الرئيسية » مقالات » حادث الحذاء.. سياسة وسايكولوجيا وحميّات

حادث الحذاء.. سياسة وسايكولوجيا وحميّات

اليوم اريد ان “اذهب الى الحج والناس راجعة” فادلو بدلوي، متأخرا، في قضية لم تطو بعد ولا يصلح اختصارها إلا بكلمة واحدة يتحاشاها اللسان، عادة، في محافل الادب والكتابة والكلام، ويسبق ذكرها العراقيون بعبارة “حشاكم” واعني كلمة (الحذاء) ذي الصلة بحادث إقدام صحفي عراقي على قذف فردتي ملبوسه على الرئيس الامريكي جورج بوش عقب انتهاء مؤتمر صحفي كان يعقده مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، إذ خرجت الكلمة من حراجة التلفظ والحشمة وانضباط المخاطبة الى جميع فضاءات(وبذاءات) اللغة، والى اوسع محافل اهل الحكم والفلسفة والراي والسياسة والخيال
والطرافة، ودخلت الى تمارين الدفاع والتبرير والتسويغ من اوسع ابوابها، والى حملة التنديد والاستنكار والتعفيف من جميع معابرها، والى تمارين التحليل والمشاوفة والتأمل من خلال صلة الحادث بحق التعبير عن الرأي من جانب، وصلته بالصراع السياسي في العراق ومشتقاته من جانب آخر، فضلا عن التداعيات وطشار المواقف التي ترتبت عليه من جانب ثالث.
وسواء خرج الحادث عن ملكية صاحبه(الصحفي العراقي) بعد ان تخاجل منه، واعتذر عنه، ويُعدّ (او يجري الاعداد) لكي يتبرأ علنا وعبر الشاشات الملونة من المدافعة عن مبرراته بوصفه تصرفا غير لائق، كطريق(او شرط) لاطلاق سراحه، ام بقي لصق صاحبه، فان هذا لن يعني شيئا، ولن يغيّر من حقيقة ان الحادث نفسه، بلحظته وتوقيته، كان بمثابة زلزال إعلامي وسياسي وسايكولوجي غير مسبوق، ولم يكن ليقلل من صداه واثره (وحتى احتمال استمراره)التجاهل او محاولات تصريف شحناته في ما يعرف بالاحتواء، وقد تصل موجة ردود الافعال (وهي وصلت فعلا) الى تداخل عجيب بين تسفيه الحدث
وبين الاعتزاز به، كمشتركان في مسؤولية إبداء الرأي “وكل مشتركين في شئ يلزم افتراقهما بشئ آخر” كما يقول الشهيد السهروردي.
في كل الاحوال لابد من استخراج عنوان مثير من حادث الحذاء يتعلق بالاحتفاء العربي اللافت بالمبادرة (مقابل تحفظ عراقي بائن) فيما لم يكتفي التحليل السايكولوجي للحادث بالتفسير الشائع بان هذا الاحتفاء العربي هو التعبير التلقائي العفوي عن كراهية السياسة الامريكية في الشرق الاوسط انما مضى الى ابعد من ذلك الى (اللحظة) الحضارية- الثقافية التي تمر بها شعوب الاقليم، وقد كانت اكثر المعاينات في هذا المجال تتوقف عند “مازق” هذه اللحظة وتشوهات السطح الذي تتحرك عليه، وقد وصف أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء محمد ضريف
الترحيب العربي بالحادث بوصفه ” نوع من التعويض النفسي عن هزيمة داخلية لدى المحتفلين، وشعور بالإحباط تجاه الأنظمة العربية التي لم تستطع رفع التحديات المطلوبة أمام شعوبها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا” فيما تحدث المفكر احمد ابراهيم الفقيه عن “الهستيريا التي اصابت العالم العربي” باعتبارها، كما قال بالنص “حالة غير سوية يعاني منها العقل العربي” اما المفكر العراقي في علم الاجتماع قاسم حسن صالح فقد عاين الفعل بحذر شديد ناصحا الاخذ بنظرية “العوامل النفسية” وراء تصرف الصحفي العراقي كتعبير عن طبيعة الشخصية العراقية.
السايكولوجية تقول اشياء كثيرة في دلالة ان يلجأ صحفي متاحة له ظروف وشروط ومنصة وورق وشاشة ومكان آمن وابواب السياسيين وكبار المسؤولين للسؤال او للتعبير عن رايه وسخطه فيتركها جميعا الى اعلان ذلك الراي بالحذاء، ولها كلام، طبعا، في ذلك المهرج السعودي الذي عرض شراء الحذاء المذكور بعشرة ملايين دولاء فتبيّن، بعد ذلك، انه نفسه لا يملك ثمن حذاء جدبد.
وحين يتعلق الامر بردود الفعل(العراقية) الناجمة عن حادث رمي الرئيس الامريكي جورج بوش بالحذاء فان المعاينة المتأنية ترصد البعد التالي: مؤيدو التغيير والعملية السياسية والحكومة وفئات شعبية ونُخب متعلمة وثقافية تخشى العنف والاضطرابات وعودة دوامة الارهاب والمليشيات استنكرت الحادث واستبشعت فعلة الصحفي، فيما وقفت شرائح مناصرة لـ”المقاومة” والعنف ونخب اعلامية وثقافية مناهضة للحكومة وللسياسات الامريكية ومجموعات محسوبة على دول تقاتل امريكا على الارض العراقية الى جانب “المبادرة” وتجملت بصاحبها.
لكن الحمية السياسية، في الدفاع عن الحادث او استنكاره، سقطت في التبسيط حين اعتبر المدافعون “رمي الحذاء” ردا مشروعا (وثورة)على مهانة جعلوا لها عناوين كثيرة، او حين افترض المستنكرون ان فعلة الصحفي استفزاز للاداب و(مؤامرة) حيكت في الظلام واستنبطوا منها روايات عدة، وثمة القليل، حتى الآن، من خرج من التبسيط الى التأمل في عمق المشهد، والادق، ان تأشيرات مهمة توصل لها البعض من المعاينين والكتاب واصحاب الراي سرعان ما ضاعت في مجرى النهر العكر وفي ضجيج الشعارات.
الموضوعية طبعا تلتمس لهذا التبسيط معاذيره اذا ما اخذنا في الاعتبار الطابع الدراماتيكي والمفاجئ والمثير للحادث، بل انها لا ينبغي ان تتجاهل بان رمي الحذاء نحو رئيس اكبر دولة في العالم وهو في حالة زهو بروتوكولية وعلى الهواء كان ينطوي على رد سياسي ما، كما ينطوي (ايضا) على فظاظة اخلاقية ما، دون ان يكون هذا التاويل كافيا إذا ما شئنا ان نذهب الى خلفيات صنعت الحادث.. خلفيات نسترشد لها في علم الاجتماع والسايكولوجيا وعلوم السياسة، ليس لتشريح دواعي إقدام الصحفي على فعلته(فان هذا شأن المحققين والقضاة) بل لكشف ما هو ابعد من ذلك: البيئة
السياسية والثقافية- الحضارية(العراقية) التي انتجت هذا الحدث وتنتج احداثا وثقافات وممارسات مثله على مدار الساعة.
لندع مؤقتا قضية المشروع واللامشروع في حق رمي الحذاء من قبل صحفي عراقي نحو رئيس دولة اجنبية زائر(او محتل) ولنقترب اليه من زاوية اكثر علمية، فنحن، هنا، حيال تصرف انفعالي( شجاع او ارعن) ينحرف الى خارج المعقول والمتوقع بفعل كبت متراكم (الكبت في السايكولوجيا له تعبيرات كثيرة) قد يمتد الى عقود وعقود في حياة المجتمع ليجد فرصته المواتية في الانفجار.. حسنا، كم لدينا من مثل هذا التعبير الانفعالي اللامعقول عن المكبوتات مما نراه في الخرافات والعصبيات والثقافات المشوهة والملتاثة والتعديات على العقل والاخلاق والممارسات الجاهلية الغريبة،
من ظاهرة الدروشة حتى ظاهرة النساء الانتحاريات؟.
هذه، برأيي، الحلقة التي ينبغي الإمساك بها، فان اعتلال المشهد الحضاري والثقافي لراهن العراق، وقيام مؤسسات سياسية واخلاقية بحماية هذا الاعتلال، سبب تفريخ مثل هذا السلوك الذي يخرج من انضباط العقل، ولعل اخطر ما يترتب على هذا السلوك، وسواه، تلك الحمية السياسية والاعلامية التي تبرره كحق للتعبير، او تصنع منه مثالا للبطولة التي ينبغي ان يحتذى بها.. و(يحتذى) هي الاخرى من مشتقات الحذاء.. يا للمصادفة.
والان، لنبتعد خطوتين عن ضغط السياسة والاعتبارات الاعلامية، فقد استنفذ حادث الصحفي شحنته وزخمه، وعاد الى ما كان ينبغي ان يكون مكانا له وهو ساحة القضاء، فماذا يختلف إقدام صحفي عراقي على رمي حذاء على رئيس دولة اجنبية (كتعبير عن رأي) عن إقدام شابة عراقية على قتل نفسها في مركز شرطة(كتعبير ايضا عن الرأي) عن مثقف (محامي. مهندس) يشكل حركة سياسية مسلحة(مهدوية) تؤمن مكانا لمنتسبيها في السماء (كشكل من اشكال الراي) عن عشرات العناوين من انشطة الجهل الانفعالية التي انفلتت من عقالها خلال سنوات الخروج من علبة القهر والاستبداد والدكتاتورية
والكثير منها جرى تسييسه، وجرى تبنيه (وركوبه) من قبل احزاب سياسية ومنظومات عنف وعقيدة؟.
حين نعاين المشتركات في ما نراه من سلوك غريب وغير مسبوق وخارج عن حدود المنطق من زاوية علم النفس فان علينا ان نتذكر امرين، الاول، بان علم النفس هو في حقيقته علم السلوك، وثانيا، ان في هذا السلوك اتجاهين، واحد نحو الارتقاء بموازاة التحضر وآخر الى الانكفاء لصق الخرافة، وفي هذا حصر الباحثون “محركات السلوك” في ثلاث مجموعات، الاولى، ما يحسه الفرد قبل ان يقدم على عمل مثير، والثانية، ما يجري في ذهنه قبل فترة طويلة من الفعل، والثالثة، ما يعلق عليه في المستقبل من اهداف ونتائج إذا ما قام بالفعل.
وفي جميع الاحوال، فان البيئة المتوترة واللحظة التاريخية المأزومة تنتج سلوكيات انفعالية غير منطقية تنفذ بواسطة افراد يسعون الى تحقيق “راحة البال حيال حالة التوتر والقلق” كما يذهب العالم النفساني ثورندايك، او كما يقول ارسطو :”عندما توجد اللذة والالم فلا بد من وجود الرغبة” وقد تظهر بعض الافعال اللااخلاقية في السلوك كما لو انها نوع من المقامرة، لكن شوبنهاور يؤكد بان “المقامرة إعلان إفلاس الذكاء البشري” او انها تظهر كاعراض لفقدان العقل او المرض النفسي، ولهذا التفسير ما يبرره في الكثير من المعطيات والمعلومات عن الاضطرابات النفسية
التي كان يعانيها اولئك الذين يقومون بالافعال الانقلابية غير المتوقعة وإن كان الكثيرون يدفنون اعتلالاتهم تحت سلوك منضبط من الخارج.
قال لي مراسل لاحدى الفضائيات شهد وعاش (حادث الحذاء) ان الصحفي صاحب الفعل كان شديد الاضطراب والقلق طوال الطريق الذي كان يقطعه الى قاعة المؤتمر، وانه نزع فردة حذاء واعاد لبسها قبل ان يدخل القاعة، وقد اعترف نفسه في رسالته الى رئيس الوزراء بان ثمة عارض غير مريح داهمه ليرتكب فعلته، كما شاهدنا وتابعنا الحالة المضطربة للانتحارية العراقية ساجدة العتروس التي شاركت في محاولة تفجير فنادق اردنية وانخذلت قبل التنفيذ، مثلما يتداول محققون معلومات غاية في الاهمية عن مخبولين شاركوا في عصيانات جاهلية، وثمة ما يشبه هذا حدث لعدد كبير من الذين
حرروا من سجون النازية، إذ انكفأ بعضهم الى مخلوقات عدوانية قبل ان تتعافى مجتمعاتهم..فمتى يتعافى مجتمعنا؟.
ـــــــــــــــــ
كلام مفيد:
“ان هذا القديم كان جديدا
وسيغدو هذا الجديد قديما”
ابو الفضل الاندلسي