الرئيسية » الآداب » يوم ممطر آخر*

يوم ممطر آخر*

تنفس الصباح في هذه المدينة الباردة معلناً صحوته من سبات عميق، وبدأت السماء تمطر بغضب، الشتاء قاسيٌ هنا، كاتمًٌ لأسرارٍٍ خفية، منغمسٌ برائحة الطين والمطر، فالسماء بخيلة لا تمطر كثيراً وأن أمطرت فمطرها مزعج؛ يحمل معه الطين..! يهدم البيوت..! يسد الطرق..! وسكانها…، يهدونك كل ساعة قناطر من الكلام المنمق المعسول، وثواني قليلة تكفي ليطعنونك في الصميم ويغتالوا أحلامك الوردية…!
لم أجد ما أفعله هذا الصباح، ليس اليوم فحسب، فكل الأيام متشابهة والوجوه التعيسة ذاتها كل يوم..! لا جديد..!
الزمن ثقيل هنا رغم المحاولات المتكررة للخروج من مداره، والذاكرة مثقلة بتاريخ طويلٍ طويلٍ.

جلست خلف مكتبتي أرتشف قهوتي المرة مرارة هذه الايام، وما كان لذاكرتي إلا أن تعود بي إلى تلك الحارة الموحلة، في مدينتي المختلفه تماماً عن هنا، مدينة الزيتون، مدينة الحب والسلام، وصورة تلك الطفلة الشقية ذات الجديلتين ما برح ذاكرتي وهي تصنع لعبتها بيدها، وتخيط لها ثوب الزفاف، وبعدها تتعلق على رقبة والدها وتقبله بحرارة، وتتالت الذكريات أمام ناظري كقطار سريع إلى أن توقف أخيراً في محطة ما، حين أضحت الطفلة الصغيرة أنثى بالغة، وقررت الابتعاد عن حضن والدها الطيب والسفر إلى المجهول، إلى تلك الأرض الباردة الفاقدة للروح منذ زمن بعيد.
أحسست بضيق في نفسي، وغرورقت عيناي بالدموع، كل الذكريات تشدني بقوة، ففي داخلي عطشٌ شديٌد للماضي. تذكرت آخر مرة ودعت فيها والدي، حينها شدني إلى صدره بقوة وضمني بين ذراعيه، وأخذ نفساً عميقاً، وكأنه يرفض فكرة رحيلي فأنا ابنته المدلَّلة المقربة إلى قلبه، فكيف لهم أن يأخذوني من بين أحضانه..؟ كيف..؟ وأحسست بإضطراب وتسارع في خفقات قلبه، وأخذت تزداد كلما اقترب وقت الرحيل، وعبثاً أحاول تهدئته، إلا إن عيناه البراقتين بدأتا تغرقان بالدموع رويداً رويداً، رغم محاولاته الفاشلة في إخفائها، بعد أن حان وقت الفراق..، فقد الأمل..، افترقت يدانا..، احترقت الأفئدة حزناً..، تناثرت حبيبات الدمع الحارقة على وجنتي كل منا..، وبدأت أطرافنا ترتجف..، لهيب في المقل استعر..، ونهر من المشاعر تدفق، هكذا…، إلى أن ركبت المجهول وغبت عن النظر تماماً، لكن عيناه مازلتا تراقباني آملة أن تحدث معجزة وأعود، كأن مشاعره قد تيتمت وأحلامه قد ثكلت ببعدي.

نظرات والدي وتلك اللمعة الحزينة التي تعتليهما، في آخر مرة كنا فيها معًا، لم تغب عن عيني يوماً، فله عينين جميلتين بلون الذهب، مائلتين إلى الاخضرار، يعتليهما صفاء غريب، صفاء ماء زلال لا يتعكر، رغم العروق الحمراء التي تلونهما أحياناً، إلا أنهما تزدادان رونقة وجمالاً عندما يرسم على وجهه تلك الابتسامة التي لا يلحظها غيري، وكلما ازدت تحديقاً في وجهه ازداد في عيني بهاءً، كل حركة منه كانت تلامس أعماق قلبي بحلاوة وعذوبة، حتى تلك النبرة الدافئة التي اعتاد أن يخاطبني بها وهو يسأل عن أحوالي والابتسامة المزيفة التي كان يرسمها ليخفي عنا متاعبه، ففي كل الحالات التي كنت أنظر إليه خلسةً كان وجهه الملائكي يفيض حناناً وطيبة، كنت أناشد الكلام المتجمد بداخلي للخروج، لكن خجلي كان يمنعني، والآن لو يدري أي شوق أحمله لقبلة واحدة من يده الطاهرة، فلقد غمرني بدفئه منذ اللحظة الأولى التي حملني بين ذراعيه وأنا مازلت مولودةً صغيرة يعبر نحوي الحياة، علمني كيف أواجه المصاعب…، وعلمني السباحة ضد التيار…، وزرع في حياتي…، الأمل.
عادةً ما كنت أراه مشغولاً في الصباح الباكر، يستيقظ مع طلوع الضوء يحضر لنا الخبز الطازج من عند الفران أبو جميل، وكل متطلبات المنزل وعلى وجهه أروع ابتسامة على الإطلاق، وما هي إلا ثواني وتنبعث رائحة قهوته الشهية من الشرفة ويرتشفها على عجل ويأبى أن يتناول طعام الإفطار فأمامه يومٌ شاق وطويل.
ينزل والدي إلى غرفته الصغيرة ليبدأ يومه مع السين والصاد والجذر التربيعي والقطع الناقص والمكافىء، فصار له أكثر من عقدين من الزمن يُدَّرس تلامذته، ويتفان في عمله، فهو يحب مهنته كثيراً، وسعيد لأنه ينشىء جيلاً واعيًا من أبناء قومه، فضلاً عن هذا فهو مؤمن بقضية أمته وشعبه، إضافة إلى حبه للسجائر والقهوة المرة، وبين الحين والأخر يكتب خواطر رائعة ومعبرة ثم يقصها علينا وعلى وجهه ضحكة خفية كأنه تذكر شيء ما، وفي ليالي الشتاء الحميمة…، آه..، ما أجمل الشتاء…، شتاء مدينتنا، إنه جميل بكل تفاصيله، إن أمطرت فقطراتها خفيفة تشبع كل ظمآن، ونسمات هوائها المنعشة تبعث الروح في كل شيء.
ففي أيام كهذه يفضل والدي قضاء معظم وقته مع صديقه المهندس، فهو الصديق المقرب إلى قلبه وإلى العائلة أيضاً إنه صديق الأفراح والأتراح، وغالباً ما كانت أسرتنا الصغيرة تجتمع حول المدفئة ليسود جو من المحبة والوئام، كان ينقصنا شيء واحد فقط، هو صوت الطنبور الرائع، ويبدأ السمر والسكر عندما تلامس أنامل المهندس أوتار الطنبور ويعلو صوت والدي وهو يغني إحدى الأغاني الفلكلورية المححببة إلى قلبه، وتهز أمي برأسها معبرة عن رضاها، مندمجة مع ألحانه التي كانت تسير إلى أعماق القلب، ويحلو حينها شرب فنجان من القهوة الساخنة من صنع يدي.
لقد علَّمت الحياةُ والدي الكثير وأخذت منه الكثير أيضاً، ومع ذلك بقي شامخاً لينعم بأجمل ما يجود به الزمن..، راحة البال. عندما كان والدي يجلس في بيتي جدتي الحبيبة وكل أفراد العائلة من صغير وكبير مجتمعين، كان يروي لنا احدى القصص الفكاهية المشوقة، والجميع يصغون إليه بانتباه، وعندما يخف نبرة صوته، نعرف أن النهاية قد اقتربت وحالما تتنتهي القصة ينفجر الجميع بالضحك، فيعلم أهل الحي أن هناك اجتماع عائلي هذه الليلة.
وفي ساعات النهار أن كان والدي محظوظاً وسعي بساعة من الراحة كان يحضر آلته الحاسبة ويحسب الزمن بالدقائق والساعات، يتقن والدي العمليات الحسابية الأربع ويضع خطط يومية..، وشهرية…، ومع ذلك..، يضيع الزمن وحساب الورق لا ينطبق مع حساب الواقع.
لقد أعطيتنا ياوالدي أنت و أمي كل مقومات الراحة والثقة وأفنيت عمرك في سبيل تأمين احتياجاتنا التي لا تنتهي، علمتنا معنى الكرامة والشرف، فتحية لك لصبرك لشيب شعرك..، ولأمي..، رفيقة دربك. فرغم مشاعري التي لاتزال بعمر الطفولة، وإن كنت اليوم بالغة، فدائماً أعود طفلة صغيرة أمامك يا أبتي. فلو إن لي مافي بلدتنا الصغيرة من أشجار الزيتون، أقلام ودفاتر أصفك بها، ما أوفيتك حقك، ولو أني زدت عن عمري هذا عمراً آخر أفنيه في خدمتك لما كافيتك.

بعد أن أكملت رشف قهوتي الباردة مع الصور وانتهيت من رسم الكلمات الأخيرة في هذه السطور همت بلم أوراقي وقلمي، طويت دفتر مذكراتي وطويت معه الماضي بحلاوته وقساوته، ثم توجهت إلى نافذتي الصغيرة، مسحت بيدي البخار المتراكم على الزجاج، علَّني أرى شيئا جديداً يكسر حواجز الملل بداخلي، فغربة بدني تحرقني وغربة روحي تشقيني، وفجأة وقع عيني على شيء ما يزهو من بعيد، له ألوان قوس قزح، أنه يزين السماء…، ويرفرف بحرية…، لربما هذا الشي الوحيد الباعث للأمل هنا.

* نشرت في مجلة (الصوت الآخر) العدد: (225) في 7 كانون الثاني 2009.