الرئيسية » مقالات » قرار حكم -قصة لفرانك كافكا

قرار حكم -قصة لفرانك كافكا

ترجمة:جاسم الولائي


كانت ظهيرة يوم أحد، حيث الربيع في أجمل صوره. جورج بيندامان، تاجر شاب، يجلس في غرفته بالطابق الأول في واحد من المباني الخفيضة البسيطة المحاذية للنهر في شريط طويل يشكل مشهداً طويلاً، ينفصل حين يدخل إلى المشهد مرتفع أو لون. كان قد انتهى في التو من كتابة رسالة إلى صديق طفولته الموجود خارج البلاد. بهدوء وقليل من المزاج ألصق المظروف وأخذ يحدق وهو يسند مرفقيه على طاولة الكتابة، يحدق في الخارج من خلال النافذة بعيداً نحو النهر، الجسر والتلال المغطاة بخضرة شفافة نامية في الجهة الأخرى من النهر.
انجذب إلى الذكرى. كيف هي حال صديقه، أهو مستاء كما كانت حاله هنا قبل انتقاله إلى روسيا بسنوات عديدة. في بيترسبورغ أدار شركة تطورت بشكل حسن في بدايتها، لكن وبعد فترة طويلة بدت الشركة وكأنها ركدت، لدرجة اعتاد الصديق على الإكثار من الشكوى من هذه الحال في زياراته النادرة. كفاحه في بلاد الغربة كان دون جدوى أيضاً. اللحية الغريبة التي تغطي وجهه تخفي بمقدار ما الوجه الذي عرفه جورج منذ أيام الطفولة، وبشرته الصفراء الشاحبة تشي بأن الصديق كان يعاني من مرض خفي. من خلال ما رواه بنفسه لم تكن له أية صلة بمواطني تلك البلاد ولا بالأسر بين السكان المحليين. لذلك توقف عن أن يكون شاباً.
ماذا يكتب المرء لرجل اكتشف بنفسه وبصورة جلية أنه في منزلق، لدرجة يكون بمستطاع المرء أن يأسف فقط وليس بمستطاعه أن يساعد ويغيث. ربما على المرء أن ينصحه بالعودة مجدداً إلى وطنه، أن ينصحه بأن يقفز فوق عمله ومصالحة متخطيها إلى وطنه. أن يعيد مجدداً كل روابطه القديمة – لا شيء يمنعه عن ذلك- وأن يستأمن البقية، أصدقاءه؟ لكن ذلك سوف يعني أن يقول له –وكلما كان رقيقاً في القول كلما كان جارحاً أكثر- : إن تعبه وجهده كان حتى الآن مجرد عبث، وعليه أن ينهض في النهاية، عليه أن يعود وأن يفتح فمه دهشة كمن فقد ابناً عاد إليه تواً، أن أصدقاءه هم فقط من يفهمون، وأنه كان طفلاً كبيراً، عليه بكل بساطة أن يصحح نفسه اقتداء بهؤلاء الأصدقاء الذين فضلوا البقاء في وطنهم وحصدوا النجاحات. هل من المؤكد أن ذلك هو ما دفعه لأن يتعرض لكل تلك المكاره؟ ربما لا يجد ما يغريه للعودة إلى الوطن. لقد قال بنفسه إنه لم يعد يفهم معنى العلاقات في بلاده. ربما سيبقى في الخارج. مرارة النصائح التي قُدمت إليه أشد من مرارة العزلة عن أصدقائه. من جهة ثانية فإنه إذا ما تبع نصائح الأصدقاء وعاد فسيصبح خائب الظن حزيناً –دون قصد بطبيعة الحال، إنما بسبب تلك العلاقات الحميمة الحقيقية- ولن يجد نفسه بين أصدقائه بشكل حقيقي بمعنى المشاركة الحقيقية، كذلك فإنه لو استحيا واعتقد الآن أنه يفتقد وطنه وأصدقاءه، وقتها لن يكون من الأفضل إن يبقى خارج الوطن وأن يستمر وضعه كما هو عليه؟ هل يمكن للمرء أن يتصور أنه وتحت ظروف كهذه سيتمكن من أن يجد مستقبله هنا؟
مع كل اعتبار لما يمكن للمرء تحقيقه، إذا ما أراد المرء وبشكل تام أن يستمر في المراسلة، أن لا يحكي مثل هذه الأمور وإنما يستمر في مواصلة الصداقات البعيدة من جديد. قبل أكثر من ثلاث سنوات كان الصديق في بلده وقد قدم تفسيراً مهماً لهذا من خلال الإشارة إلى العلاقات السياسية المبهمة المحفوفة بالمخاطر في روسيا، تلك العلاقات حسب رأيه، أنهم لم يسمحوا لمالكي الشركات الصغيرة أن يتركوا أماكنهم إطلاقاً حتى لفترة قصيرة، تكون الحال في ذات الوقت مثل حال مئات آلاف الروس الذين لا يبالون بالسفر حول العالم. بالنسبة لجورج فإن الكثير سيتغير مع ذلك خلال هذه السنوات الثلاث. موت والدة جورج قبل حوالي عامين –عاش جورج بعدها مع والده العجوز- وقد عرف الصديق بهذا الأمر، وعبر عن وده بنبرة كانت رسمية للغاية، معبراً عن أسفه لما حدث. وكأنه مثل أي صديق بعيد لا يمكنه أن يتخيّل مقدار الألم الذي تتركه حادثة كهذه تصيب الأقربين. بعد ذلك حصل جورج على شركته كالآخرين. ربما كان والده منذ كانت والدته في الحياة، من خلال رغبته في إدارة الشركة وتنظيمها بنفسه قد منعته من أن يصلح شيئاً ما، ربما انسحب والده قليلاً عقب وفاة والدته، رغم أنه مازال يدرك العمل في الشركة ويقوى عليه. ربما لعبت –وهذا محتمل- تلك الأوقات الزاهرة دوراً كبيراً إلى حد بعيد. على كل حال عاشت الشركة نمواً غير متوقع خلال هذين العامين، بحيث اضطروا لمضاعفة قدرات الموظفين، المبيعات تضاعفت خمس مرات والنجاحات الإضافية كانت متوقعة دون أدنى شك.
مع ذلك لم يكن الصديق يعرف أي شيء عن هذا التغيير. وفي وقت مبكر –آخر مرة وكان ذلك على الأرجح في رسالة المواساة- حاول أن يقنع جورج بأن يسافر إلى روسيا، لقد تحدث بتفاؤل وتفصيل كيف كانت شروط العمل جيدة ومتاحة بشكل واسع في بيترسبورغ، خصوصاً في مجال النشاط الخاص بجورج. مع ذلك كانت الأرقام ضئيلة إذا ما قارنها المرء بمبيعات شركة جورج في الفترة الأخيرة. لم يرغب جورج في أن يكتب لصديقه عن نجاحاته في أعماله، وإن فعل ذلك تدريجياً فإنه دون شك سيترك تأثيراً كبيراً. دائماً ما كان جورج يتقيّد في الكتابة لصديقه بحيث يكتب عن الأحداث التافهة رخيصة الكلفة التي تقفز إلى الذاكرة حين يجلس المرء في أحد الآحاد ليفكر في مزاج رائق وهادئ. الشيء الوحيد الذي كان يريده هو أن يترك صديقه يحتفظ بصورة بلاده التي كان قد صنعها له في وقت سابق، بعد ذلك شد رحاله مغادراً إياها. فقد حدث على سبيل المثال أن جورج وفي ثلاث من رسائله كتبها في فترات متباعدة كان قد أخبر صديقه بأن شخصاً غير مهم على الإطلاق قد أعلن خطبته على فتاة لا تقل عنه في هامشيتها، حتى بدا الصديق –على خلاف ما كان يقصده جورج- يتحول إلى الاهتمام والانجذاب إلى مثل هذه الأحداث والقصص العجيبة.
لكن جورج كتب كثيراً لصديقه عن بعض الحوادث الحقيقية. كتب أنه قبل شهر خطب فتاة من عائلة موسرة، وهي بالتحديد “فريدا براندنفيلد” كان يتحدث في الغالب مع خطيبته عن الصديق وعن بعض الرسائل الشاذة التي يحتفظ بها وإياه.
– كذلك فإنه لم يحضر حفل زفافنا، قالت الخطيبة. لكنني مع ذلك لي الحق في أن أتعرف على كل أصدقائك.
– لا أريد مضايقته، أجاب جورج. افهميني جيداً، ربما سيأتي، هذا ما اعتقده على الأقل، لكنه سيشعر بالألم والضيق، سيكون مزاجه رديئاً بالتأكيد، وحين لا يتمكن من التصالح مع مزاجه السيئ والتحرر منه فإنه سيسافر وحيداً عائداً إلى بيته.. وحيد، هل تدركين معنى ذلك؟
– نعم، لكن لا يمكن التفكير بأنه سيسمع من يتحدث عن حفل زفافنا بطريقة أخرى.
– لا أستطيع منع ذلك بلا شك، لكن مع التفكير في الكيفية التي يعيش فيها، فإن ذلك سيكون احتمالاً ضعيفاً.
– إذا كان لديك مثل هؤلاء الأصدقاء، فحري بك أن لا تخطب إطلاقاً جورج.
– هذا ما سنعالجه معاً نحن الاثنين، لكن الآن لا أريد أن لا يكتمل ما بيننا.
وحين اعترضت –بينما كان يقبلها كانت تتنفس بسرعة واضطراب- إن هذا يجرحها، حينها اكتشفت أنه ورغم كل شيء ليس مرغماً على الكتابة لصديقه وليس مرغماً على أن يخبره بكل شيء. “عليه أن يقبلني كما أنا” كان يفكر. “ليس بإمكاني أن أعيد صنع نفسي إلى شخص يبدي اهتماماً أكبر بصداقاته”.
في رسالته الطويلة كتب ظهر ذلك الأحد مخبراً صديقه عن خطوبته بهذه الكلمات: “الخبر الأسعد الذي احتفظت به للأخير، أنني أعلنت خطوبتي لفريدا براندنفيلد، وهي فتاة من أسرة ثرية تقيم هنا منذ فترة طويلة بعد أن سافرت أنت، وإنك بالكاد تستطيع معرفة هذه العائلة. ستتاح لي بالتأكيد مناسبة لأحدثك أكثر عن خطيبتي وبشكل تدريجي، لكنك اليوم يمكن أن تسعد بأنني سعيد ومحظوظ والشيء الوحيد الذي تغيّر بيننا هو أنك بدل أن تحظى بصديق عادي جداً ستحظى بصديق ناجح وسعيد. كذلك فإنك ستكون بالنسبة لخطيبتي –بالمناسبة إنها تخصك بتحياتها القلبية وستكتب لك عما قريب- صديقاً حقيقياً. وهو أمر لا يمكن إهماله بالنسبة لرجل شاب. أعرف أن هناك كثيراً مما يمنعك عن زيارتنا، لكن ألا يمكن أن يكون حفل زفافنا مناسبة حقيقية لأن تتجاوز كل الموانع؟ في كل المناسبات ستقوم بالطبع بما تجده مناسباً ولا تهتم بالاعتبارات الأخرى.
كان جورج قد جلس فترة طويلة عند طاولة الكتابة والرسالة في يده ووجهه نحو النافذة. يمر صديق في أسفل الجادة ويحييه. لكنه لا يحصل على أكثر من ابتسامة حائرة رداً على تحيته.
أخيراً وضع الرسالة في جيبه، غادر غرفته واتجه مباشرة إلى غرفة والده عبر صالة صغيرة لم يدخلها منذ شهور. في الأحوال العادية لم يكن لديه أي سبب للذهاب إلى غرفة أبيه، لأنه كان يلتقي أبيه بصورة دائمة في العمل وقد اعتاد أن يتناول وجبة غدائه بصحبة أبيه في أحد المطاعم. في المساء يجلس أي واحد منهما في أي مكان، لكن رغم ذلك كانا في الغالب يجلسان فترة مع جريدة “فارسين” في غرفة الجلوس المشتركة، إذا لم يكن جورج بصحبة أصدقائه وقتها أو في زيارة لخطيبته.
غلبت الدهشة على جورج بسبب العتمة في غرفة أبيه في مثل هذا النهار المشرق. مثل هذه الظلال التي ألقت بنفسها على السور العالي من الجهة الأخرى من الحديقة الضيقة. كان الأب يجلس عند النافذة يقرأ الجريدة في زاوية أشبه بصومعة تذكره بزوجته الراحلة. كان يمسك الجريدة مائلة أمام عينيه ليعوض عن ضعف بصره. على الطاولة ثمة بقايا من وجبة الإفطار، الذي لم تعد لديه الرغبة في أن يتناول شيئاً منه.
– آه جورج، قال والده، وتقدم إليه على الفور. معطفه الليلي الثقيل كان مفتوحاً يرفرف حوله حين تقدم –أبي ما يزال رجلاً عملاقاً- فكّر جورج.
– ظلمة مرعبة، لديك في هذا المكان، قال.
– نعم، على الأرجح أنها دائمة الظلمة، أجاب الأب.
– وقد أغلقت النافذة؟
– أفضّل أن تكون هكذا.
– لكن الطقس دافئ تماماً في الخارج، قال جورج كإضافة بسيطة لما قاله قبل قليل وجلس.
رتب الأب المائدة وحمل صينية الإفطار ووضعها على أحد الرفوف. كان يتابع ساهياً حركة الرجل العجوز.
– إنني رغم كل شيء كتبت إلى بيترسبورغ وتحدثت عن خطوبتي.
سحب المظروف قليلاً من جيبه، ليُظهر جزءاً صغيراً منه، ثم تركه لينزل ثانية في الجيب.
– إلى بيترسبورغ؟ لماذا؟ سأل الوالد.
– إلى صديقي طبعاً، قال جورج وحاول أن يلتقي لحظة بعيني والده. “في التجارة إنه يختلف تماماً” فكر جورج “لكنه هنا يجلس مصالباً ذراعيه ويسترخي”.
– طبعاً.. نعم إلى صديقك، قال الأب ضاغطاً على الكلمات.
– تدرك يا والدي بالطبع، أنني لم أفكر في البداية أن أخبره بأي شيء عن الخطوبة. لتقديري الشديد لا لشيء آخر. إنك نفسك تدرك أن من الصعب عليه أن يشقى. فكرت أنه يمكن أن يهتم بشيء آخر غير خطوبتي –هذا ما لا أستطيع منعه، لكن ذلك من جهة أخرى ليس أمراً معقولاً مع حالة الوحدة التي يعيشها- لكن وفي كل الأحوال ينبغي أن لا يسمع هذا الأمر إلا مني.
– والآن تغيّرت؟ سأل الأب وهو ينحي الجريدة عنه واضعاً إياها على حرف النافذة. فوق الجريدة وضع نظارتيه اللتين كان يخفيهما في يده.
– نعم، لقد تغيرت الآن. إذا كان صديقي حقاً، فكرت. فسيكون ذلك مناسبة سعيدة بالنسبة له أيضاً، لأنني خطيب سعيد، لذلك لم أتردد طويلاً في أن أقص عليه. لكن قبل أن أضع الرسالة في البريد أردت أن أخبرك بهذا الأمر.
– جورج، قال الأب كاشفاً فمه الخالي من الأسنان. اسمع مني الآن! لقد أتيت لتطلب نصيحتي في هذا الموضوع، وفي ذلك مدعاة فخر بالنسبة لك بالتأكيد. لكن لو كان كل ما قلته لي ليس هو الحقيقة كلها، فلا قيمة لكل ما فعلت، كل ما قمت به هو أقل من لاشيء. لن أقول أشياء لا تُسمع هنا. بعد أن رحلت أمنا الحبيبة حدث أمر لم يكن جميلاً، أمر لبشاعته لا يطيق المرء النظر إليه، ربما أصبحت الوقت مناسباً للحديث عنه أيضاً، ربما كان فيه بعض الشك قبل الآن. ثمة الكثير كنت أغض النظر عنه في الشركة. ربما لم يكن هذا الكثير مخيفاً بالنسبة لي. لا أريد أن أدعي بطريقة ما أنه كان خفياً علي، لكنني على الأرجح لم أعد قوياً. ذاكرتي تزداد سوءاً، لم يعد بمستطاعي الإحاطة بكل الأجزاء والتفاصيل، أولاً: لأن ذلك هو أمر طبيعي وكان سيحدث مرة من المرات، وثانياً: لأن موت أمك ترك فيّ إصابة بالغة أكثر مما أصابك أنت. لكن حين أصبحت موضوع حديث –أعني رسالتك- لذلك أطلب منك أن لا تخدعني جورج! ليس ذلك بالأمر المهم، ولا يستحق الحديث مرة أخرى، لذلك لا تخدعني! كيف هي أحوال ذلك الصديق في بيترسبورغ؟
نهض جورج مرتبكاً.
– نحن نهمل أصدقاءنا. ليس بمقدور ألف صديق أن يعوضوا والدي. هل تعرف ما أفكر فيه؟ عليك أن تكون أكثر حرصاً على نفسك. العمر يأخذ حقه. صحيح أن وجودك بالنسبة لي هو أمر ضروري لا يمكن الاستغناء عنه في الشركة، إنك تعرف هذا جيداً، لكن حين تغامر الشركة بصحتك، أعيدها إلى وضعها الصحيح في صباح اليوم التالي. هذا الوضع لا يستقيم. يجب أن نضع عنايتنا من أجل تغيير أسلوب حياتك إلى الأفضل. إنك تجلس هنا في الظلمة، في الوقت الذي عليك أن تتمتع بالنور والراحة في غرفة الجلوس. تأكل بعض الفتاة في الفطور بدل أن تأخذ كفايتك من الطعام وبشكل منتظم. تجلس هنا خلف نافذة مغلقة، حين يكون قليل من الهواء النقي كفيلاً بأن يجعلك في حالة جيدة ومزاج طيب. لا يا أبي سآتي بالطبيب، وسأتبع بعد ذلك وصفته وتعليماته، سنغيّر الغرف، ستعيش أنت في الغرفة المطلة على الجادة وسأنتقل أنا إلى هذه الغرفة. ليس ذلك انقلاباً كبيراً بالنسبة لك. ستأخذ معك كل حاجياتك. لكننا نستطيع نقلها شيئاً فشيئاً وبالتدريج. اذهب واسترح قليلاً، إنك تحتاج في الحقيقة إلى بعض الراحة. تعال.. بمقدوري أن أساعدك في التخفف من ملابسك، سترى أن الأمر سيصبح في حال أفضل. أو ربما ترغب أن تنتقل على الفور إلى الغرفة الثانية، في هذه الحال يمكنك أن تستلقي فوق سريري، كذلك فإن هذا هو الأفضل.
وقف جورج تماماً قرب والده الذي مال برأسه ذي الشعر الأشيب المتشابك أسفل نحو صدره.
– جورج، قال الأب بصوت خفيض ودون أن يتحرك.
على الفور جثا جورج على ركبتيه أمام أبيه ونظر في بؤبؤيه الواسعين المصوبين نحوه من زاويتي العينين في الوجه المتعب للأب.
– ليس لديك أي صديق في بيترسبورغ. لقد كنت على الدوام سوقياً غشاشاً، وليس لديك ما يدفعك لأن تمزح معي. كيف يكون لك صديق هناك؟ ببساطة شديدة هذا ما لا أصدقه على الإطلاق.
– لكن.. تأمل يا أبي، قال جورج، رفع والده عن الكرسي ووقف جانباً، حين وقف هناك بكل ضعفه، انتزع عنه المعطف الليلي.
– صديقي موجود بالطبع، وقد زارنا هنا قبل ثلاث سنوات. مازلت أذكر أنك لم تكن تميل إليه. مرتين على الأقل كنت قد أنكرت أمامك أنه كان يجلس في غرفتي كل الوقت. كنت قد أدركت حقيقة محددة وهي شعورك بالنفور منه، وهذا طبيعي فقد كان قليل الشأن. لكن بالتدريج ستكون على وفاق معه. كنت فخوراً للغاية حين كنت تصغي وتهز رأسك وتوجه إليه الأسئلة. إذا فكرت بتملٍّ فسوف تتذكّر ذلك. كان يتحدث بأشياء مزعجة عن الثورة الروسية. على سبيل المثال، حين كان في كييف في رحلة العمل وارتباطاً بحالة الاضطراب والفوضى وثورة الشعب هناك صار شاهداً على حادثة وقف أحد القسس فيها في شرفة وحفر صليباً دامياً كبيراً في ذراعه ثم رفع تلك الذراع وتحدث إلى جمهرة من الناس. لقد كنت شخصياً تعيد هذه الحكاية أحياناً.
خلال الوقت نجح جورج في إعادة أبيه إلى الكرسي مجدداً، وانتزع عنه بعناية الجوربين وسروال الحياكة الذي يرتديه فوق ملابسه الداخلية. اكتشف أن ملابس الأب الداخلية لم تكن نظيفة تماماً. لام نفسه لأنه أهمل والده. كان ذلك ذنبه بالطبع أنه لم يهتم بتغيير الملابس الداخلية لأبيه.
حتى تلك اللحظة لم يكن قد ناقش خطيبته عما سيفعلانه مع والده في المستقبل. لأن ذلك كان مفهوماً بأنه سيعيش وحيداً في الطابق القديم. لكن وعلى الفور قرر بشكل قاطع أن يسمح لوالده بالانتقال معهما إلى بيتهما الجديد. إذا ما نظر المرء إلى التقاليد نظرة متأملة سيجد أن الرعاية التي يوليها المرء لأبية ستأتيه خيراً فيما بعد.
احتضن أباه وحمله إلى السرير. بينما كان يحمل أباه وبعد عدة خطوات أحس وبشكل مفاجئ بتأثر بالغ حين لاحظ أن الأب كان يداعب سلسلة الساعة المعلقة على صدره. كان الأب يمسك بالسلسلة بقوة بحيث لم يستطع جورج إنزاله إلى السرير.
لكنه نزل إلى السرير بصعوبة قبل أن يعود كل شيء هادئاً وسعيداً. توقف وسحب الغطاء فوق كتفيه. رفع الأب نظره إلى جورج، ليس بقسوة تماماً.
– إنك تتذكر تماماً، أليس كذلك؟ سأل جورج وهزّ برأسه مشجعاً.
– هل أنا في فراش مرتب الآن؟ سأل الأب وكأنه لا يستطيع أن يلاحظ أن الغطاء قد غطى حتى قدميه.
– من الرائع أن تستلقي، قال جورج وعدل من وضعه بشكل أفضل.
– هل أنا في فراش مرتب الآن؟ كرر الأب، وترقب الجواب بيقظة ووضوح شديدين.
– فقط اهدأ، إنك تنام بشكل جيد.
– كلا.. صرخ الأب بحيث بدا وكأن السؤال والجواب قد اصطدما ببعض.
دفع عنه الغطاء بقوه بحيث طار في الهواء بلمح البصر، ووقف معتدلاً فوق السرير. وقف واستند بواحدة من ذراعيه إلى السقف.
– اعتقدت أنك تريحني في النوم، أنا أعرف كل شيء أيها الابن العاق سيئ السلوك، لكنني لم أكن بعد قد استرحت في الفراش، ولم تغطني بما فيه الكفاية. وحتى لو كانت قواي قد تناقصت، فإنها ستكون كافية على الأرجح لأن أواجهك بها. أتذكّر صديقك بوضوح. كاد أن يكون ابناً لي. لذلك كنت تخيّب أمله كل تلك السنين، لماذا؟ أتعتقد أنني لم أبكِ من أجله؟ لذلك كنت تغلق على نفسك في المكتب –ممنوع الإزعاج، رئيس العمل مشغول- لتستطيع كتابة رسائلك الكاذبة إلى روسيا. لكن ولحسن الحظ لا أحد بحاجة لأن يعلّم أباً كيف يكتشف ابنه. والآن وحين تعتقد أنك حصلت على موقعاً يمكن أن تجلس فيه دون أن يتحرك تحتك، صار بإمكانك أن تقرر الزواج أيها السيد الابن.
رفع جورج نظره محدقاً في وضع أبيه وهو في ثورته المخيفة. التفكير في الصديق في بيترسبورغ، الذي تذكره الأب فجأة وبصورة جيدة، فهم كما لم يفهم سابقاً على الإطلاق. رآه وحيداً مهجوراً في روسيا البلد الهائل الجبار. رآه عند باب ذلك المحل المنهوب الخالي. رآه بالكاد يتحامل على نفسه واقفاً بين الرفوف المحطمة والبضائع المدمرة المتناثرة وشظايا الزجاج المبعثرة. لماذا احتاج أن يأخذ نفسه ويسافر بعيداً هكذا؟
– لكن، أنظر إلي! صرخ الأب فاندفع جورج نصف غائب متقدماً نحو السرير لكي يتمكن من أن يستوعب كل شيء، لكنه توقف في منتصف الطريق.
– فقط عندما رفعت تنورتها، بدأ الأب يسجع. فقط من أجل ذكر الإوز تُرفع التنانير هكذا، فقط من أجل أن تعرف ما أقصده. رفع القميص بحيث يرى المرء الجرح الذي أصاب فخذه في الحرب.
– لأنها رفعت التنورة هكذا وهكذا وهكذا، بدأت تتعلّق بها، ومن أجل أن تستطيع إرضاء رغباتك ودون انقطاع، أهنت ذكرى أمك، خيّبت رجاء صديقك ووضعت أباك في السرير، بحيث يفقد القدرة على الحراك، لكنه مازال بمقدوره أن يتحرّك، وإلا ماذا؟
وقف الأب وأخذ يرفس برجليه دون أن يستند إلى شيء. الوجه المنتصر تواً بدا بكل شخصيته وألقه.
وقف جورج في زاوية بعيداً عن والده ما أمكنه. بعد ذلك قرر أن يكون يقظاً لكل ما يحدث، بحيث لا يصبح بأي شكل مطوقاً ومحاصراً، فيُؤخذ على حين غِرّة من الأعلى أو من الخلف. كان سيفكر في غايته القديمة، لكنه نسيها على الفور، سقطت منه كما ينسل الخيط من عين الإبرة.
– لكن صديقك رغم كل ما فعلت لم يكن مخدوعاً، صرخ الأب وعزز قوله بأن لوح بسبّابته. لقد كنت أنا نائبه هنا، في هذا المكان.
– مهرج، استطاع جورج أن يمسك نفسه عن الصراخ.
فهم على الفور ما الذي رتبه الأب له، لكن بعد فوات الأوان. كانت نظرته شبيهة بالزجاج. ثقل لسانه بحيث انطوى وتداعى من الألم.
– نعم.. كنت مهرجاً بالتأكيد. مهرج! كلمة طيبة. بماذا سيتعزى أبوك الأرمل وكيف سيسلو؟ قل لي ماذا واثبت لي أنك حقيقة ابني. في اللحظة التي ستجيب فيها، أي شيء آخر أملك أن أفعله هنا في غرفة الحديقة؟ أطارَد من موظف غير جدير بالثقة، وأحس بالملل والتعب حتى النخاع؟ فيما يصنع ابني قطار انتصاراته ويحركه حول العالم؟ ينجز صفقاته التجارية التي بددتها، يقفز شقلبان من فرط الفرح والسعادة وفي ذات الوقت يظهر أمام أبيه بتلك الذاكرة المتحفظة لرجل شريف؟ ألا تعتقد أنني أحبك؟ أنا، ضرورات أيامك؟
“الآن سينحني إلى الأمام” فكر جورج. “لو أنه يسقط ويصطدم بالأرض ويموت”.
مرت الفكرة برأسه كما الومض.
مال الأب إلى الأمام، لكنه لم يسقط. حين لم يتقدم جورج لإنقاذه خلال الفترة المحسوبة من قبل الأب، عاد الأب واعتدل من جديد.
– ابق في مكانك، لست بحاجة إليك. تعتقد أنك مازلت تمتلك القوة الكافية لتأتي هنا، أو أن تختار البقاء واقفاً هناك. لا تكن واثقاً من هذا ما زلت أنا الأفضل والأقوى. وحدي، ربما كنت مضطراً لأن أستسلم، لكنني بديع، وكل زبائنك هنا في جيبي.
“لديه جيوب في قميصه” فكر جورج. “أعتقد أنه بهذه الملاحظة يمكن أن يكون أضحوكة العالم كله.” لكنه نجح بأن يحتفظ بالفكرة لحظة قصيرة، لأنه طوال الوقت كان قد نسي كل شيء.
– فقط اذهب إلى خطيبتك، لكنكما لو تجرأتما فقط على الاقتراب مني، سأرميها في القمامة قبل أن تسمع كلمة منها.
تغيّرت ملامح وجه جورج وكأنه لم يصدق ذلك. لكي يطمس الحقيقة في ما قاله، أدار الأب رأسه نحو الزاوية حيث يقف جورج.
– كنت في الحقيقة سعيداً حين أتيت وسألت إن كان من الواجب الكتابة لصديقك عن الخطوبة. إنه يعرف كل شيء أيها الأبله، لقد سبق له أن يعرف كل شيء! لقد كتبت إليه، في الحقيقة لقد نسيت أنت أن تبعد القلم والورقة عني. لأنه لم يكن هنا منذ سنوات عديدة، فإنه يعرف كل شيء أفضل مما تعرف أنت مائة مرة. إنه يجعد رسائلك دون أن يقرأها بيده اليسرى، في نفس الوقت كان يقرأ رسائلي باليد اليمنى.
كان متحمساً بحيث كان يلف يده حول رأسه.
– إنه يعرف كل شيء أفضل ألف مرة مما تعرف أنت، صرخ الأب.
– عشرة آلاف مرة! قال جورج ليسخر من أبيه، لكن قبل أن تغادر الكلمات فمه، انتبه الاثنان إلى رنة تنذر بالشؤم.
– منذ سنوات كنت انتظر منك أن تأتي ومعك هذا السؤال! هل تعتقد أنني أفكر في شيء آخر غير هذا السؤال؟ هل تعتقد أنني أقرأ هذه الجرائد؟ أنظر هنا!
ثم ألقى بجريدة حطت بطريقة ما على السرير إلى جورج. جريدة قديمة أسمها مجهول تماماً بالنسبة لجورج.
– لقد انتظرت وتمهلت قبل أن تشعر بنفسك جاهزاً! كان على أمك أن تموت، لم تشهد هذا اليوم السعيد، صديقك كان يندفن في روسيا. قبل ثلاث سنوات كان شاحباً بحيث كان يبدو وكأنه وضع إحدى قدميه في القبر. ومعي أنا كيف ترى الوضع مربك. لديك عينان وترى.
– وأنت أيضاً انتظرت الفرصة لتتأهب ضدي! صرخ جورج.
أجاب الأب بتجاهل ونظرة رثاء:
– هذا ما ستحكيه، هذا ما سيفقس عنك فيما بعد. ليس ذلك في محله الآن.
ثم استمر بصوت حاد:
– الآن وقد عرفت أن ثمة أناساً آخرين غيرك في هذا العالم، حتى هذه اللحظة كنت لا ترى سوى نفسك أنت! كنت طفلاً بريئاً، هذه حقيقة، لكنك الآن وبصدق أصبحت شيطاناً! لذلك ستدرك أنني حكمت عليك بالموت غرقاً!
شعر جورج بأنه مطرود من الغرفة. في طريقه إلى الخارج استطاع أن يسمع صوت ارتطام أبيه وهو يسقط فوق السرير. في السلالم التي كان يهبط منها راكضاً وكأنه فوق منحدر، صادف مديرة المنزل وجهاً لوجه. كانت في التو في طريقها لتنظيف الشقة العليا بعد المساء.
– يا إلهي، صرخت وهي تغطي وجهها. لكنه كان قد تجاوزها.
اندفع متجاوزاً البوابة الخارجية، متقدماً نحو الماء فوق طريق المركبات. كان قد أمسك العصا مثلما يمسك الجائع الطعام. استدار قافزاً مثل رياضي محترف، كأنه في شبابه حين كان محط اعتزاز وفخر والديه. مازال يمسك القبضة بكلتا يديه بقوة وثبات، لكن قبضته أصبحت أضعف. بين أعمدة السياج لمح حافلة. ستصرخ ببساطة لسقوطه.
– والدي العزيزين، لقد أحببتكما دائماً. صرخ باكياً وترك القبضة.
في هذه اللحظة مر في الجوار سيل لا نهاية له من السيارات فوق الجسر.