الرئيسية » مقالات » إلى متى تنجح إيران في سياساتها العبثية؟

إلى متى تنجح إيران في سياساتها العبثية؟

المتتبع لشؤون منطقة الشرق الأوسط وما يجري فيها من أحداث دامية منذ انتصار الثورة الإيرانية الخمينية عام 1979، يلاحظ أن إستراتيجية حكومة الملالي هي إثارة القلاقل والفوضى المدمرة في جميع دول المنطقة، ولأنها تعرف أن استمرار نظامها مرهون باستمرار الفوضى. والحق يقال، أن هؤلاء الملالي أثبتوا خبرة سياسية تفوقوا فيها حتى على مؤسس علم السياسة أنتونيو ماكيافيلي.

ولتحقيق أغراضهم، فقد بدد حكام إيران عشرات المليارات الدولارات من وارداتهم النفطية الهائلة على سباق التسلح، وتأسيس منظمات وأحزاب سياسية ومليشيات مسلحة في لبنان والعراق وفلسطين، وربما في مناطق أخرى غير معروفة بعد، إضافة إلى شرائهم الذمم لبعض وسائل الإعلام والإعلاميين للترويج لسياساتهم في المنطقة، تماماً كما كان يفعل النظام البعثي الصدامي الساقط من قبل. فلإيران طموحات قديمة للهيمنة على المنطقة منذ عهد الشاه الذي لعب دور كلب الحراسة في الخليج، واحتل الجزر العربية الإماراتية الثلاث عام 1971، لذا واصلت حكومة الملالي ذات النهج، بل وأشد عنفاً ووضوحاً، خاصة وتدفعهم في هذه الحالة أيديولوجية الإسلاموية، وتصدير الثورة الإسلامية، كما وتسعى إيران إلى طرح نفسها كزعيمة للعالم الإسلامي. ومن هنا نلاحظ الصراع الخفي (والمعلن أحياناً) بينها وبين المملكة العربية السعودية التي هي الأخرى تسعى لنفس الغرض.

لا شك لدينا مطلقاً أن لإيران دور كبير في عدم الاستقرار في المنطقة وذلك عن طريق تحريك الكيانات السياسية والمليشيات المسلحة والتي تمولها وتأتمر بأوامرها (جيش المهدي في العراق، وحزب الله في لبنان، وحماس في غزة.) وهذه الكيانات تنفذ أوامر القيادة الإيرانية كلما توفرت فرصة لحل الصراع مع إسرائيل بالوسائل السلمية. فإيران هي التي دفعت حزب الله إلى التحرش بإسرائيل عام 2006 وما نتج عن ذلك من كوارث على الشعب اللبناني، وهي الآن وراء دفع حماس في رمي “الصواريخ العبثية” على إسرائيل لمدها بالذريعة لشن هذه المحرقة البشرية على غزة والتي يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني الأعزل المختطف من قبل حماس.

فهذه الحرب كان ممكن تجنبها فيما لو توقفت حماس عن رمي الصواريخ على إسرائيل وتصرفت بحكمة ووافقت على تمديد التهدئة معها، ولكن يبدو أن حماس مهتمة بمصلحة إيران أكثر من مصلحة الشعب الفلسطيني. إذ كما لخصت وكالت رويترز للأنباء أن (إيران تسعى لإظهار نفوذ إقليمي في أزمة غزة) وأنها: “تريد أن تبعث برسالة إلى الإدارة الأمريكية الجديدة والحكومات العربية مفادها أنها قوة يعتد بها في المنطقة من خلال الدفاع عن قضية حليفتها حركة حماس في قتالها مع إسرائيل”.

فما هي أغراض إيران من هذه السياسات؟
إضافة إلى تحقيق عدم استقرار المنطقة، فقد حققت إيران بسياساتها العبثية هذه أهدافاً عديدة أخرى في صالحها وصالح حليفتها سوريا. ومن هذه الأهداف نذكر ما يلي:

1- عزل وتهميش الحكومات العربية المعتدلة التي تسعى لإيجاد الحلول السلمية الممكنة للصراع العربي- الإسرائيلي الذي استنزف كل طاقات الشعوب العربية حلال ستة عقود، وإظهار هذه الحكومات بما فيها حكومة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، كما لو أنها متواطئة مع إسرائيل وخائنة لقضايا شعوبها وخاصة للقضية الفلسطينية، وأن حماس وحزب الله هما المدافعان الحقيقيان عن حقوق شعبيهما والشعوب العربية الأخرى.

2- دغدغة مشاعر الشعوب العربية وتغذية التطرف في الشارع العربي وذلك برفع شعارات ديماغوجية حماسية متطرفة تشل العقل ودون أن تقدم أي حل حقيقي ممكن التحقيق على أرض الواقع، مثل شعار التحرير من النهر إلى البحر، بل تؤدي إلى تعقيد المشكلة وتفاقمها وتغليب العواطف والغرائز الشوارعية على العقل والمنطق والحلول العقلانية الممكنة،

3- عزل التيار العقلاني المعتدل من المثقفين العقلانيين العرب، وإظهارهم بعدم الوقوف إلى جانب ضحايا الشعب الفلسطيني، بل وحتى اتهامهم بالانحياز إلى إسرائيل وأمريكا في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، وبذلك فيمارس التيار المتطرف من هؤلاء الكتاب الإرهاب الفكري ضد كل من يختلف معهم في الأفكار والسياسات. والجدير بالذكر أن محاربة العقلانيين بلغت إلى حد ضرب مقالاتهم بالفايروس على مواقع الإنترنت كما حصل لمقال الصديق الدكتور شاكر النابلسي في إيلاف لتعرضه بالنقد إلى النظام السوري، ومقال آخر له ينتقد فيه سياسات حماس العشوائية وعلى نفس الموقع. وهذا دليل الإفلاس الفكري والأخلاقي في منع الكتاب العقلانيين الليبراليين من إيصال صوتهم إلى الجماهير.

4- حرف أنظار الشعبين، الإيراني والسوري عن معاناتهما المعيشية والأزمات الاقتصادية العميقة والتي هي بالأساس نتيجة السياسات العبثية لهاتين الحكومتين، وخاصة فيما يخص صرف الأموال الهائلة على سباق التسلح العبثي وما يحلمان به من تحقيق برنامج السلاح النووي، بدلاً من صرفها على رفع المستوى المعيشي لشعوبيهما المحرومان من ثرواتهما.

5- وبالنسبة للرئيس محمود أحمدي نجاد، فمحرقة حماس هي فرصة لإسكات معارضيه ومنافسيه في الانتخابات الرئاسية القادمة، حيث دفعوا حماس إلى هذه المحرقة ثم بقوا على التل لا يقدمون لها سوى الكلام وإلقاء اللوم على الحكومات العربية المعتدلة، بل وقالها مرشد الثورة الإسلامية علي خامنئي صراحة أنهم لا يستطيعون مساعدة حماس!!

6- وكما جاء في صحيفة الحياة اللندنية ” أما التبعة الأخرى من حرب إسرائيل، فهي أن كل دولة عربية ستعيد النظر في قدراتها الدفاعية وستسعى لتجديد ترسانتها. ولا شك في أن الميزانيات العسكرية سترتفع. فقد فاجأ استعداد إسرائيل لقتل المدنيين الرأي العام في جميع أنحاء العالم العربي. وستعمل إيران بدورها على مضاعفة جهودها لحيازة القدرة النووية بغية الردّ على أي هجوم محتمل قد تشنه إسرائيل عليها.” (من مقال: استخلاص العبر من حرب إسرائيل على غزة، الحياة، 9/1/2009).

ومن كل ما تقدم، نستنتج أن حكام إيران وسوريا ومعهم قادة حماس وحزب الله يسعون لمنع أي حل سلمي للصراع العربي- الإسرائيلي، إذ كما قال دبلوماسي غربي في هذا الخصوص: “… فإذا ما تم حل صراع حماس أو حزب الله اللبناني مع إسرائيل “ستكون هذه كارثة إستراتيجية لإيران.”

ولحد الآن، فقد نجح المتطرفون في إيران بقيادة علي خامنئي وأحمدي نجاد في تحقيق الأهداف المرجوة من سياساتهم في المنطقة. ولكن السؤال الملح الذي يطرح نفسه هو: إلى متى ستنجح إيران في هذه السياسات العبثية المدمرة؟

ولكن كما يقول المثل، أن حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، فهاهو خالد مشعل قال للأديب الفرنسي هالتر، “ان حماس لم تكن قد خططت لإدارة حرب مع اسرائيل، وكل ما أرادته هو إجراء استفزاز بسيط لا أكثر. ولم تتوقع أبدا أن يأتي ردها بهذه الضخامة.” وهذا هو نفس الخطأ الذي ارتكبه حليفه حسن نصر الله عندما قال: “لو علم حزب الله، بأن عملية أسر الجنديين الإسرائيليين، كانت ستقود إلى الدمار الذي لحق بلبنان، لما قمنا بها قطعا”. وقال: “إن قيادة الحزب لم تتوقع ولو واحداً بالمائة أن عملية الأسر ستؤدي بهذه السعة، وبهذا الحجم، لأنه بتاريخ الحروب هذا لم يحصل”، ولو علمتُ أن عملية الأسر كانت ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعاً”. (“الشرق الأوسط”، 28/8/2006).

وهذه التصريحات إن دلت على شيء فإنما تدل على غباء قيادة حزب الله من قبل، وغباء قيادة حماس اليوم، وسهولة انخداعهما وجرهما إلى الكارثة من قبل القيادتين، الإيرانية والسورية، واستهتارهما بأرواح الشعبين اللبناني والفلسطيني. فالحرب مع إسرائيل هي حرب مع أمريكا، لأن إسرائيل تعتبر بمثابة إحدى الولايات الأمريكية، وأمنها من أمن أمريكا.

والسؤال الملح هو: إلى متى ستنجح إيران في دفع مرتزقتها من أمثال خالد مشعل وحسن نصر الله في تنفيذ سياساتها على حساب مصلحة شعبيهما؟ والجواب هو: فمن التاريخ القريب، نعرف أن صدام حسين اتبع نفس السياسة العبثية التي تتبعها القيادة الإيرانية الآن، والنتائج باتت معروفة حيث انتهى صدام وحزبه ونظامه الجائر إلى مزبلة التاريخ بعد أن دفع الشعب العراقي ثمناً باهظاً، وعليه ليس من المستبعد أبداً أن ينتهي النظام الإيراني، ومعه بالطبع السوري السوري، إلى نفس المصير. فاللعب بالنار من قبل دولة من العالم الثالث مع دولة عظمى مثل أمريكا وحليفتها الإستراتيجية في المنطقة إسرائيل، لا بد وأن تنهي بكارثة على الأضعف.