريالية , ولكن على شاشة التلفزة , كل يدمر إسرائيل ثلاث مرات في اليوم من جحره الآمن الأمين .
باعوا غزة كما أسلافهم باعوا فلسطين ،، أبناء الـ … ولم يستثني منهم النواب أحدا ،، يقتلون القتيل ويمشون في جنازته , غزة لا تحتاج أغذيتهم ولا أشربتهم ولا أدويتهم ولا بترولهم ولا أموالهم ولا زعيقهم المخنث ولا جيوشهم المشغولة بخفارة القصور الجمهورية والملكية ,بل تحتاج إلى توقفهم عن التآمر على الشعب الفلسطيني والمتاجرة به في البورصات الإقليمية والدولية , حيث لكل مجاهد عربي او حاكم عربي زبون جاهز مستعد أن يشتري منه الدم والتراب الفلسطيني , أقول لهولاء كفوا أياديكم القذرة عن غزة ولسوف تكون بألف خير .
في محرقة غزة ليس لعروبي ان يزاود على عروبي آخر , الجميع شركاء في الجريمة , كل عشيرة تواطأت بطريقتها الخاصة وفق مصالح شيخها , تاريخ يعيد نفسه بالأمس كانت غسان عاملا للروم ولخم خادمة للفرس , مهما فعلوا تظل أذنابهم معوجة لا تستقيم , أتباع أذلاء للسيد الإقليمي او الدولي , طوائف تتسابق على تقديم فروض الطاعة لهذا وذاك , بعضهم يلعق بلاط البيت الأبيض حتى تمتنع واشنطن عن إشاعة الديمقراطية في بلدانهم , وبعضهم تحولوا إلى حرس خاص للأمن القومي الإيراني حتى يحمي الإمام عروشهم , وبعضهم يتسول على أبواب أنقرة حتى تقنع إسرائيل بعدم التطرف في إحراجهم أمام شعوبهم , نهارا يبكون غزة وليلا يباركون الحسناء ت . ليفني على أدائها السياسي , احسد إسرائيل على هذه المرأة التي تمتلك من الشجاعة ما تضاهي بها شجاعة حكام العرب مجتمعة ,وهي تتحدى العالم بصرامة تفعل أكثر مما تقول .
غزة ضحية مغدورة ضاع دمها بين القبائل , هي محرقة دبرها أبناء يعرب بتناغم مع أسيادهم الإقليميين والدوليين وحلفائهم الإسرائيليين , حيث التقت مصالح قوى الاعتدال العربي – الفلسطيني مع قوى التطرف والعنف العربي- الفلسطيني , على إشعال محرقة غزة , كمعركة حاسمة لا بد منها , قبل ان تدخل المنطقة مرحلة جديدة مع قدوم الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة رئيس مختلف عن بقية الرؤساء السابقين ,لا احد متأكد من توجهاته وسياساته , لذلك أراد كل فريق عربي ان يكسر عظام الفريق الآخر ليظهر قوته أمام الرئيس اوباما, حتى يقنعه بأنه صاحب القرار في قضايا المنطقة, أكثر من الفريق المنافس له , كان المفروض ان تجري حرب داحس والغبراء في لبنان , ولكن لظروف معينة تقرر نقل المباراة إلى غزة , خاصة ان الفريق الإسرائيلي يعرف الملعب الفلسطيني جيدا ,مما يساعده على كسب المباراة أكثر مما لو خاضها ضد حزب الله في لبنان , ولسؤ حظ أهل غزة أنهم انخدعوا بحصان طروادي ادخلوه إلى قطاعهم , لاعتقادهم انه جاءهم هدية من السماء , ولم يعلموا انه لم يأتي من الله بل من إيران , كي يكون قلعة متقدمة لها في قلب العالم العربي, حتى تكون أكثر قدرة على منافسة إسرائيل في السيطرة على المشرق العربي , لقد وضع الإيرانيون في كل بلد عربي حصان طروادة خاص بهم , وكان حصانهم في فلسطين هو حركة حماس , التي اتبعت منهج الحزب الشيعي تاريخيا في الدعوة إلى الانضمام إليه من خلال الضرب على الوتر العاطفي لدى الإنسان , قدمت حماس نفسها للفلسطينيين ,كحركة جهاد ضد الاحتلال الإسرائيلي, وهذه دعوة حق , وتبنت المقاومة المسلحة لتعطي دعواها المصداقية المطلوبة , ثم أقدمت على الانقلاب على السلطة الفلسطينية الشرعية , بهدف الإجهاز على كل ما تم التوصل إليه من اتفاقيات وتفاهمات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية ,منذ مؤتمر مدريد وحتى قبيل العدوان الإسرائيلي على غزة , ليعود الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني إلى نقطة الصفر , ومثل هذه الأجندة لا تخدم مصلحة الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة , التي كانت تحظى بدعم دولي واسع حتى من اشد الأطراف المتحالفة مع إسرائيل , ولو ان حماس كانت تعمل من اجل القضية الفلسطينية ما كانت تقف عقبة أمام مفاوضات السلام ,ولا كانت تعطي الذرائع لإسرائيل حتى تتهرب من هذه الاستحقاقات , بحجة صواريخ حماس التي لا تشكل تهديد حقيقي لأمن إسرائيل حتى تجبرها على الانصياع لشروط حماس , بل هذه الصواريخ هي مجرد تكتيك أيراني ذكي , بهدف أضعاف العرب أكثر مما هم عليهم من حالات الضعف, وكذلك إضعاف إسرائيل وإرهاق أمريكا , كي تنفرد وحدها بالوليمة وتبتلع المنطقة بمفردها اعتمادا على أحصنتها الطروادية المزروعة في أنحاء البلدان العربية .
ما يجري في غزة هو صراع بين ثلاث قوى إقليمية تطمع بالسيطرة على المنطقة , إيران وتركيا وإسرائيل, طبعا إيران هي التي تذكي نار الصراع , لأنها في جميع الأحوال ستكون المستفيد الوحيد من محرقة غزة , فالطرف العربي مع اليوم الأول من ضرب غزة عاد إلى التمزق والانشقاق بعد ان شهد شهر عسل قصير عقب التوافق على حل ناقص للازمة اللبنانية , وكلما تناطح العرب كلما تسلل النفوذ الإيراني أكثر , والطرف الإسرائيلي سوف يخرج من عدوانه منهك القوى سياسيا وعسكريا وماليا , والجانب التركي نتيجة موقفه الانتهازي سوف يفقد الدعم الغربي عقابا لحكومة اردوغان التي أظهرت تعاطفا سياسيا مع غزة ضد إسرائيل , بينما إيران في محرقة غزة لم تخسر طلقة او جندي او ورقة من أوراقها السياسة, اللهم سوى بضعة دولارات تعود بالنفع عليها .
فمتى يدرك الشعب الفلسطيني والإسرائيلي والعربي عبثية هذه الحرب , حتى يتمرد على حكوماته, ويخرج مطالبا بإيقاف هذه الجريمة البشعة , على أبناء غزة التصدي لإسرائيل وكذلك وضع حد لحركة حماس, وعلى الشعب الإسرائيلي التصدي لحكومته الدموية, وعلى الشعوب العربية التصدي لحكوماتها حتى تكف عن خدمة زبائنها الإقليميين والدوليين , فالخطر الإيراني على الأبواب, والغرب عاجز عن المواجهة .