الرئيسية » مقالات » كلمة السر, إلى متى تبقى سراً..؟

كلمة السر, إلى متى تبقى سراً..؟

تلعب في سوق السياسة قوانين العرض والطلب أيضاً، وحرية السعر في السوق المفتوح قد تجعل من التاجر المبتدئ رجل أعمال في فترة قصيرة، أو تجرّ من قضى عمره في التجارة إلى الإفلاس بلمحة بصر.
من يعطي أكثر؟ من يوعد أكثر؟ من يتقن فن الجزر؟ من سمع ويسمع عن تدمر؟… – حماة معلّقة بسبب علقة غزة حتى إشعار آخر- … ننتظر التغيير من تحت عباءة أمير قطر… ونصلّي ونصلّي أكثر.. علّه يفتح باب القيصر..
وأنصاف الجمل هذه تذكّر بشخصٍ مسافر إلى حماة ويسأل سائق الباص:
ــ كم تبعد حماة من هنا؟ ويأتي الرد:
+ حوالي نصف ساعة.. وبعد حوالي نصف ساعة يسأل المسافر من جديد نفس السؤال، ويأتيه الرد: تبعد حماة من هنا حوالي ساعة من السفر…

في الأيام الأولى من كل عام تقوم غالبية المحلات بعرض تنزيلات على أكثر بضائعها. كل سلعة تقريباً في هذه الفترة ينزل سعرها أو يهبط، ولا تنجو منها حتى المكاتب والكتب، وحتى بعض الكتب المقدسة تباع بأسعار نهاية الموسم.. ولكل تاجر سياسته التسعيرية، وماركتينغه التسويقي – السوقي -، نفس السلع ونفس البائع ونفس المشتري.. شيء واحد يتجدد هو سياسة الماركتينغ، الإغراء، الفرصة التي يجب اقتناصها.. تجارياً وإعلامياً ما عاد هناك شيء مقدس، وصارت القيم الإنسانية التي تجمع البشر – صارت شيء لا قيمة له أمام الذوق الجيد أو الملمس المثير…

هل في هذا عهرٌ “تجاري” إن تحدثنا عن تنزيلات غزة، وزبائن غزة، وأطفال غزة.. شيء واحد يرفض بعض مناصري غزة أن نقوله، وهو أن مقدسات غزة تباع أيضاً بأسعار تشجيعية، وهناك زبائن تشتري عن طريق الانترنت، حتى الصلوات والابتهالات مسموح فيها..
بالمقابل تزداد أسعار بعض السلع في شرق أوسطنا أو أوسطهم – كل حياتنا وآخرتنا تدور حول ـ ومن أجل الوسط – ، وأولها المصداقية والثقة المتبادلة والصراحة، إنها سلعٌ كمالية وسعرها فعلاً غالي..
نوعين من الإنسان يهتم بالله، المؤمن وغير المؤمن، وأعتقد أن الاثنين لطفاء أمام الله، الخطر بالنسبة للإيمان هو الإنسان الذي يتركك ببرودة، بشيء من “العداء”..

نريد ليس فقط المعرفة، بل نريد أيضاً الحقيقة، الحقيقة التي نشكّك في صحتها والحقيقة التي نؤمن ونثق فيها..
الإيمان، الرغبة في المعرفة والاعتقاد، كلها تنبع من مصدر واحد.
كل واحد يريد أو يتوق للمعرفة، يريد معرفة العالم الذي نعيش، معرفة البشر “أبناء جنسنا”، والإنسان يريد معرفة نفسه ومصيره وليس فقط معرفة ما في العالم، وإنما معرفة عوالم أخرى يعيش فيها.. أحد العوالم يساعد على فهم العوالم الأخرى، لهذا عالم الجنة يشرح ويوضح عالم الأرض، عالم الحكايا يشير إلى عالم القصة والرواية، ما وراء الطبيعة يفسر عالم الطبيعة. وعالم العلوم – بمختلف فروعها – هو أيضاً أحد عوالمنا الذي يوضح ويعكس عوالم أخرى..
وكما أن عالم بشار الأسد مقياس لعوالم المعارضة، فإن عالم غزة يربطنا بعالم الحكومة السورية. أما العالم الذي لا يرى ما بعد – بعد حيفا إلاّ مصر، فهو اللغز الذي يحيّر عوالم الكثير من مثقفي الأمة، المدافعين عن ثوابتها ومتحولاتها..

لا تعرف آلية التوفيق بين الفسطاطين والدارين – ، خصوصاً إذا كان المرء مشرداً أصلاً ولا يملك ولا داراً واحدة، ربما يعود السبب إلى الجهل في الدين، والذي ليس بالتأكيد أنه لا يحمل غير الذنوب-..

قبل حوالي نصف سنة حاولت إعطاء رأيي حول أخبار وتخمينات، تحوم كروح الملك داوود “المقدسة” في السماء، ووصفتها بسخرية كامرأة تجلس في مقهى وتنظر للرجل المقابل لها وتقول: حضرتك بتشبه زوجي الثالث!، وما كان من الرجل إلاّ أن ردّ عليها متسائلاً: وحضرتك يا ستي كم مرة تزوجتي؟ وجاء الجواب سريعاً: مرتين..!!
وبعد حوالي نصف سنة سأحاول إعطاء رأيي حول أخبار وتخمينات، تحوم كروح الملك داوود “المقدسة” في السماء، وسأوصفها بسخرية كالرجل الذي اسمه خليل وهو يتحدث إلى أصيل من على سرير في مستشفى:
ــ أصيل إنت كنت معي يوم دخل الجيش السوري لبنان؟
+ نعم، كنت معاك.
ــ أصيل إنت كنت معي عندما سرقوا الدكان وكسروا البواب؟
+ نعم، كنت معاك.
ــ أصيل إنت كنت معي يوم اعتقلت المخابرات السورية إبني؟
+ نعم، كنت معاك.
ــ أصيل إنت كنت معي يوم اجتاح حزب الله بيروت والجبل؟
+ نعم، كنت معاك.
ــ أصيل إنت معي الآن على سرير الموت؟
+ نعم، أني معاك.
ــ أصيل إنت ما بتجيب لي الحظ..!!

لقد أخطأ اليونانيون القدماء، كما يخطئ اليوم بعض السوريين الحكماء، أنه يمكن الاغتسال بنفس المياه الجارية مرتين وحتى ثلاث مرات…

ملاحظة: تغيير الأسماء والأماكن مسموح فيه وبدون أجر حقوق التأليف.. شيء واحد ممنوع نقله هو كلمة السر……
“نملك صورة مشوّهة عن أنفسنا, كما يملك العالم صورة مشوهة أخرى عنّا”..

12 / 1 / 2009.