الرئيسية » مقالات » أنظمة رأسمالية الدولة البيروقراطية : مقاربة

أنظمة رأسمالية الدولة البيروقراطية : مقاربة

تمثل حالة الحبيب بورقيبة مثالا صارخا و كوميديا عن قاعدة الولاء لرأس النظام سواء داخل البيروقراطية الحاكمة أو في محاولة تكريس كل أجهزة الإعلام المملوكة للسلطة مباشرة أو الخاضعة لسلطتها المطلقة في كل الأحوال لمهمة تمجيد رأس النظام..كان الديكتاتور قد اهترئ جسديا و عقليا بحكم الزمن دون أن تتجاسر الحلقة الأعلى في التراتبية الهرمية البيروقراطية ( الحاشية و العائلة ) , التي كانت تستبيح البلد باسم الديكتاتور , على استبداله , طبعا كان هذا استجابة لمصلحة تلك الحلقة الحاكمة..كان على الجميع أن ينتظروا مغامرا من ذات الحلقة , زين العابدين , ليحقق “التغيير” في رأس السلطة أخيرا بعد أن أصبح التغيير سهلا و ضروريا بسبب الحالة المزرية جدا للديكتاتور , كانت السلطة الفعلية قد انتقلت منذ وقت طويل إلى الزوجة و بعض المقربين الذين تمكنوا من إطالة فترة حكمهم لفترة أطول من المنطقي و المقبول استنادا إلى صورة الديكتاتور الذي كان قد تحول إلى مجرد خيال منذ وقت طويل..كان الوضع مختلفا في سوريا بعض الشيء , كانت حالة الأسد الأب أيضا قد تردت بشكل كبير في أواخر حياته بحيث كان من الصعب على الديكتاتور المريض المتقدم في السن أن يمارس أكثر من إشراف عام على أداء من اختاره لخلافته : ابنه بشار , هنا كان هناك عامل مختلف هو وجود باسل و بشار و ماهر و بشرى أولاد الديكتاتور , فمع التزايد المتصاعد في الطابع الفردي للنظام , و مركزية دور رأس النظام و حلقة محدودة جدا من المقربين ( خدام , طلاس , الشهابي الخ ) تقوم على الولاء الكامل للديكتاتور كأساس لسيطرتها كمجموعة على البلد , كان التوريث نتيجة منطقية , هذه هي النتيجة التي انتهت إليها عمليا كل أنظمة رأسمالية الدولة البيروقراطية , مبارك في مصر , القذافي في ليبيا , صدام في العراق , صالح في اليمن , في أماكن أخرى ( تونس , الجزائر ) يعاد إنتاج حكم رأس النظام باستمرار وفق ذات القاعدة تقريبا , عدل “الدستور” مؤخرا في الجزائر لتمرير التجديد الثالث لبوتفليقة , بطريقة تذكر بأول اجتماع لمجلس “الشعب” السوري بعد وفاة الأسد الأب لتعديل شروط “الرئيس” المقبل لتناسب مقاس الأسد الابن..أما في مصر فتجري محاولة لتمرير توريث جمال مبارك المنطقي فقط وفقا للمنطق الداخلي لنظام فردي بيروقراطي بمحاولة إعطائها مبررات أبعد من مجرد نتيجة منطقية لمركزة سلطة بيروقراطية بالترويج لعملية “إصلاح و تطوير” مزعومة , تماما كما فعل الأسد الابن عندما أطلق ربيع دمشق ليغطي على عملية التوريث و ليعمي الأنظار عن هذه الخطوة التي كرست مؤسسة العائلة – الحاشية المقربة على أنها هي المؤسسة الحاكمة بالفعل , في سوريا انتقل نفوذ كل عضو في الحاشية المقربة – ممن احتفظ بعضويته في الحاشية المقربة – إلى ابنه , أو من اختاره من أبنائه ليكون وريثه هو أيضا , فحل ابن طلاس مثلا مكان والده , هذا أيضا كان ينطبق على أولاد خدام قبل أن ينشق عن النظام , في إعادة إنتاج للطغمة الحاكمة من جديد , لسبب واحد فقط هو تقدم الآباء في العمر , كان لهذا الانتقال جانبه المؤلم , فقد كان على بشار أن يقدم كبش فداء ما لحملته المزعومة على الفساد , و كان هذه الضحية هو الزعبي رئيس وزراء سوريا الأسبق , كان الدرس السوري مفيدا للحرس القديم المحيط بحسني مبارك , فليس الزعبي فقط من تمت التضحية به , بل حتى الشهابي الرجل العسكري القوي كان من الضحايا الأوائل , التي امتدت قائمتهم لتشمل عمليا كل قادة أجهزة الأمن , و أخيرا رجل مثل خدام الذي كان سياسيا الرجل الثاني في النظام , رغم أن بشار قد عمل إما على إرضاء بعض من تبقى أو تكميم أفواه البعض الآخر , هذا ما قد يبرر المعارضة المتنامية لتوريث مبارك من داخل الحاشية المقربة من مبارك الأب..هذا الصراع داخل الحلقة الضيقة الحاكمة ربما أضعف النظام نسبيا لكن كان لا بد منه بسبب ضرورات إعادة إنتاج بنية النظام و إعادة تحديد أفراد الحاشية المقربة , و مهام و أدوار أفراد العائلة الحاكمة..شاهدنا صراعات مشابهة في فترة استكمال صيغة الأنظمة العسكرية تحديدا , في العراق و سوريا , بين رفعت و أخيه الأسد الأب و بين صدام و أصهاره مثلا..يلفت الانتباه هنا الدور الهام الذي يلعبه مسؤولو الإعلام في النظام , رغم أنهم يتغيرون باستمرار في الحالة السورية – عدنان عمران ثم محسن بلال , و رغم ثباتهم في الحالة المصرية – صفوت الشريف , في بنية النظام و ترتيب أفراده وفقا للأهمية و القرب من رأس النظام , هذا منطقي إذا تذكرنا الدور المركزي للإعلام في تنفيذ” سياسة النظام أي الدفاع عنه و شتم خصومه و تجريم أية معارضة..”التوريث” في الأنظمة الملكية أكثر سلاسة بالطبع , رغم أنه يفترض أيضا أن يترافق ببعض “التغييرات” المزعومة , لإعادة إنتاج مظهر السلطة من جديد , إضافة بعض الزخم لصورة رأس النظام القادم , و أخيرا استجابة لعوامل شخصية ترتبط بشخصية و مزاج رأس النظام الجديد و إرضاء لغروره , رغم أن الأنظمة الملكية أو الأميرية العربية تقوم على توزيع محسوب للسلطة و للثروة بين أجنحة و أفراد العائلة المالكة , تم التوصل إليه عبر صراعات سابقة , و أن هذا التوزيع أكثر ثباتا منه في الأنظمة ذات الشكل الجمهوري..هناك أيضا دور آخر في كل عائلة حاكمة هام للغاية هو دور رجل الأعمال البزنس القادم من السلطة و الذي يمارس البزنس باسمها , الوليد بن طلال , مخلوف في سوريا , أحمد عز و طلعت مصطفى في مصر , و بعض أفراد العوائل الحاكمة في الإمارات و قطر و غيرها ( هنا كما في حالة الوليد بن طلال المقصود هو الأسواق و البورصات العالمية على عكس الاهتمام المحلي في حالة الدول الأقل ثراءا ) , هذا الدور زادت أهميته مع تعميم السياسات النيو ليبرالية عربيا , في سوريا مثلا اختلف نطاق عمل مخلوف عن رجال البزنس السابقين المعروفين من العائلة أو الحاشية : فواز الأسد مثلا , أو ما يمارسه اليوم أصدقاء جمال مبارك مقارنة بما فعله بالأمس أفراد عائلة السادات مثلا..لقد “تطورت” أنظمة رأسمالية الدولة البيروقراطية بالفعل , من طغم عسكرية جاءت من البرجوازية الصغيرة غالبا أو أسر حاكمة عشائرية أو قبلية , إلى شكل مافيوي لسلطة عائلية ممركزة بشدة أمنية أو لنكون أكثر تحديدا قمعية….