الرئيسية » مقالات » في ذكراه الثامنة و الثمانين .. الجيش العراقي تاريخه بين المؤسسة و النظام الحاكم

في ذكراه الثامنة و الثمانين .. الجيش العراقي تاريخه بين المؤسسة و النظام الحاكم

في السادس من كانون الثاني/ يناير من العام 1921 ، جرى تأسيس الجيش العراقي .. وها نحن اليوم بذكرى مرور ثمانية و ثمانين عاماً على التأسيس الأول .. وبلا شك كانت هذه السنوات الطويلة حبلى بالأحداث و المتغيرات ، كما شهدت تحولات كبيرة و جذرية في مؤسسته و عقيدته و توجهاته ، ومما لاشك فيه إن التدخلات الحكومية المختلفة في صبغة الجيش العراقي ومنذ تأسيسه الأول ساهمت في تشويه الآلية المؤسساتية للجيش ..
رؤية لواقع العسكرية في عراق ما قبل الحكومة :
الحكومة العراقية الأولى ، شكلت في آب/أغسطس من العام 1920 بأشراف مباشر من السير (برسي كوكس) المندوب السامي البريطاني في العراق .. وكانت على شاكلة وزارة انيطت رئاستها بنقيب أشراف بغداد (عبد الرحمن الكيلاني) ، و من ثم جرى تنصيب الأمير (فيصل بن الحسين) نجل الشريف حسين (شريف مكة) ليصبح ملكاً للعراق في العام 1921 .. مؤسسات المملكة العراقية الرسمية لم تكن منعدمة بطبيعة الحال فالبلاد في العهد العثماني كانت مقسمة لثلاث ولايات هي (بغداد ، البصرة و الموصل) وتظم كل ولاية بل كل مدينة ضمن الولاية على مؤسسات إدارية صغيرة .. و بعد سقوط الولايات العراقية في أيدي البريطانيين أبان الحرب العالمية الأولى ، وضع البريطانيون مسؤوليتهم على المؤسسات الإدارية البدائية التي أنشئها العثمانيون في العراق و قاموا بصناعة مؤسسات بديلة حضارية وفق الطراز الإداري البريطاني آنذاك .. ومع تشكيل الوزارة النقيبية الأولى في آب 1920 جرى إدخال العراقيين لأول مرة ضمن الهياكل الإدارية الجديدة و من ضمنها الجيش كما سيأتي ذكر ذلك لاحقاً .. ما يهم هنا معرفة الواقع أو الرؤية العراقية للعسكر و العسكرية قبيل تأسيس الجيش العراقي الأول عام 1921 .. مما لاشك فيه إن العراقيين في العهد العثماني كانوا معادون للدولة و على غير وفاق معها ومن أكثر الأسباب التي نمت الخلاف بين المواطن العراقي و الحكومة العثمانية آنذاك هو (التجنيد) ، حيث إن الدولة العثمانية الكبيرة مترامية الأطراف عاشت في ظل حروب طويلة و كثيرة وخاصة في أوربا منذ القرن الثامن عشر .. كما شهدت تراجع بل تأكل في قوتها في تلك المرحلة صعوداً إلى قمة الانهيار مطلع القرن العشرين ، حروب العثمانيين الخاسرة في أوربا ، كانت في بعض الأحيان أشبه بالانتحار وقد استنزفت مئات الآلاف من المقاتلين و معظمهم إن لم يكن جميعهم كانوا من ولايات بعيدة سوقوا للجبهات الأوربية عبر التجنيد الإلزامي المفروض عليهم رغم بعدهم الكبير عن هذه الجبهات .. العراقيون عانوا من ظاهرة التجنيد و الحروب في الجبهات البعيدة بشكل كبير وخاصة في جبهة القوقاز الأوربية التي أخذت ألاف العراقيون دون أن تعيدهم بطبيعة الحال ، حيث إنهم لو لم يهلكوا بالحروب لهلكوا بالأجواء المتجمدة هناك .. و بعيداً عن الأمثلة و التفاصيل خلاصة القول إن العراقيون نقموا على التجنيد و العسكرية شر نقمة ، كما ساهمت المعارك التي خاضوها مع رجال الدين في مواجهة الانكليز منذ العام 1915 ولغاية العام 1920 الذي شهد ذروة الأحداث بأندلاع ثورة العشرين العسكرية في مدن العراق .. بخسائر بشرية كبيرة بسبب الصدامات العسكرية المسلحة .. مما ضاعف من المشاعر الاجتماعية السلبية ضد العسكرية .. لكن من الجانب الآخر تجدر الإشارة إلى إن أركان الحكومة التي أسسها البريطانيون في العراق عام 1920 كانت من ضباط عراقيين سابقين في الجيش العثماني ممن فروا من الجيش العثماني و اشتركوا بحركة الثورة العربية التي قادها الشريف حسين عام 1916 .. أي إن النخبة الحاكمة الأولى طغى عليها الطابع العسكري ، رغماً عن المشاعر الشعبية الغير متعاطفة مع المشكلات التي تكبدوها بسبب الحروب .
البريطانيون اختاروا (جعفر العسكري) باشا ليكون أول وزير دفاع عراقي في الحكومة الأولى .. إي قبل تأسيس الجيش العراقي ذاته وانيطت به مهمة تأسيس الجيش العراقي ، العسكري استعان بعديله المقرب (نوري السعيد) باشا وهو الأخر من الضباط العثمانيين السابقين الملتحقين بالثورة العربية ثم بحكومة الأمير فيصل القصيرة في سوريا و التي قضا عليها الفرنسيين بعد معركة (ميسلون) عام 1920 ، و قد أصبح نوري باشا السعيد وكيلاً لوزير الدفاع العراقي .. وجرى الإعداد بالتنسيق مع الإدارة البريطانية لتأسيس نواة الجيش العراقي الأول .
مرحلة تأسيس الجيش العراقي :
في السادس من كانون الثاني عام 1921 أعلن عن تأسيس الجيش العراقي من عشرة ضباط ، وانيطت رئاسته بالفريق جعفر العسكري وزير الدفاع العراقي ، وفي تموز من نفس العام جرى إعلان تشكيل أول فوج في الجيش العراقي .. وتحت اسم (فوج الإمام موسى الكاظم) ، وقد اعتبرت الخدمة في الجيش تطوعية و ليست إلزامية .. وكان نواة ضباط الجيش العراقي الأول من الضباط العثمانيين المحاربين ضمن الثورة العربية عام 1916 و مع الأمير فيصل في سوريا .. وقد شكل تولي الأمير فيصل لعرش العراق دعماً لضباط الجيش بكونهم حاربوا تحت إمرته في مكة و سوريا سابقاً .
العقيدة العسكرية العراقية الأولى لفت بثوب القومية العربية ، بمباركة ضباطه الأوائل ذوي الميول القومية .. ولكن بطبيعة الحال لم تكن الفكرة القومية آنذاك بالشوفينية التي انتهجتها لاحقاً ، ومن الجدير بالذكر إن الأولوية الحكومية في مرحلة تأسيس الحكومة و الجيش لم تولى للجيش بل أولية لوزارة الداخلية .
السياسة تهيمن على الجيش :
إن الطبقة الحاكمة أو المؤثرة في المملكة العراقية أبان مراحلها الأولى ، كانت تتراوح بين البريطانيين و الهاشميين (الملك و حاشيته) و الضباط الشريفين (أي الضباط العثمانيين الملتحقين بالثورة العربية فيما بعد ومنهم العسكري و السعيد وآخرون أصبحوا غالبية المسئولين الحكوميين في المملكة العراقية لاحقاً) و مجموعة من كبار الملاكين و أصحاب رؤوس الأموال .. الملك و حاشيته و ضباطه الشريفيون حاولوا من خلال تطوير الجيش و الاهتمام بمؤسسته ، بناءه على أساس عقيدة الولاء للملك و المملكة لحماية العرش الهاشمي .. بالتالي كان تسليح الجيش و تطويره يندرج ضمن أجندة تعضيد قوة الملك ، إلا إن صعود طبقة جديدة من الضباط العراقيين من غير الشريفيون .. بالتزامن مع اتساع عدد عناصره و قطاعاته ونمو قوته كجيش نظامي مؤثر وخاصة في أواسط ثلاثينيات القرن العشرين .. ساهم في ظهور بوادر سياسية في محاولة استغلال الجيش بتغير ولائاته و استغلال سطوته لصالح السياسة .. و قد كانت اكبر مصادق التمحور السياسي في فلك المؤسسة العسكرية آنذاك قد تجسدت بأول انقلاب عسكري جرى في تاريخ العراق الحديث بقيادة العسكري العراقي (بكر صدقي) عام 1936 ، الذي عمل على إجراء تغيرات سياسية عكست الدور السياسي على الجيش .
وبطبيعة الحال إن التنوع السياسي الذي شهده العراق آنذاك .. بألاضافة لعمل الأجندات البريطانية حليفة المملكة العراقية ، و الروسية من خلال المد الشيوعي الذي دخل العراق بقوة تلكم المرحلة .. وملف آخر لا يقل خطورة عمل في عراق الثلاثينيات و الأربعينيات من القرن العشرين وهو الملف النازي الألماني المناهض للبريطانيين .. هذه الملفات بأبعادها وأهدافها و آلياتها السياسية الكاملة استشرت في الجيش العراقي و بين الضباط العراقيين و خاصة الملف النازي الذي ساهم وبآليات عسكرية في خلق واحدة من اخطر الحركات الانقلابية على النظام الملكي الحاكم في العراق في أيار/مايو 1941 من خلال الانتفاضة المسلحة التي قادها (رشيد عالي الكيلاني) مع مجموعة من الضباط في الجيش العراقي راغبة بإسقاط النظام الملكي ورئسه الوصي (عبد الإله بن علي) .. حركة مايس ورغم الإطاحة بها إلا إنها سجل مؤشر خطير على غلغل السياسة في الجيش العراقي و خاصة وان المحرك للحركة كان النازيون .
ما خلفته مرحلة حرب عام 1948 (الحرب العربية – الإسرائيلية) على الجيوش العربية قاطبة من عقيدة الجيش القومي وما تلاه في مرحلة الخمسينيات و مع تنامي ظواهر المد القومي وخاصة بعيد وصول الناصريين لحكم مصر ، ساهم في تشكيل تيار الضباط الأحرار في الجيش العراقي ، وهو تيار خليط بين القوميين و الشيوعيين يعمل ضد الملكية و المعسكر الغربي .. الجيش العراقي كان ركن المخطط السياسي للتغير في العام 1958 .. وكان أداة الانقلابيين في تحقيق انقلابهم الدموي الشهير في 14 تموز 1958 .. بل إن السلطة الحاكمة كانت عسكرية ايظاً بقيادة الزعيم (عبد الكريم قاسم) وهو رجل عسكري .
ادلجة الجيش وفق الرؤية السياسية الحاكمة :
الجمهوريون في العراق .. وصلوا للحكم من خلال الجيش فبالتالي هم يدركون دور الجيش ، وقد حرصوا كل الحرص على تبني الجيش لعقائد و إيديولوجيات خاصة بهم و تضمن استمراريتهم .. كما عملوا على تغيير قادة الجيش ورؤوسه الكبار الغير خاضعين لسلطاتهم ، واضعفوا من نفوذ و دور قادة الجيش على جنودهم من خلال سحب قيادة الجيش برأس السلطة حتى لو كان مدني او غير مهني بالشؤون العسكرية .
بوادر الخلافات السياسية – العسكرية ، برزت في حالات كثيرة في مسيرة العراق الجمهوري و خاصة في مراحل العنف الداخلي و الصراعات الحزبية ، و الانقلابات المنظمة .. إلا إن الفجوة الحقيقية التي صنعتها السياسة في الجيش العراقي .. كانت في أوائل سبعينيات القرن الماضي عندما استخدم الجيش لأول مرة كأداة للقمع الداخلي للعراقيين أنفسهم وخاصة ضد الأكراد في شمال العراق و الشيعة في الوسط و الجنوب .
البعثيون و لدى استلامهم للسلطة في تموز 1968 و بأداة عسكرية أيضاً من خلال انقلاب عسكري قاده الضباط القوميون بالتعاون مع الشيوعيون ، أدركوا إن سر بقائهم في السلطة يكمن بيد الجيش العراقي فقط ، بالتالي عمل البعثيون و ضمن برنامج منظم على ادلجة الجيش وفق حزبهم وبصورة علنية .. فالجيش العراقي قبل ذاك كان فيه الكثير من الحزبيون على اختلاف انتماءاتهم ولكنها كانت مصبوغة بالسرية لوطنية المؤسسة العسكرية ظاهراً .. أما البعثيون فبالظاهر و الباطن ادلجوا الحزب وصيروه إحدى تنظيمات حزبهم من خلال رفع الشعارات القومية مستغلين مرحلة حرب العام 1973 العربية – الإسرائيلية ، مقدمين الجيش العراقي كجيش قومي يذود عن العروبة في إشارة لتحويل العقيدة العسكرية للجيش العراقي وربطه بحزب البعث العربي الاشتراكي مباشرتاً .
إن الظواهر التي حصلت في العراق الجمهوري و لغاية مرحلة الحرب العراقية – الايرانية تعطي انطباعا واضح بأن السياسة لم تحقق مصالحها إلا من خلال الجيش ، كما عملت على ضم الجيش لصالحها بعبارة أخرى إن السياسة الحاكمة صيرت الجيش بوليسا يحميها و يحافظ على وجودها .
إنهاك الجيش العراقي في سلسلة الحروب الطويلة :
على الرغم من القيود السياسية للمؤسسة العسكرية في العراق ، و التردي الكبير الذي غلفته بها وخاصة في ادلجته و توجيهه نحو ملفات سياسية خالصة .. كان النظام السياسي بالعراق يعمل على تجهيز العراق بأفضل الإمكانات و الأسلحة و التدريبات ، وسرعان ما زجت به بحرب من أطول الحروب النظامية المعاصرة و هي الحرب العراقية – الإيرانية بين العامين 1980 – 1988 .. الحرب الطويلة أنهكت الجيش و خلفت أثار و تداعيات كبيرة ، سرعان ما تطورت سلبياً بدخول الكويت و ما تلاه من حرب مدمرة (حرب الخليج الثانية) وإدخال العراق بحصار شامل ضمن عقوبات دولية مفروضة من الأمم المتحدة .. الحصار الاقتصادي أنهك الجيش العراقي بشخوصه و معداته .. وولد تفشي لظواهر فساد مالي كبير في داخل مؤسسته طغى من خلالها مفهوم الرشوة و المحسوبية ، وصاحبها تأكل كبير ببنية المؤسسة العسكرية العراقية مع تصاعد البنى الشخصية و الحزبية .. حتى كانت الذروة بتحول الجيش عقيدتاً لتبعية شخص الرئيس و منهجه .. ومع كل هذه التداعيات البنيوية وفي ضوء تفشي الفساد داخل المؤسسة العسكرية زج الجيش العراقي بحرب جديدة ضد الولايات المتحدة التي تمتلك أقوى جيش في العالم و كانت النتيجة تدمير ما تبقى من بنية الجيش و سقوط العراق ودخول القوات الأمريكية لبغداد.
الجيش العراقي بين قرار الحل و قرار إعادة التشكيل :
في أثناء حرب الخليج الثالثة عام 2003 التي شهدت سقوط نظام البعث بالعراق ، فاجئ الجيش العراقي كل المتابعين ، عندما تهاوى بين ليلة وضحاها .. كما أوضحت التقارير المنشورة إن قيادات كبيرة في الجيش العراقي قامت بخيانات كبيرة لعل أهمها خيانة قائد عمليات الجيش العراقي في مطار بغداد الذي سحب قواته لتدخل القوات الأمريكية إلى المطار و تتمركز به ثم هرب مع القوات الأمريكية ، و خيانة قائد عمليات بغداد الذي سحب قطاعاته من مداخل المدينة .. وغير هذه الأمثلة كثير .. كما جرى هروب جماعي للمقاتلين من وحداتهم أثناء الحرب وبشكل أشبه بالعلني ، هذا بمعزل عن العجز بالآليات العسكرية و الخرائط الغير دقيقة وما شاكل .. المحصلة الأمريكان لم يجدوا جيشاً يقاتلهم فدخلوا بغداد بهدوء .
الحاكم المدني الأمريكي للعراق (بول بريمر) أعلن حل الجيش العراقي في قرار اعتبر لاحقاً بغلطة كبيرة .. و الحقيقة إن الجيش العراقي كان قد حل ذاته بذاته مع سقوط بغداد ولكن بعد قرار بريمر اعتبر إقصاء للعسكريين العراقيين من الحياة المدنية و حرمانهم من المعاشات مما سبب بالتضافر مع عوامل أخرى باندفاع عدد من الضباط السابقين في جيش صدام بدخول الجماعات المسلحة الإرهابية التي ساهمت بزعزعة الوضع الهش للعراق الجديد و أدخلت البلاد إلى متاهات أوصلته إلى شفير هاوية في مرحلة ما .. قرار إعادة تشكيل الجيش و إعادة الضباط القدامى مع استثناء الرتب الكبيرة بإحالتهم على التقاعد كان حلاً لخطأ قرار الحل و لكن حلاً متأخراً.
حكومة المالكي سعت لحل مشكلة الجيش العراقي السابق حلاً جذرياً من خلال دعوة جميع الضباط الراغبين بالعودة للجيش أو الإحالة على التقاعد وإكمال معاملاتهم الرسمية بالتزامن مع حل مشكلة ملف البعثين السابقين من خلال تأسيس هيئة المصالحة و العدالة .
إما الجيش العراقي بعد إعادة تشكيله فقد روعي به صنع عقيدة على أساس الوطنية ، وبأفراد بعيداً عن المؤسسات الحزبية .. وعلى الرغم من إن الواقع يؤكد عدم اكتمال البنية المؤسساتية للجيش العراقي الجديد إلا إن البوادر ايجابية .. إما من الجوانب البنيوية فالجيش الحالي يبنى على أسس عصرية و بتجهيزات عالمية حديثة وبتدريب عالي المستوى .
ثمانية و ثمانين عاماً :
في ذكراه الثامنة و الثمانين أجد إن الجيش العراقي كان لاعباً مميزاً على الواقع العراقي .. وكل الإخفاقات و التداعيات التي أصابته نتجت بسبب إقحامه بالسياسة ضمن أجندات مختلفة و بمراحل مختلفة .. فالملاحظات التي سجلت أعلاه تعطي انطباعاً راسخاً مفاده إن ادلجة الجيش و تبعيته للسياسة كانت وراء انهياره .. وان المؤسسة العسكرية الرصينة هي المؤسسة التي لا تبنى إلا على أساس الوطنية و لا شيء سواها .