الرئيسية » مقالات » حديث الجراح-1

حديث الجراح-1

كان ذلك العام هو عام 1950م وكانت معظم أحياء مدينة الحي القابعة على نهر الغراف عباره عن بيوت طينيه متلاصقة مع بعضها وغالبية سكانها هم من العمال والكسبة والحرفيين وبائعي الخضروات تجمعهم رابطة حميمية ويزور بعضهم بعضا في حالات الفرح كالزواج والمولد النبوي والأعياد وعمليات ختان الأولاد وفي الأحزان كالوفيات وأحياء ذكرى عاشوراء وغيرها. كنت حينها طفلا على مشارف السادسة من عمري وكانت تلك الوجوه التي ألتقيها يوميا تكاد تكون معتاده بالنسبة لي. وفي بيتنا كان والدي المرحوم حسين أحمد الصفاريعمل في عملية ( بيع الأدوت النحاسية وتصليحها ) وكانت رائجة في تلك الأيام وقسم كثير منها يستورد من الهند وكانت بعض القطع والأواني منقوش عليها الكثير من الآيات القرآنيه والأقوال المأثوره وكنا نحتفظ ببعضها في البيت ولدينا في البيت قدرين كبيرين من النحاس مخصصان لعمل ( هريسة الحسين )في العاشر من محرم وقبل يوم العاشر من محرم يتم جلب عجل كبير الحجم وتحضر الحنطه الخاصه بالهريسه وفي ليلة العاشر من محرم يتقاطر الجيران من محلتنا ومن المحلات الأخرى ألى بيتنا للقيام بعملية (درغ) الهريسه بعد ذبح العجل وتقطيعه ومن الوجوه التي أتذكرها الحاج خضير علي والحاج عريبي الزامل (مدير مدرسة أبن جبير) والسيد جابر والأستاذ عبد حمود معلم وحميد الحداد وطهماز الصفار وغيرهم وعدد من الشباب الأقوياء من ذوي العضلات المفتوله وجميع هؤلاء منهم عرب ومنهم أكراد فيليون يجمعهم حب الحسين ع ويحب بعضهم بعضا وكأنهم أخوة لايفرق بينهم مفرق ورب أخ لم تلده أمك كما يقول المثل. ورغم الطابع الحزين لتلك الليله كانت الأحاديث الوديه تجمع بين الحاضرين حتى الصباح حيث يأتي الأطفال والكبار والنساء في أول خيط للفجر ليملؤا قدورهم تحت أصوات الصلاة على محمد وآل محمد التي كانت تنطلق من تلك الحناجر القويه وكانت هناك أحاديث أخرى يتداولها المجتمعون في تلك الليله ومن جملة ماكنت أسمعه كلمة ( شهادة الجنسيه) بين فترة وأخرى ولم نكن نعرف طعم النوم في تلك الليله أبدا. وفي العام التالي دخلت المدرسه وكان مدير المدرسه لحسن الحظ هو ( عريبي الزامل ) صديق والدي حيث جاء في أحد الأيام ألى الصف الذي أجلس فيه وقال لي بالحرف الواحد ( اليوم من ترجع للبيت كله الأبوك خلي يطلعلك شهادة الجنسيه) فقلت له نعم أستاذ ورسخت الكلمه في رأسي ورجعت ألى البيت بعد انتهاء الدوام لأخبر والدي بالكلام الذي سمعته من مدير المدرسه وكنت الأبن الوحيد لوالدي ويحبني كثيرا ولم أجد والدي في البيت فذهبت ألى السوق لأعلمه بالخبر وعندما نقلت له الكلام حرفيا تنهد وسكت فعدت عليه الكلام مرة ثانيه فأجابني ( سمعت بويه كلش زين آني مو أطرش راح اطلعها مو اليوم باجر)

فسألته مرة أخرى ( بابا عود شني هيه شهادة الجنسيه ) فأجابني بعد أن تنهد تنهيدة عميقه أشد من الأولى ( أبني تعرفها بعدين هسه أنته ليش مستعجل على الطركاعه) وبقيت كلمة (طركاعه )عالقة في ذهني ومرت الأيام وافتقدت أبي لعدة أيام في الشهر وكنت أسأل والدتي عن سبب أختفاء أبي لعدة أيام في الشهر فكانت تجيبني بلش أبوك بمعاملة الطركاعه بيش بلشت يابو بشت هاي مصيبه جبيره طاحت على روسنا راح نموت من الجوع من وره هالطركاعه يوميه عايف شغله ورايح لبغداد ) وكنت أقول لها( يمه هاي الطركاعه بس موجوده ببغداد) فكانت تجيبني بنبرة غاضبة (أي يمه أي هي بس ا بغداد راح تكعدنه على بساط الفكر) وظل أبي على عادته لأشهر وكنت أسأله( بابا يمته انشوف الطركاعه؟) فكان يجيب والحزن يملأ عينيه بابا هاي مصيبته مصيبه والطريق طويل يمكن راح أموت اوما أشوفها) ومرت ثلاث سنوات وهو على هذا المنوال وشعر والدي في أحدى الأيام بألم في خاصرته وفحصه الدكتور البيرت زكو الطبيب الوحيد في المدينه وطلب نقله ألى الكوت وبعد يومين توفي والدي ومات معه سر (الطركاعه ) والطركاعه تعني المصيبه باللهجه العاميه العراقيه ولم يشاهدها ولم نشاهدها نحن وتركني وحيدا مع أربع أخوات يصغرنني جميعا وكان ذلك في عام 1954م وترملت والدتي وكانت تنوح وتبكي وتقول( محد موت أبوكم غير الطركاعه) كان خيال والدي لايفارقني أبدا ومرت سنتين وعاشت مدينة الحي أحداثا جساما عام 1956م حيث انتفضت المدينة عن بكرة أبيها احتجاجا على العدوان الثلاثي على مصر بعد أن تعرضت لظلم كبير من الأقطاعي مهدي بلاسم الياسين وزبانيته قبل هذا التأريخ.

وقمعت الأنتفاضة بكل قسوه على أيدي الشرطه التابعه لسعيد قزاز وزير داخلية نوري السعيد وتم نصب المشانق في وسط المدينه وأعدم المناضلان على الشيخ حمود وعطا مهدي الدباس وزج الأحرار في السجون وانتهكت الحرمات وسرقت الأموال واستبيحت المدينه تماما ونصبت المدافع الثقيله على مشارفها حيث أطلق سعيد قزاز جملته المشهوره ( قضاء الحي مالازم) ولولا تدخل الأمير ربيعه لحلت كارثة كبرى بالمدينه ورغم كل تلك الأحداث الجسام فقد بقيت ذكرى أبي تؤلمني كثيرا ولغز ( الطركاعه) يقض مضجعي وكنت أسعى لمعرفته بكل تفاصيله .

وحل عام 1957م حيث دخلت الصف الأول المتوسط حين جاءنا مدير المدرسه وطلب منا أن يحضر كل واحد منا ( شهادة الجنسيه العراقيه) فذهبت ألى البيت وأخبرت والدتي بذلك فضربت وجهها وقالت ( هاي وين جانت النه هالطركاعه منين أجيبلك فلوس حتى تروح اتطلع الطركاعه أبوك ثلث سنين يطارد وراها وما حصلها ومات من قهرها وطلايبها هسه أجه دورك انته انوب) فقلت لها يمه شهادة الجنسيه العراقيه مو طركاعه ) فأجابتني بحسرة شديده (هي هاي أكبر طركاعه راح تموتنه واحد وره الثاني) و فكرت جديا بأن أترك المدرسه وتغيبت عنها لعدة أيام لكنني كنت أحن أليها كثيرا وأحب المدرسين فيها لأنهم كانوا يعاملونني معاملة خاصه بعد وفا ة والدي ولابد لي من ذكر الحقيقه والأعتراف بالجميل أنهم كانوا يقدمون لي بعض المساعدات الماديه بين آونة وأخرى ويقولون لي هذه من الدوله وفي أحد الأيام جاءني مجموعة من زملائي في المدرسه وقالوا أن المدرسين يسألون عنك ويقولون لماذا تركت المدرسه فقلت لهم أنني بدأت أعاني من صعوبات بعد وفاة والدي رغم حبي للمدرسه أريد أن أعمل والمدرسه تريد مني شهادة الجنسيه العراقيه وأنا لاأملكها وأمي تقول عنها طركاعه لكنهم أخبروني بأن المدرسين سيأتون غدا ويرغبون بالتحدث مع والدتك وقالوا نحن جئنا لتخبرك بذلك بأمر من مدير المدرسه. وحضر عدد من المدرسين في اليوم الثاني وتحدثوا مع والدتي فأخبرتهم بأن شهادة الجنيه بالنسبة لنا صعبة جدا وحتى أذا حصلنا عليها لايعترفون بها ويقولون لنا بأنكم (أيرانيون) ولا مكان لكم هنا في العراق فقال أحد المدرسين الكبار في السن وقد نسيت أسمه( والله أذا تريدين الحقيقه يابنت اخوي انتوا عراقيين أصليين غصبن على اليقبل والمايقبل آني من جنت زغير قبل خمسين سنه أتذكر جدج وجد ابنج كانوا موجودين ومدينة الحي انبنت على رؤوسكم ) فأجابته والدتي ( عمي هاي انته اتكول هيجي روح شوف الحجي اللي نسمعه منهم مانسمع منهم غير المسبات والتهديد جان المرحوم أبو جعفر يكلي كل ما أدخل لدائرة الجنسيه أسمع كومة حجي ماصخ مايحجيه ألا الدوني وأسكت أكول بلكت الله يفرجها وتالي مات وما حصل شي وخلانه بهالضيم مانعرف شنسوي وهسه انتو تريدون من ابني شهادة الجنسيه وآني أسميها ( الطركاعه )والله أبني مايكدر يداوم بعد لأن حالتنه صارت كلش صعبه )حينذاك أدركت بأن الطركاعه تعني بالنسبة لوالدي سابقا ولوالدتي لاحقا( شهادة الجنسية العراقيه )

جعفر المهاجر- السويد