الرئيسية » مقالات » قصة القصة.. وقصة كافكا مع القصة

قصة القصة.. وقصة كافكا مع القصة

ترجمة وإعداد:

ليلة الـ 22/23 من آب/أوغست 1912، جلس كافكا مثل مسمار خلف طاولة الكتابة. كان ذلك ما بين العاشرة ليلاً والسادسة صباحاً، يكتب بصورة متواصلة قصته “قرار حكم” في الكراسة السادسة من يومياته.
حين انتهى من كتابتها سجل الملاحظة التالية:
بالكاد استطعت أن أسحب ساقي اللتين تخشبتا بسبب جلوسي المتواصل الطويل عند طاولة الكتابة. ثمة إحساس هو خليط من الإرهاق المخيف والسعادة الشديدة كان يغمرني وأنا أرى كيف تطورت القصة أمام عيني، كأنني ناضلت متقدماً مخترقاً المياه. مرات عديدة مع تقدم الليل كنت أحمل نفسي وكأن ثقلاً شدّ على ظهري.
كيف يتجرأ المرء على أن يقول كل شيء؟ كيف يؤدي الأمر إلى كل هذا، إلى كل هذه الأفكار والرؤى المبهرة؟
ثمة نار متقدة أولاً، ثم تتقد أكثر فتأكل كل هذه الأفكار والرؤى، ثم تعيدها إلى الحياة من جديد. كيف بدأ النهار الجديد يتحرك خلف النافذة. عربة تمر، رجلان يعبران الجسر.
عند الثانية صباحاً نظرت إلى الساعة لآخر مرة.
حين اجتازت الخادمة مدخل البيت أول مرة، وضعت على الورق جملتي الأخيرة. أطفئ المصباح وبدأ نور النهار. الآلام الضعيفة في القلب، التعب الذي استسلم عند منتصف الليل، كيف دخلت غرفة شقيقاتي بساقين مرتجفتين، القراءة بصوت مرتفع، وقبل كل شيء كيف عدوت إلى الخادمة قائلاً:
“لقد انتهيت من كتابتها!”
السرير الذي لم يستخدم تلك الليلة بدا وكأنه قد حُمل تواً إلى الغرفة. التأكيد بأنني في كتابتي الروائية شعرت بأنني في مستوى متدن مخجل.
هكذا فقط يستطيع المرء أن يكتب، هكذا يتجمع، يتفتح تماماً روحاً وجسداً، لكي يحصل على بضع ساعات من النوم قبل أن يتوجه إلى مكان عمله في المؤسسة الخاصة لتأمين العمال من الحوادث.
طلب إجازة مرضية عبر رسالة قصيرة قدمها لرئيسه:
سيادة المدير العام المبجل.
تعرضت هذا الصباح لحالة من الإغماء، ودرجة حرارة جسمي مرتفعة الآن. أنتظر في البيت. بالتأكيد ليس الأمر بتلك الخطورة، وسآتي إلى مكتبي متأخراً هذا اليوم، ربما قبل أن تبلغ الساعة الثانية عشرة.
قرار حكم.. هي واحدة من بضع قصص قصيرة، تأمل فيها كافكا بقناعة ورضا تامين. في أول قراءة جهيرة لها أمام جمهور لنخبة من النخب الاجتماعية المهمة، كانت في 4 كانون الأول/ديسمبر 1912، وفي رسالته إلى خطيبته المنتظرة “فيليس باور” في 30 تشرين الثاني/نوفمبر أوضح:
“أن يظهر المرء بقصته أمام الجمهور – بطريقة أو بأخرى- يترك الأمر شعوراً رائعاً. القصة محزنة وموجعة في ذات الوقت، لكن لا أحد يفهم لماذا كنت أبدو سعيداً بينما أنا أقرأ.”
إلتقى كافكا فيليس باور في 13 آب/ أوغست 1912 في بيت ماكس برود – فيما تبقى من الليل وضع هو وبرود اللمسات الأخيرة على نص خطابي- اللقاء مع فيليس صار بداية لعلاقة استمرت خمس سنوات. كان الهدف قبل أي شيء آخر هو الحفاظ على الصداقة من خلال تبادلهما الرسائل. خلال فترة علاقتهما تمت الخطبة، ثم فسخت، ثم أعلنا خطبتهما مجدداً وفسخاها ثانية بشكل نهائي. كل ذلك ارتبط بمعاناة كافكا الهائلة من السل الرئوي عام 1917.
إعتبر كافكا – بشكل غير مباشر- أن لقاءه مع خطيبته كان بمثابة الشكر الذي يناله مقابل القصة. وفي المراسلة مع فيليس كان غالباً ما يدعوها “قصتها”، بينما كان يدعو التغيرات التي تحدث فيها “قصتي”. في دفتر يومياته في 14 آب/ أوغست 1913، أي بعد عام واحد من لقائه الأول بفيليس كتب:
“النتيجة المنطقية عن قصة “قرار حكم” تتعلق بي أنا. كان لقائي بها بمثابة شكر لا مباشر على الحكاية. لكن بطل القصة جورج استمر بالانهيار بسبب خطيبته.”
نُشرت القصة أول مرة على هذه الصورة:
قرار حكم: حكاية لفرانس كافكا، بإهداء للآنسة فيليس ب.
في كتاب ماكس برود السنوي لفن الشعر- آركاديا، دار كورث وولفس. نهاية أيار/مايو 1913.
كان كافكا يرغب أن تصدر هذه القصة منفصلة، لكن ذلك كان يحتاج إلى الكثير من النقاش من جانب كافكا ليقنع جورج هنريش ماير – الذي كان متغيباً لحين عن إدارة كورث وولفس وأعمالها خلال فترة الحرب- على الموافقة على هذا الأمر.
في آب/أوغست 1916 كتب كافكا لجورج هنريش ماير:
“القصة ملحمية أكثر منها شاعرية، لهذا فالقصة بحاجة لأن تقف بشكلها ومحتواها معتمدة على نفسها لتوصل حقيقتها. إنها العمل الذي أقدره عالياً، لهذا كنت أتمنى دائماً أن يتمكن هذا النتاج من تحقيق نجاحه بنفسه.”
أخيراً حققت دار النشر رغبة كافكا وأصدرت قصة “قرار حكم” في طبعة منفصلة، وهي الكتاب 24 في سلسلة “دير يونغستا تاغ” في تشرين الأول/ نوفمبر 1916. كان العنوان:
قرار حكم.. قصة قصيرة مهداة إلى ف.
كذلك صدرت طبعة أخرى في عام 1919.
كان كافكا يقوم بعملية التنقيط والتفريز لأعماله الأدبية، وغالباً ما تكون هذه العملية موجزة وغير واضحة. لكنه في قصة “قرار حكم” أنجز العملية بشكل تفصيلي واهتمام كبير. فقد كانت تلك القصة هي العمل الوحيد الذي حظي بذلك الاهتمام الشديد من قبل كافكا. إرتباطاً بذلك وحين كان يقرأ الطبعة الأولى للقصة كتب في يومياته في 11 شباط/ فبراير 1913:
“الصديق هو حلقة ارتباط بين الأب وابنه، وهو يمثّل أفضل ما يربط بينهما. حين يجلس جورج وحيداً عند النافذة يدور بمتعة مع أفكاره، ملتذاً بالتضامن ومشاركة الآخرين – هكذا وكأنه يعيش مع الأفكار الحزينة فترة قصيرة- يتصور أن أباه في علبة صغيرة، وأن كل شيء في حالة من البهجة والهدوء.
يُظهر تطور الأحداث كيف يترك الأب هذا الصديق المشترك ويقف بالضد من جورج. ويحدث مبكراً أن يجد الأب أن ثمة أشياء لا تجمعهما بتلك الدرجة العالية، مثل حب الأم وعطفها، ذكراها الحبيبة وكذلك زبائن الشركة الذين نجح الأب في استقطابهم وكسبهم منذ البداية. جورج لا يملك شيئاً. علاقته بالخطيبة تقتصر على صداقة فقط – يمكن القول: إن علاقة الصداقة هذه مشتركة بينهما- ولأنها وجورج لم يتزوجا بعد، لم تكن الخطيبة مرتبطة بصلة قربي كالتي تربط الابن بالأب. لهذا كانت الخطيبة ببساطة مُبعدة من قبل الأب. كل الأشياء المشتركة التي أحاطت بالأب وجورج ترتبط بالأشياء الغريبة، الأشياء التي بدأت تعيش حياتها ارتباطاً بحياتهما. الأشياء التي دافع عنها جورج وأحاطها بحمايته بما فيه الكفاية، الأشياء التي تحددت منذ نشوب الاضطرابات في روسيا حيث يعيش الصديق. ولأنه ليس لديه أحد سوى أبيه الموجود أمام عينيه، فإن حياته انغلقت تماماً وبقوة على أبيه.”
لكن بعد شهور عدة. في 2 حزيران/يونيو 1913 شرح كاقكا في رسالة إلى فيليس موضحاً أنه لم يعد واثقاً تمام الثقة بمغزى القصة:
“هل بمقدورك إيجاد أي معنى لـ “قرار حكم”، أعني شيئاً ما واضحاً وجلياً، معنى ملازماً أو مميزاً؟ أنا لا أستطيع ولن أستطيع أن أشرح شيئاً منها. حين جلست لأكتب، وبعد يوم أحد كئيب للغاية، لدرجة كنت أرغب فقط بالصراخ، عُقد العزم على وصف معركة: شاب سيرى من خلال نافذته كيف يتقاطر عدد كبير من الناس عابرين الجسر، لكن.. هكذا تغير كل شيء وأصبح بين يدي شيء آخر مختلف تماماً!”
وبعد أسبوع كتب كافكا:
قصة “قرار حكم” لا يمكن تفسيرها. ربما أريك ملاحظتين سجلتهما في يومياتي في إحدى المرات دون تجليات حقيقية. فالقصة مليئة بالسخافات المنافية للعقل. الصديق هو بالكاد شخص بالمعنى الحقيقي، لكنه لعب دور المعنى المشترك بين الأب وجورج. يمكن رؤية القصة وكأنها دائرة تحولات تحيط الأب وابنه، بينما مظاهر الصديق المتنوعة ربما تُظهر كيف تتغير الرؤى والأشكال في العلاقة بينهما. لكنني لست متأكداً تماماً من هذا.
العديد من نقاد ذلك العصر اعترض على التحليل النفسي في “قرار حكم”، فقد كتب “كورت بنتهوس” عام 1918:
ليس واضحاً ما الذي يجبر هذا الرجل الشاب على قبول الحكم من الأب الذي يعد الأكثر جنوناً بين الآخرين، ما الذي يجبره أن يُحكم بالموت غرقاً دون أي ذنب، فيلقي بنفسه على الفور إلى الماء من أعلى أحد الجسور.
بنفس المعنى كتب “جورج كوفر”، لكنه أعجب في الوقت ذاته بموهبة كافكا القصصية. في مجلة “دير بوند” في 4 آذار/مارس 1917 كتب كوفر:
“يجب أن أعترف أن ذلك لن يحدث بالنسبة لي حتى في الضرورة القصوى. لكن هذه القصة القصيرة، تمنح اختباراً جيداً للموهبة، وتبعث الفرح بشكل خاص ما بين وضوحها وأدواتها الأسلوبية البسيطة.”
فيما وصف العديد من النقاد والمجلات في السنتين “1917-1918” قصة “قرار حكم” وصفاً سلبياً. فقد كتب صحفي مجهول قائلاً:
“إنها تجربة متعبة ومنتفخة في الاختلال العقلي.”
ميلينا جيسينسكا ترجمت “قرار حكم” إلى اللغة التشيكية عام 1920، لكنها لم تصدر إلا عام 1923 في المجلة الأدبية”سيسيتا”.
كان كافكا –كما هو دائماً- سعيداً بترجمة ميلينا، وراضياً كل الرضا.
في واحدة من رسائله في 28 آب/أوغست 1920 كتب:
“في هذه القصة ترتبط كل جملة، كل كلمة، وكل –إن لم تخني العبارة- نغمة بالخوف والفزع. هذه المرة اشتد الجرح، ولأول مرة خلال ليلة طويلة وحيدة وارتباطاً بمشاعري، فإنك قد أعدت الصلة في ترجمتك بالقصة، بمساعدة عصا سحرية تمتلكينها بين يديك.”
ترجمت قصة “قرار حكم” بعد ذلك إلى الهنغارية، من قبل الكاتب “ساندور ماراي”، ونشرت في الصحيفة اليومية “زاباد ساغ” عام 1922. بعد ذلك وبالصدفة حصل كافكا على إشارة حول هذا الأمر، فكتب في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1922 رسالة إلى ناشره صاحب دار النشر “كورت وولف” عبر فيها عن قراره بحصول صديقه “روبرت كلوبستوك” على حقوق النشر لكل نتاجاته إلى الهنغارية.