الرئيسية » مقالات » كم كذبنا حين قلنا : نحن استثناء …. ! *

كم كذبنا حين قلنا : نحن استثناء …. ! *

الطيار المقاتل( البطل ) طارق رمضان بكر ( 1 ) حامل انواط الشجاعة والمتهم في قضية حلبجة ( هيروشيما العراق ) اختفى في مسرح الجريمة …. سجن دائرة الامن ـ الاسايش ـ في مدينة السليمانية …. ارفعوا قدحكم النحاسي النحس كوجه الطيار الذي قصف حلبجة ….
لقد اسدل الستار عن ملف لم يفتح بعد …… اما انتم ايها الضحايا فليس لكم حق ، حق العيش في هذا الزمن المرير ….
وهكذا سيبقى جرحنا ينزف سما والى الابد في زمن خلط الاوراق والعودة الى انفاق الخداع والمساومة …. اية غيبوبة هذه التي اصابكم ايها السادة … !!
اي لعنة هذه التي تلاحقنا نحن الضحايا ؟
كيف نواجه انفسنا ؟
من يوقف هذا الخلط المتعمد ؟
الطيار الذي قصفنا بالخردل وطحن ارواح اطفالنا بقنابله وصواريخه يقال انه هرب( 2) ..ولكن الى اين ؟ وكيف ومتى ؟ تبقى هذه الاسئلة تطارد الضحايا كالطائرات التي كانت تطاردنا وتلاحقنا كظلنا في مسرح الجريمة ….
…..
…..
لقد رفعوا مع الطيار الكأس وشربوا نخب الانتصار على اطفال حلبجة في صالات الاحتفالات والتكريم ……..
رقص الطيار امام الضيوف …
وعلى انغام اناشيد حرب ( ياحوم اتبع لو جرينا ) …….. وهتف بشرف سيده المعدوم الذي كرمه بانواط (الشجاعة) ووسام الرافدين لدكه مواقع المخربين ….وبكى بكا مرا لحنينه الى الماضي ….
كذبنا وكذبنا …. وكذبنا !!
حينا قلنا نحن استثناء ….
اه .. اه …على الصمت القاتل ….الذي يذكّرني بعام الانفال …
يذكّرني بـ 16 اذار ..
نعم …حلبجة صامتة ومرعوبة وغاضبة وهي ترتجف من العار ….
لا لا ….. ترتجف من الخوف …
لا ..لا…
لم يبقَ لحلبجة شيء تخاف عليه …
فحتى الطيار المتهم الذي حمى سرب الطائرات التي قامت بقصف مدينة حلبجة بالاسلحة الكيمياوية في عام الانفال ساومنا معه في مكان اقامته الذي يبعد 83 كيلومتر من مسرح الجريمة ……
ينتابني شعورٌ بالخجل من اطفال حلبجة ،
نعم … ينتابني شعور بالالم …
بل ينتابني شعور بالعار لاني احمل نفس جنسية الذين هرّبوا المتهم الطيار … … واستهتروا بمصير الوطن والناس …
والاسئلة التي تطرح نفسها وبالحاح وعلى الاسايش ان يجاوب عليها هي :-
كيف اعتقل الطيار ؟ من اعتقله ؟ واين ؟ ومتى ؟ ولماذا لم يسلّم الى القضاء العراقي كباقي المتهمين مع بدء جلسات المحكمة العراقية الجنائية العليا كمتهم بجرائم الابادة الجماعية ؟
كيف هرب الطيار ؟ ومن ساعده في الهروب ؟
من كان يحرسه ؟ واين ؟ ومتى عرف الاسايش بهروب المتهم ؟ وهل بدون دليل يستطيع هذا الطيار ان يخرج من المدينة ؟ في حين لم نسمع منذ ان تاسس الاسايش في الاقليم قصص الهروب والافلات من قبضة الامن ؟ ثم بسبب التشديدات الامنية على حدود الاقليم لايستطيع اي شخص واقصد من الذين ياتون من مدن العراق الجنوبية ان يدخلوا الى اراضي الاقليم دون كفالة واعطاء ضمانات مقنعة للدخول فكيف خرج وهرب الطيار الذي لا يعرف شيء عن السليمانية وحدودها وسيطراتها وطرقها ومداخلها … ؟
وما هي الاجراءت التي تتخذ بحق المسؤولين والحراس في هذه القضية ؟ هل يسدل الستار عن هذه القضية ايضا وتعتبر قضاء وقدر ؟ ام يفتح التحقيق ويعاقب كل من له دور في هذ الجريمة اي جريمة هروب الطيار المتهم ؟ هل يعرف الاسايش ومنتسبيه بان الطيار كان متهما بارتكاب “ابادة جماعية” و”جرائم ضد الانسانية” “وجرائم حرب” ….!
من هي الجهة الرئيسية التي تتحمل المسؤولية القانونية تجاه هروب الطيار ؟ وهل تم التحقيق مع الطيار اثناء فترة حجزه في الاسايش ؟ ومن حقق معه ؟ واين افادته ؟ لماذا لا تعلن الاسايش عن ملابسات القضية وتفاصيلها بشكل علني ؟ …. اسئلة كثيرة تنخر القلب وتخنق الانفاس كالخردل والسيانيد الذي شوه كل جميل في وطني الذي ليس له حاضر ولا مستقبل .. سوى الماضي الذي يتكرر ويتكرر ويتكرر …
انظروا الى حلبجة ….فهي تنظر اليكم بعينيها الصابرتين وبوجهها الشاحب والمحروق …
20 عاما والسم ياكلها من الداخل ويمنعها من ان تضحك وتكون سعيدة …
الآن تتساءل وانا مندهش معها :احقا هرب الطيار الشاهد والمتهم بقتل وتشويه وتلويث الشعب والارض ؟ …. تهمس حلبجة في اذني وتقول :
اسمع ايها المنفيّ …
بعد ان انزلوا جثمان اطفالي الى مثواهم الاخير وضعت عليهم النرجس الجبلي والياسمين وهمست في اذنهم وقلت لهم … ناموا يا فلذات اكبادي وارتاحوا من مخالب الوحوش وسمومهم …
ناموا بهدوء …
واعطيتهم براءة هادي العلوي الذي عاهدنا ان لا يشرب نخب الامجاد الوهمية لجيوش العصر الحجري …و كان مشمئزا من الطيار ومن حكم الذئاب البشرية …. و بكيت معه لاننا لم نملك غير البكاء ….
يا لهذا القدر البائس …
لقد كتب لي ان ابقى كشاهدة في هذا العالم المحتال وارى ما لا يتحمله العقل والضمير …
سوف احفر قبري ولكن في داخلي …
لاني اريد ان اقف بصمت حزين امام الذين يذرفون دموع التماسيح علينا ….واقول لهم كفاكم دجلاً وخداعاً و كذب ….
فجاة رفعت حلبجة يديها المحروقتين بالمبيدات الى السماء ونظرت بعينيها الجميلتين الى تلك الغيوم التي كانت شاهدة على جريمة العصر في يوم 16 اذار وقالت بصوت خافت ….
الهي …لا اريد شيئأ …اكثر من ان تلعن كل من سبب بحرقنا…
وان لاتنصر كل الذين اصيبوا بفساد الفكر والاخلاق والقيم
اهذا كثير عليّ وعلى اطفالي يا الهي ؟
اخيرا … قلت لها
حلبجة ….
رغم زمن القحط المخنوق وطمس الحقائق وخلط الاوراق …..
رغم الصمت و زمن المساومة والخداع ….
سيبقى الفرق بين الضحية والجلاد …
يبقى الفرق بين القاتل والمقتول ..
بين الطيار وضحاياه …..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الكلمات للراحل الشاعر محمود درويش …
1 ـ حسب الوثائق التي حصلت عليها جريدة هاولاتي (المواطن (ان الطيار اسمه طارق رمضان بكر ومعروف ب (ابو زياد) , من مواليد 1958 وهو من عشيرة العزاوي … وانه متهم في قضية جريمة حلبجة التي تعرضت الى القصف بالسلاح الكيمياوي والمبيدات القاتلة في 16 اذار عام الانفال من قبل النظام العراقي البائد والتي راح ضحيتها الالاف من الابرياء , جدير ذكره بعد 20 سنة من وقوع الكارثة الاّ ان اثارها باقية وشاخصة على الاجساد والاذهان والبيئة وستبقى الى امد بعيد حسب التقارير الطبية المحلية والدولية …
2 ـ اعلن اللواء سيف الدين علي احمد مدير (عام الاسايش) ﻠ (الشرق الاوسط) بان الطيارالمتهم هرب من السجن ولم يتم اطلاق سراحه بامر من الرئيس العراقي …! …
اعتقد بان تصريح اللواء لا يحتاج الى تعليق …!!