الرئيسية » مقالات » القرار 1860 والموقف الإسرائيلي..!

القرار 1860 والموقف الإسرائيلي..!

“إسرائيل عملت وتعمل فقط بموجب
اعتباراتها الأمنية وحقها في الدفاع عن النفس”.
تسيفي ليفني

بهذه العبارة المقتضبة عبرت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني عن ردة فعلها على قرار مجلس الأمن المرقم 1860 الصادر فجر يوم الجمعة 9/1/2009 والقاضي بالوقف الفوري لإطلاق النار في غزة..! (*)


ليس مهماً بالنسبة للسيدة ليفني بعد ذلك، ماذا كانت عليه خلفية قرار مجلس الأمن المذكور والأسباب التي دفعت الى إتخاذه بعد معركة حامية على الصعيد السياسي بين وفد الجامعة العربية بما فيهم الممثل الفلسطيني، وبين الجانب الداعم لإسرائيل المتمثل بالموقف الأمريكي، الذي كان الوحيد الذي إمتنع عن التوقيع على القرار بعد الجهود الكبيرة التي بذلها الجانب العربي لتمرير القرار..!؟


لست هنا في معرض مناقشة تفاصيل قرار مجلس الأمن وما سُجل عليه من مآخذ وما يمكن أن يترتب عليه أو ترتب من ردود فعل متباينة من قبل الأطراف المتنازعة، ولكنني أود القول بأن القرار المذكور في محصلته النهائية، ورغم كل نقاط الضعف الممكن تسجيلها عليه، إنما مثل على صعيد الدبلوماسية العربية بما فيها الشرعية الفلسطينية، ما يمكن أن يكون تعبيراً عن موقف موحد لهذه الدبلوماسية من مسألة الموقف من وقف العدوان على غزة، وهو في تقديري أضعف الإيمان، أو على أقل تقدير لا ينبغي التقليل من أهميته في ظل الإنقسام العربي عموماً والإنقسام الفلسطيني بشكل خاص، على الرغم من محاولة السيدة ليفني أن تُجير القرار المذكور كنجاح لمصلحة السياسة الإسرائيلية العسكرية في غزة كما توحيه عبارتها المقتضبة أعلاه..!؟


حاولت السيدة ليفني من خلال إجمالها لموقفها من قرار مجلس الأمن رقم/1860 /2009 الإيحاء للمجتمع الدولي بأن العالم يقف الى جانبها في ما قامت به من مجزرة دموية بربرية عاتية بحق شعب غزة الفلسطيني، جاوز ضحايها الأربعة آلاف بين شهيد وجريح، ناهيك ما لحق بالقطاع من خراب وتدمير، لترسل للعالم رسالة توحي من خلالها بأن قرار مجلس الأمن لا يعني سوى وقف الإرهاب المسلط على إسرائيل، وبالتالي فإن كل ما أقدمت عليه إسرائيل إنما يدخل تحت ما أسمته السيدة ليفني “إعتباراتها الأمنية وحقها في الدفاع عن النفس” محاولة تفسير ذلك، بأن القرار المذكور قد منحها سلفاً حق إبادة الشعب الفلسطيني وتدمير بناه التحتيه وإخضاعه قسراً للقبول بواقع الحصار والإحتلال..!؟؟


ومن هذا المنطلق يمكن تفسير موقف إسرائيل السلبي من القرار، وإستقباله بالرفض والغضب، كما عبر عن ذلك وزير الصناعة والتجارة والأشغال الإسرائيلي إيلي يشاي، حين قال: إن “العالم أصبح إلى جانب حماس وإسماعيل هنية”. وأضاف أن هذا القرار سيبقى على الورق فقط، وأن المصلحة الإسرائيلية هي الأهم.” (**)


وهذا ما يفسر لنا أسباب تمادي إسرائيل في حملتها العسكرية الهمجية ضد شعب غزة، ومواصلتها القتل والتدمير دون توقف، متحدية بذلك إرادة المجتمع الدولي، برفضه للعدوان، وإحتجاجه وإستنكاره للجرائم التي تقترفها الآلة العسكرية الإسرائيلة بحق المدنيين، والتي آخرها قصف الملاجيء التابعة للأمم المتحدة (الأونروا) في غزة وسقوط عشرات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ، والتي قوبلت بإستنكار ورفض السكرتير العام للأمم المتحدة السيد (بان كي مون) لهذا العدوان..!؟


كما تحاول الدعاية والإعلام الإسرائيلي من جانب آخر، صرف الأنظار عن حقيقة العدوان الذي تشنه على شعب غزة، وتحاول إلقاء أسبابه وتبعاته على الشعب الفلسطيني، مستخدمة لذلك، ردود الفعل الرافضة التي إظهرتها حركة حماس ومن يؤيدها من بعض الفصائل الأخرى على القرار المذكور، وتصريحات قادتها بأن “الأمر لا يعنيهم”، لتجعل منها مبرراً جديداً لمواصلتها العدوان، ولتحاول إقناع المجتمع الدولي بإحقيتها فيما إقدمت عليه من شن العدوان والإستمرار فيه والتعتيم والتستر على بواعثه والخطط العسكرية المهيأة مسبقاً لتنفيذه..!؟


الأمل أن يدرك السياسيون من قادة حماس ومن قادة الفصائل الفلسطينية الأخرى هذه الحقيقة، وأن يجنبوا الشعب الفلسطيني، المذبحة التي تنفذها إسرائيل بحقه في غزة، وأن يدركوا بأن إسرائيل ليس بإمكانها أن تنجح في تمرير خططها، إذا ما كانت الكلمة الفلسطينية موحدة..!

فقرار مجلس الأمن بفقراته العشر والذي أكدت الفقرة الأولى منه على:

1 – يدعو إلى وقف فوري ودائم لإطلاق الناريحظى بالاحترام الكامل ويفضي
إلى الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من غزة، ويشدد على الحاجة الملحة لهذا الوقف لإطلاق النار؛


إن هذا القرار، ورغم عدم تحقيقه كل ما يصبو اليه الشعب الفلسطيني في الظروف الراهنة، فإنه وعلى أقل تقدير، يجعل الطريق مفتوحاً أمام نضال هذا الشعب في توحيد صفوفه، ووقف نزيف الدم الدائم، ويقطع الطريق أمام إسرائيل لتحقيق مآربها، ويسحب البساط من تحت أقدامها، إذا ما تحقق موقف موضوعي واقعي من قبل حماس ومؤيديها من قرار مجلس الأمن، مقرون بقراءة صحيحة لواقع الحال، تنتهي بوحدة الصف الفلسطيني، وتسهم في وقف المجزرة الدموية الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني؛ فهل ستدرك الفصائل الفلسطينية على مختلف مشاربها ذلك..؟؟!


وعلينا أن نؤكد القول ، بأن الرفض الصادر للقرار من قبل إسرائيل، هو ليس بنفس مستوى الرفض الذي تعلنه حماس من القرار بالنسبة للشرعية الدولية وميثاقها الأممي، فالرفض الإسرائيلي هو بمثابة عدم إلتزام لرفض قرار أممي من قبل دولة عضو في الأمم المتحدة، ولكون القرار صادراً وفقاً للفصل السادس من الميثاق، فهو غير ملزم بالنسبة لها بالتنفيذ، طالما تجد فيه ما لا يحقق مصالحها، أما رفض حركة حماس للقرار المذكور، فهو في هذه الحالة لا يخدم إلا مصلحة إسرائيل في التشبث بالرفض، معللة ذلك بإستمرار ما تسميه “إرهاب حماس” ، مستفيدة من كون حركة حماس لا تشكل شرعية فلسطينية في الوقت الحاضر، أو أن لها كيان دولة معترف بها دولياً، في نفس الوقت الذي تدرك فيه إسرائيل حقيقة الوضع الإستثنائي في قطاع غزة، وإنفراد حركة حماس بالسيطرة عليها خارجاً عن الشرعية الفلسطينية من جهة، وعدم إقرار الحالة القائمة في غزة من قبل الشرعية الدولية من جهة أخرى..!؟ هذا في الوقت الذي تعتبر فيه السلطة الفلسطينية القائمة في رام الله حالياً الممثل الرسمي للشرعية الفلسطينية المعترف بها دولياً، وهي الجهة الممثلة حالياً من خلال السفير الفلسطيني في الأمم المتحدة..!


خلاصة الأمر فإن مصلحة الشعب الفلسطيني في ظل المجزرة الإسرائيلية القائمة في غزة الآن، تكمن في توحيد صفوفه وراء سلطته الشرعية الموحدة، والممثلة له شرعياً على الصعيد الدولي، وبالتالي فهي السلطة الوحيدة التي يمكن أن تأخذ على عاتقها التمسك بتنفيذ قرار مجلس الأمن، وإلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ومن خلال هذه الشرعية نفسها، وهذا ما ينبغي أن تدركه كافة الفصائل الفلسطينية، وأن تعمل من أجله لتحقيق وحدة الصف الوطني وبناء حكومة الوحدة الوطنية، لقطع الطريق أمام كافة محاولات شق تلك الوحدة..!


المهم الآن تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي وإن جاء متأخراً، ووقف العدوان، كما عبر عن ذلك السيد د. سلام فياض رئيس الوزراء الفلسطيني، لتجنيب شعب غزة الكارثة الإنسانية الماحقة التي تنفذها إسرائيل..!(***)
___________________________________________________
(*) http://www.un.org/arabic/sc/SCRes09.htm
(**) http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=137356
(***) http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=137436