الرئيسية » مقالات » عراقيون من زمن ِ أهل ِ الكهفِ سينتخبونْ..!!

عراقيون من زمن ِ أهل ِ الكهفِ سينتخبونْ..!!

مهداة..
إلى توأم ِ حزب اليسار العراقي الشاعر سعدي يوسف- أبا حيدر- صديق أبي ..
وإلى صديقي الماركسي ُ الثائرُ رزكار العقراوي رمزُ جيل الحوار المتمدن ..
والى الدكتور حسين قاسم صالح الذي يجهد نفسه لمعرفة كيف يفكرُ العراقيون..
أتابعُ كغيري من المواطنين، ما يجري من تطورات ٍعلى الساحة ِالعراقيةِ، بعيدا ً عن أجواء ِ العنف ِ والمفخخات ِ، التي تتسابقُ لنقل ِ أخبارها العديد من الفضائيات العراقيةِ والعربيةِ، وبعضها يزيدُ من عندهُ البهارات عليها، أو يمنحها أرقام جديدة كي تتفقُ مع نواياهُ وفرحهِ، الذي يعكسُها جوهر موقفه من الأحداث حسب ما يؤكده علم النفس في مجال تحليل الشخصية البشرية ونوازعها وميولها…
بحكم تجربتي تعلمتُ من الأحداث، أن لا أصدقَ أي طرف ٍ بسهولة ٍ ويسر ٍ، أو أيّ شخص ٍ أو حتى أيةِ جهةٍ سياسيةٍ أو فكريةٍ، من دون أن أدقق في المعطيات التي تقذفُ أمامي، وأسعى للحصول على ما يؤكدُ على الحقائق المنوه ِ عنها، بطرقي المباشرة، بالعديد من الوسائل ِ، أولها مراسلتي لعدد ٍ من الشخصيات المستقلةِ، التي تعملُ في شتى ميادين المعرفةِ، ممن يُمكن الركون لتحليلاتهم وتصوراتهم…
رغم قناعتي أن ما حلّ من خرابٍ في أرجاءِ العراق ِ، في العهودِ السابقةِ المنصرمة، وبالأخص في العهد البعثي المقبور، شيء يفوقُ التصور لم يُدرك أبعاده لحد الآن، بالذات ما حلّ من خراب في بنية الشخصية العراقية، التي أفرزت أجيالا ًمشوهة تمتلك ُأرذل الصفات، وهذه ليست شتيمة، بحق الناس الذين قضينا عمرنا في الكفاح من اجل إنقاذهم من براثن الدكتاتورية، التي تمكنت عبر ممارستها للقمع لأكثر من أربعة عقود من تغيير الصفات البشرية الخيرة وإعادة إنتاج النموذج الآخر المشوه، من تلك الأجيال التي نشأت وولدت في عهد الطغيان والقمع، وكانت تعاني من الجوع والمرض والجهل.. جيلا ً ابتعد كل البعد عن الحياة الطبيعية، وحرم من التمتع بالثقافة و الحد الأدنى من مباهج الحياة .. لذلك ليس من حقنا أن نلومهم على ما يبدرُ منهم من نواقص ٍ وأخطاء ٍ أو ممارسات قبيحة ٍ تتناقضُ مع أخلاق ِ البشر ومصالحهم.. وليسَ من حقنا محاسبتهم عن حالة الجهل ِ التي تحيط ُ بهم، أو عدم معرفتهم بالأشياء والاتجاهات السياسية والفكرية أو لومَهم لمجرد ِ أعطاء أصواتهم لقوائمَ لا تعبرُ عن مصالحهم، ولا تحملُ أجندتها أية آفاق ٍ لحل ِ المعضلاتِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والخدميةِ، التي تواجهُ المجتمع العراقي، وفي المقدمة منها حقّ التمتع بالعمل والحصول على المياه الصالحة للشرب وخدمات الكهرباء والصحة والتعليم والسكن، وبقية الضرورات التي تدخل في قوام أولوياتها لدى بقية الشعوب، حق استخدام الإنترنيت والاتصال والتعليم العالي والسفر لبقية بلدان العالم من دون فيزه، وتغيير المعتقد والدين والعيش في بيئة صحية .. الخ
أقول هذا وأنا أتابع ما ينشر من دعوات عبر الإنترنيت وفي بعض البرامج التلفزيونية للعراقيين، من أجل التصويت للقوائم العلمانية واليسارية، هي دعوات مقبولة وطموحة يدبجها العشرات من المثقفين، ممن يتمنون أن تكون نتائج الانتخابات أفضل من التي سبقتها، باعتبارها ممارسة ديمقراطية حضارية تؤدي إلى معالجة الخلل، وتدفع بالناس لاختيار ممثليهم، بعد جرد حصيلة خمس سنوات من الحياة المعطلة، التي اتسمت بالفشل في الأداء السياسي وعدم تحقق تقدم في الوضع الاقتصادي، طغت فيها حالات السرقة وفاحت منها رائحة الرشوة لتتجاوز الحدود…
لست ادري إن كانت هذه الأمنيات واقعية؟!!..
أو كان مطلقوها يدركون نوع العراقيين الجدد الذين يخاطبونهم..!!
أولئك الذين سيصوتون بلا شك في الانتخابات القادمة… ولكن شتان ما بين الأمنيات والواقع.. شتان ما بين حجم الخراب الذي لم يدركُ حجمهُ أصحاب النداءات والبرامج التلفزيونية..
دعوني انقل لكم جزء من مقابلة حية أجريتها مع عراقي التقيتهُ في بيت صديق منذ ثلاثة أسابيع ٍ.. من جيل عاش الأحداث والوقائع كما مرت من دون رتوش.. ولد في منتصف عام 1977 وعاش ونشأ في سنوات الحرب وشاهدَ أولى تطبيقاتها العملية حينما كان جنديا ً في منطقة مخمور أجبرَ على التحرك مع قطعاتِ الفرقة العسكرية الرابعة من الفيلق الخامس المتوجهة لأربيل من الفيلق الخامس، ويدخل في غمار تجربة لا يستوعبها عقلهُ، كيفَ يتعاونُ فصيلٌ معارضٌ للدكتاتورية مع جيش النظام ِ الدكتاتوري في الدخول إلى المدن الكردية؟.. ومن ثمَ انتقلَ إلى الكلكِ و زمار وجسر ماندان، ومن ثم بعد سقوط النظام ِ، أصبحَ عسكريا ً،وعمل في سلكِ الجيش ِ العراقي الجديد، وتنقلَ بين بلدْروز في ديالى والتاجي وتلعفر والبصرة ..وكان في ذات الوقت مسجلٌ في ملفٍ كبيشمركه، طُلبَ منه التوجه إلى كركوك لاستلام ِ راتبه مع المئات من الكرُدِ في خطةٍ مدبرةٍ لاستدراجهم ليفجر انتحاريٌ نفسهُ بينهم، ويصيبُ أكثر من ستين شخصا ً بينَ قتيل وجريح.. منها ثلاث شظايا دخلت أماكن مختلفة وخطرة في جسده .. تركت في نفسه آثارا ً أعمق وتسببت له بمعاناة ٍ لا تنسى..
بين الحين والآخر، اسأله عن أشياء مَرت به، ويحدثني بطريقة عفوية، خالية من التزويق والتكلف..
– سألتهُ..
– لو كنت في العراق أيةِ قائمةٍ ستنتخبُ؟
– قال: لن أنتخبَ أحدا ً ..
– لماذا؟..
-لا يوجد من يستحقُ الانتخاب..
– لكنكَ اشتركتَ في أول انتخابات ٍ وصوتَ لطرف ٍ شارك فيها..
– نعم اشتركتُ وانتخبتُ الحزب الشيوعي
– والآن… الجميع فشلوا ولم يحققوا لنا شيئا ً..
حاولتُ أن أتعرف على شيء من مخزون صاحبي الفكري، وبعضا ًمن جوانب ثقافته بعيدا ًعن أجواء الممارسات العسكرية وثقافة الحروب، التي يجيدها العراقيون الذين تعلموا مفرداتها ومصطلحاتها، بما فيها أنواع الصواريخ والقذائف وصنوف الدبابات والمدفعية وبقية اللوازم العسكرية، إلى حد باتوا خبراء فيها… لكنها على حساب بقية “الأشياء غير المهمة” من قبيل الأجوبة على أسلتي “المعقدة والصعبة للغاية”.. التي “فشل” صاحبي في الإجابة عليها كما سترون في الأسطر التالية..
– هل تعرفُ من هو محمد مهدي الجواهري أو سمعتَ بهِ؟
– أجابني.. لا .. هل هو ممثل عراقي؟
– هل سمعتَ ببدر شاكر السيّاب؟
– لا..
– هل سمعتَ أو تعرف من هو سعدي يوسف؟
– لا..
– ماذا تعرفُ عن نصبِ الحرية؟
– أعرفُ انه تمثال في أمريكا..
حاولتُ أن اقربَ له الوصفَ لتسهلَ عليه الإجابة..
-هل شاهدتَ نصبا ًفي بغداد بالقربِ من ساحة التحرير، من نحاس ٍ، فيه شخصا ً يفك القضبان، مع رمز الشمس…الخ
– نعم ماذا يُسمى هذا النصب؟
– لا أعرفُ…
لم أكن بحاجة كي استفسر منهُ عن جواد سليم أو فائق حسن أو غيرهم من الأسماء، التي لا تعني له شيئا ً، أو يكون لديها أهمية عنده، في عقودِ وأعوام ِ حياته المنصرمة التي عاشها في صفوفِ العسكر بين الحروبِ .. لكنني واصلت من باب الفضول أسئلتي “الغبية”..
– هل ذهبتَ يوما ً إلى المسرح؟
– لا..
– هل دخلتَ مكتبة عامة ؟
– لا..
– هل قرأت كتابا ً ؟
– لا..
-هل سمعتَ بالبياتي؟
– نعم انهُ مطربٌ..
– وعبد الوهاب البياتي؟
– لم أسمع به.. هل هو ممثلٌ؟
– لا تعليق من جهتي..
– هل تعرفُ يوسف العاني؟
– لا ..
– هل سمعتَ بسامي عبد الحميد؟
– لا..
– هل سمعتَ بمائدة نزهت؟
– لا..
– هل تعرفُ ناهده الرماح؟
– لا..
– هل سمعت بالممثلة زينب؟
نعم سمعتُ بزينب العسكري.. وشاهدتُ صورها عند صديق.
-هل سمعتَ بنجيب محفوظ ؟
– نعم..
– ماذا تعرف عنه
– انه ممثل وله أفلام..
– هل دخلتَ متحفا ً ذات يوم في العراق؟
– لا..
– ولا في بقية البلدان التي زرتها ومررت منها سوريا تركيا اليونان ألمانيا؟..
– في سوريا شاهدتُ قلعة حلب، وفي اسطنبول مررت بقصر أتاتورك.. وهنا في ألمانيا شاهدتُ بعض القلاع..
– وهنا في ألمانيا إن صادف وتوفرت لكَ الفرصة لتشارك في انتخابات عراقية قادمة هل ستشتركُ في التصويت؟
لا .. لن اشترك في أية انتخابات إلا ّ إذا وجدتُ الخدمات وفي المقدمة منها الكهرباء والماء متوفرة ومنجزة.. سأنتخبُ من يوفر الخدمات للعراقيين بالفعل بعد سنين في جولاتٍ قادمة، وسوف أقاطعها الآن ..
وغيرها ذلك هو كلام في كلام ..لن اشترك في انتخاب أية قائمة.. قالها بإصرار.. مقتنعا ًانه على صح ..
ذلك جزءٌ من ملامح الانتخابات العراقية المقبلة.. وموقف العراقيين منها ..