الرئيسية » مقالات » القوش انتعاش السياسة وخمول السياحة

القوش انتعاش السياسة وخمول السياحة

القوش هي هي لم تتغير عبر السنين والعقود والقرون ، الأرض هي نفسها والسكان هم في الدائرة شبه الثابتة من حيث العدد ، وأقول هذا قياساً لمدن وبلدات شعبنا ، في حين كان توسعها العمراني والسكاني اضعاف ما كانت عليه خلال بضعة عقود خلت . وقد تكون عنكاوا خير مثال على ذلك وتلسقف ايضاً مثال آخر على هذه الفرضية .
إن القوش تضاعف سكانها لكنهم آثروا الهجرة بعيداً ، واليوم عادت اعداد من هؤلاء من مدن العراق التي طالها العنف والأرهاب ، فكان توسعها المؤقت ، لكن بعد عودة الأستقرار الى المدن فإن الألاقشة متلهفون للعودة الى تلك المدن لاسيما بغداد . ومن ينتابه اليأس والقنوط من الأوضاع في العراق يصمم على الرحيل والهجرة بعيداً عبر البحار والمسافات منشداً العيش الرغيد والأستقرار الآمن .

الهجرة من القوش في الأيام الخوالي كان في الأغلب لاسباب معيشية حيث ان الزراعة كانت الباب الرئيسي للمعيشة ، وحينما كانت الزراعة تفتقر الى المكننة الحديثة كانت الزراعة مجالاً لتشغيل سواعد كثيرة ، إلا ان هيمنة المكننة في الأعمال الزراعية كانت العامل في الأستغناء عن تلك السواعد حيث دفعت الى اعداد كبيرة منها الى خانة البطالة ، وهكذا كانت الهجرة الى المدينة . احد الأصدقاء في بغداد كان يزاول التجارة في بغداد ويتوجه الى القوش لبضعة ايام في موسمين زراعيين : الأول بضعة ايام في الشتاء لزرع الأراضي التي يمكلها في القوش ، والثاني في موسم الصيف حيث يؤجر ( الدراسة ) لبضعة ايام لحصاد محصوله من الحنطة والشعير ومن ثم بيعه .
وهكذا بقيت القوش دون زيادة محسوسة في التوسع العمراني او التكاثر السكاني ، حيث انها تتفرغ من الأيدي العاملة ركضاً وراء لقمة العيش .
دأب الألاقشة الى التدخل في السياسة ، ويبدو ان الأهمال والتهميش ، ومن ثم الظلم والطغيان الذي يصيبهم في مختلف العصور تأسست لديهم روح المعارضة للحكومات المتعاقبة ، وهكذا كان شغفهم بالسياسة ليس الدخول في السلك الحكومي او مناصرة الخطاب السياسي للحكومات إنما كان معارضة تلك السياسات والوقوف الى جانب المعارضة في اغلب الأوقات . وهكذا كان انتمائهم للاحزاب المعارضة للدولة او بالأحرى المناوئة لها ، وكان يقف في مقدمة تلك القوى الحزب الشيوعي العراقي الذي كان يحظى بتأييد كبير في اوساط واسعة في القوش .

وهكذا كانت مزاولتهم للسياسة من باب المعارضة في اكثر الأحيان ، وحينما اعلنت الثورة الكردية في اوائل العقد السابع من القرن الماضي كانت شريحة كبيرة من ابناء القوش متطوعين في صفوف هذه الثورة ، فكانت القوش من المدن العراقية المغضوب عليها من قبل الحكومة وطالها التهميش والأهمال ، بعد ملاحقة ابناءها وإيداعهم السجون ، ناهيك عن المضايقات والإهانات التي كان يتعرض اهلها من قبل القوات الحكومية التي كانت متمركزة كنقطة سيطرة بالقرب من المدينة .
بعد نيسان 2003 شهدت القوش مرحلة علنية من الأنتماء السياسي وتناكفت الأحزاب لتأسيس مقرات لها ، وكل حزب يحاول كسب ود هذه المدينة ، وفي هذا الصدد ازعم ان الألاقشة علقوا الأمال الكبيرة في هذه الأحزاب ، لكن بقي الجانب المعيشي يفتقر الى الحلول الجذرية ، فالمشاريع العمرانية التي انشأت من قبل الأستاذ سركيس آغا جان كالأديرة والمطرانخانة لم يكن لها تأثير ملموس لجهة توفير فرص عمل دائمة ، وإن الوظائف المتوفرة كالشرطة والحراسة والأسايش ، ليست متوفرة لجميع من يعانون من البطالة .
كما ان الزراعة لم تعدد تتطلب المزيد من الأيدي العاملة ، وهكذا يبقى امام الألاقشة ايجاد بدائل ، وثمة اتفاق على اهمية استغلال الجانب السياحي لالقوش ، إذ بعد ان كتبت عن مرقد النبي ناحوم الألقوشي ، قرأت تعليقات على الموضوع ووصلتني رسائل الكترونية من مختلف الأماكن لا سيما من اميركا ، تقول بضرورة استغلال الجانب السياحي لهذه البلدة العريقة لبلاد ما بين النهرين .
عن القوش المدينة ذكر احد الزملاء وهو لا يريد ان اذكر اسمه بأن القوش القديمة ينبغي ان تستغل كمواقع سياحية وهو وزميل آخر لا يؤيدان اعادة بناء مرقد النبي ناحوم إنما صيانة المبنى وإبقائه على ما هو عليه وأنا اؤيد هذه الفكرة بأن يبقى المبنى كما هو وفق دراسة يقدمها ذوي الأختصاص من المهندسين وغيرهم بمثل هذه البنايات التراثية .

إذا بقينا في القوش القديمة فإن تلك الأزقة والقناطر وتلك البيوت القديمة يمكن استغلالها سياحياً بعد تحولها الى اماكن صالحة للسكن والى مطاعم ومخازن وكازينوات .
لقد سافرت في الصيف الماضي الى البرتغال في سفرة سياحية ، ورأيت أزقة ودرابين ضيقة قد رصفت بقطع من الأحجار الصغيرة بشكل هندسي جميل وتلك البيوت حولت الى مرافق سياحية ، وإن الكثير من المدن في تلك البلاد يعيشون من السياحة مستغلين تلك البنايات القديمة بعد صيانتها والأحتفاظ بهياكلها صامدة مع الزمن لتدر عليهم ثروات هائلة .
في القوش مواقع سياحية رائعة ، فالسائح يمكنه التوجه الى دير السيدة الفسيح والقضاء بضعة ليال فيه او في دير الربان هرمز التاريخي ، حيث تنتشر مئات الكهوف الغائرة في القدم التي نقرها البشر بفؤوسهم ، وهنالك مقابر البطاركة والكتابات الكلدانية المحفورة على الصخور ، ومرقد الربان هرمز والنفق الجبلي الذي يؤدي الى صومعته ، هنالك دهاليز وممرات تحكي قصة الزمن ، والوهدة المترامية امامك حيث يتلوى الطريق نحو فتحتها لينبسط امام سهل القوش الفسيح . وفي الصباحات الباكرة تتعالى زقزقة العصافير وتتراقص مع نسيمات الهواء العليل .
الى الشمال من محلة سينا أي في الشمال الغربي لالقوش وفي صدر الجبل يتراءى امامك كهف الماء ( كَبّا دمايا ) ، وتبدو على الصخور آثار الفعل الأنساني والتقليد المحلي يفيد بأنه كان معبداً قديماً . في هذا الكهف ينضح من بين الصخور الماء الصافي ومن هذا المنهل اكتسب الكهف اسمه ، ومن شدة نقاوة الماء في هذا الموضع كانت امهاتنا تتوجه اليه لجلب الماء لتخدير الشاي .
في نفس السياق نتوجه الى بيندوايا القرية الواقعة الى غرب القوش بحدود 6 كم ، حيث الماء الوفير ، والمسابح الطبيعية ، إن هذه القرية تحتاج تطوير بشكل مدروس ويمكن استثمارها سياحياً بشكل ناجح . اليوم تنتشر في هذه القرية بعض الكازينوات ، ولم يحالفني الحظ بزيارتها ، لكن كانت ثمة شكاوي من انعدام النظافة ، ومن تصرفات عبثية لا مسؤولة برمي القطع الزجاجية المكسورة في المياه .
إن كثير من الآلاقشة يعولون كثيراً على ما يدر عليهم الأنخراط في الأحزاب السياسية ، وهذه حالة مشروعة لا غبار عليها ، لكن تبقى صناعة السياحة ، كما يقال زراعة دائمة او نفط دائم ، او صناعة لا تبور ، وهذا ما نشاهده في دول اوروبية عديدة التي تعول كثيراً على هذا الكنز الدائمي الا وهو السياحة .
إن ابناء القوش يمكن ان يكونوا سفراء لهذه البلدة في بلاد المهجر ، ليروجوا لزيارة هذه البلدة ، إنها القوش بأزقتها ومبانيها القديمة ووديانها وجبلها العتيد وكهوفها ، وادريتها وكنائسها كل هذه المعالم تختزل احداث قرون وقرون من الزمن قد مرت هذه على هذه المدينة وهي بانتظار الأيادي الكريمة التي تنتشلها من عالم النسيان والتهميش الى عالم السياحة والزراعة والأعمال الحرة لكي تستمر بالحيوية والنشاط عبر قادمات الأزمان .

حبيب تومي / اوسلو