الرئيسية » مقالات » يا لقلب أمك يا ناجي

يا لقلب أمك يا ناجي


أي أنين يجيش فــــي صدرك ِيا أم ناجي؟
أي صبر مــــطلوب منكِ ان تتحمليــــــه؟
كم مـن فواجع الدهر إصابتك بمصائبها؟


أي أخبار تقطّـّع نياط القلب و تنوء الجبال عن حملها، تفجعكِ أيتها الأم الحنون، يا لمصيبة الأم بفقدان أولادها !
لكن أم ناجي * أم عراقية في كل يوم ٍ لها مع الفواجع والنوائب موعد.
أتعلم يا صديقي العزيز ” ناجي” عندما تلقيت خبر أصابتكم بالمرض العضال أحسست لحظتها أنه قد سرت بجسمي بسرعة رعشات متتالية من الرعب والفزع.
منذ تلك اللحظة عشعش الخوف في قلبي جزعـاً عليك، بت أترقب أخبارك بحذر وخوف وقلق، بات لا يطاوعني قلبي الاتصال بك كعادتنا بين يوم وأخر أو لقاؤنا الأسبوعي المرتقب على شبكة الانترنيت، رحت أتسمع أخبارك من صديقنا صادق خلف العلي أو من صلاح مهدي إبراهيم ، أسأل أحدهم بينما أكون قد وضعت يدي على قلبي مغمضا ً عينّي لهول مفاجأة التوقعات.


صورة للفقيد ناجي كاظم ذياب وهو يتوسط أثنين من أولاده في بيته/ مونتريال /كندا

كم كنت سعيدا ًوفرحا ًبعد أن عادت علاقاتنا كعهدها السابق ـــ بعد سقوط النظام الغاشم في 9 ـ 4 ـ 2003 بفترة زمنيةـــ وهي مليئة بالحب والمودة والشوق، بعد أن أجبرنا على الافتراق الذي زادت مدته على ربع قرن؛ لقد فر صديقي ناجي بجلده من العراق بعد ان بدأت الوحوش الكاسرة هجماتها اليومية تنهش بأنيابها ومخالبها بشركاء الجبهة الوطنية والقومية التقدمية أو بالعراقيين الطيبين، فر مرعوبا ًتاركا ً مدينته وأهله وتلاميذه وأصدقاءه ورفاقه هاربا ً إلى المغرب ومن ثم إلى كندا.
انقطاع العلاقات بين الأصدقاء والأحبة كنا مجبرين عليه بقوة السلاح الغاشم وبإرادة وأدارة قائد ظالم جائر وحزب تحول رويدً رويداً إلى حزب فاشي سافر، ماركته المسجلة الحروب والخراب والاستبداد والمقابر، كانت سنيناً طويلة، مثقلة، متخمة، بالضيم والموت، وحروب وخوف قد مرت علينا واكتوينا وتلوعنا بظلمها وجورها ورعبها.
لقد جددت من خلال عودة علاقتنا فسحة كبيرة أينعت وغدت مرجاً مخضـراً، بعد ان كانت قد جفت وتصحرت كما جفف الطاغية أهوار العراق من مياهها وخضرتها، وما أن عاد إليها الماء مرة ثانية حتى انطلقت الجذور العميقة تشق الأرض بأذرع طويلة باسقة تهتز طربا مع نسمات الهواء العليل، متحدية الموت والظلام.
كانت قد بدأت تنتظم لقاءاتنا في غرفة البالتاك كل أسبوع مرة أنا من السويد وصادق خلف من أسبانيا وصلاح مهدي من هنكاريا والفقيد ناجي كاظم من كندا، وينظم إلينا من حين لحين سيد سعد المعطي من العراق /العزيزية مصطحبا ً معه ثلة من الأصدقاء الأحبة من العزيزية(1) حسن حسين الزماخ وكامل صالح وعيدان هلال وعيسى الخياط وياس خضير ودعدوش عليوي، كنت ارقب تلك اللقاءات بشوق كبير نتناقل فيها أخر الأخبار والمستجدات الثقافية والسياسية ونعرج على أيامنا السابقة الجميلة رغم مرارة ولوعة مطاردة ومتابعة المجندين البعثيين لهذه المهمات ؛ إذ” شُـكلت لجان حزبية بعثية مهمتها مكافحة الشيوعية والشيوعيين شكلت بداية عام 1978 من أيام الجبهة الوطنية ” رغم أن أساليبهم الاستبدادية والفاشية المتنوعة والتي لم تهدأ بمحاربة ومطاردة اليساريين والشيوعيين منذ بداية عودتهم الثانية عام 1968 رغم كثرة وعودهم وعهودهم وإعلامهم بالديمقراطية والحرية، لكنها بدأت تتصاعد بوتيرة عالية بشكل مرعب وسافر بعد تشكيل تلك اللجان في عموم القطر وامتدت حتى خارجه فكانت مهماتها تشديد الخناق على الشيوعيين واليساريين، حيث كانوا يمطرونا ويحاصرونا بشكل مستمر بالشتائم والتوعدات ومختلف أنواع الاستفزازات،ليستمر تصعيد الضغط بشكل مبرمج تصاعديا ً ليتحول إلى أعلى درجات الرعب حيث الإعتقالات والبطش والقتل والتغيب!
كنا في لقائتنا الجديدة نتفقد أخبار الوطن المنكوب ومدينة العزيزية ورفاق الأمس و الأصدقاء والأحبة واحداً واحداً ونتصل بهذا ونبعث بتحياتنا وترحمنا لذاك، لقد كان لأحاديث وذكريات نادي الموظفين في العزيزية حصة كبيرة من أحاديثنا فخلال تلك اللقاءات “الكعدات ” كنا نقضي اجمل وأسعد الأوقات، رغم أجواء الرعب و المراقبة والاستفزاز التي كانت تصدر من عيون السلطة وكتبة التقارير، ونعيد معها كذلك شريط ذكريات المطاردات والمضايقات والاستفزازات اليومية التي طالتنا، ونستعرض ما مر بالبلد من خراب ودمار وموت نتيجة الحروب والحصار والاستبداد.
أستعيد الآن العديد من أسماء الأحبة والأصدقاء التي طرحنا في لقائتنا على غرفة البالتاك فكانت أسماء ضحايا القمع الاستبداد والظلم والحروب وما أنتجته معها من أوبئة وأمراض، كانت في مقدمة أسماء من نتذكرهم … جميعهم كانوا أحبة وأصدقاء لنا رغم الاختلاف السياسي و الفكري مع البعض منهم ، كيف ننساهم وهم جزء من تاريخنا فقد كان كل لقاء حاضر في أحاديثنا ضحايا النظام السابق والذي تنوع بين معدوم بالرصاص أو تحت التعذيب أو مغيّـب أو قتيل في حرب أو بسبب الأمراض والمعاناة المتنوعة التي انتشرت من جراء الحصار والحروب والهلع والرعب وناهيك عن ما نال عوائلهم وأقرباءهم من استجواب وضيم وإهانة واستفزاز، ومن تلك الأسماء الضحايا الأحبة : الدكتور هاشم رشيد وشقيقه د.عاصم ، وعبد الكاظم مديح وشقيقه عبد الرضا ، ومهدي حمد الخزرجي وصالح عزيز الصالحي، وسيد عز الدين الخطيب، وعبد الكريم كاظم ذياب ( شقيق الفقيد ناجي ) وعمار عبد حسكه ومحمد حبيب النصر وزاهر عمار أبو العيس ويحيى ظاهر حسن ومحمد حاتم البطيخ ومحمد حسن الزماخ وصباح عليوي وعادل شمران وعايد لفته القره غولي وابن أخته (شاب شيوعي غيب منذ بداية الثمانينات ) وأركان رشيد الجلوب وفرحان الجيزاني، وكاكه طالب “صاحب المطعم ” ، وأياد كاظم وحميد شيحان وشاكر جواد القره غولي وشقيقيه فرج وعايد، وسيد هلال عبد المطلب أبو رغيف وأحمد عبيد المصور ولطفي حمزة حبيب … وتطول قائمة، لهم جميعا ًالرحمة والذكر الطيب.
لقد كان ناجي معجباً بشخصية رفيق شيوعي عمل معه يردد أسمه باستمرار لا يعرف غير أسمه الحزبي أسمه ” أبو مهدي ” لقد أشاد به كثيراً الفقيد ناجي. كما أشاد بشجاعة وتفاني شهيد شيوعي أخر من أبناء مدينة العزيزية، منطقة برينج صديقنا العزيز المناضل ” صالح عزيز الصالحي ” وأثناء أحاديثنا ” أنا وصلاح مهدي وصادق خلف والفقيد ناجي” كنت قد وعدت الفقيد ناجي أن أكتب شيئاً عن صديقنا ورفيقنا الشهيد صالح عزيز الصالحي في أقرب فرصة تتاح لي .
لقد روى ليَّ الفقيد ناجي العديد من المواقف والصور التي يخزنها بذاكرته، وإحدى هذه الصور تتعلق بحادث طريف حدث معي، وفي أول لقاء لي معه بعد هذا الانقطاع الطويل الذي زاد عن ربع قرن من الزمن كان أول شيء حدثني عنه الفقيد ناجي عن طبق اللحم المشوي اللذيذ وخبز التنور العراقي الحار ،وذلك المشهد الذي لم يبرح ذاكرته صورة والدي بملابسة الدينية البيضاء ولحيته الطويلة وطريقة الذبح المندائية.
سوف أحاول توضيح هذا المشهد الآن : بسب انتمائي الديني إلى الديانة المندائية والذي أعتز به، وللنقص الكبير بالمعلومات العامة في الشارع العراقي عن الديانة المندائية وطقوسها وعاداتها وتقاليدها لاسباب عديدة لست بصدد شرحها في مقالنا هذا، ولذلك يتعرض معتنقي هذه الديانة إلى العديد من الأسئلة وطلب الإيضاحات وتعديل المعلومات المشوشة والملفقة والشائعات والتي تصل قسم منها إلى التكفير و إلى الاستفزازات والشتائم أحيانا ً، قسم من هذه الشائعات التي تتناقل عن معتنقي هذه الديانة أنهم لا يذبحون الحيوانات ( الطيور كالدواجن والبط والوز أو الحيوانات الأخرى مثل الأغنام ) التي يتناولون لحومها بل يقومون بخنقها وغيرها من الشائعات الملفقة التافهة، ذات مرة من عام 1977 كنت أجلس مع مجموعة من الأصدقاء في مدينة العزيزية جميعهم من المسلمين ،خليط من مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية، كنا نتجاذب أطراف الحديث، وطرح موضوع ( الذباحة عند الصابئة) أجبتهم بطريقة الذبح التي نتبعها في طقوسنا المندائية وأنها من اكثر الطرق التي شاهدتها في حياتي فيها سمات كثيرة تدلل على الإنسانية والرأفة والرحمة والنظافة والطاهرة ، ترافق مراسيم الذبح … فطلب مني الفقيد ناجي مشاهدتها أن أمكن .
وبعد فترة قصيرة وفي إحدى مناسباتنا الدينية لبيت طلبه ودعوته لمشاهدة عملية الذباحة ، وعندها شاهد الفقيد ناجي كيف ارتدى” والدي “رحمه الله الملابس الدينية البيضاء( الرسته )(2) الخاصة بهذا الطقس وعملية تعقيمه للسكين وشحذها وتطهير يديه وكيف نظف وطهر “طمش “الحيوان المراد ذبحة والمكان الذي وضع فيه الحيوان ساعة ذبحه وكذلك شاهد الشاهد على عملية الذبح ويسمى بالمندائية ( الشكنده )(3) وسمع بأذنيه وشاهد بعينيه كل الأدعية التي تتلى عند عملية الذبح وبعده، أصيب ( ناجي) بصدمة عنيفة وكاد ان لا يصدق ما شاهدث عيناه مقارنةً بما كان يسمعه في الشارع العراقي من تهجم وتلفيق غير صحيح على طريقة الذبح المندائية .
بعدها تناول الغداء الذي دعي إليه وقد تناوله رحمه الله برغبة وشهية كبيرة ، وكان طبق غداء من اللحم المشوي الذي أعددناه له ـ لحم خروف لكونه الحيوان اللبني الوحيد الذي يجوز ذبحة لغرض تناول لحمه في تعالم الديانة المندائية ـ ومعه خبز عراقي من التنور، وبعد تلك المشاهدة بدأ ناجي يتحدث في أكثر من مكان عما شاهده من صورة يكاد لا يصدقها العقل عن النظافة والطهارة والرأفة في طقوس الصابئة المندائيين عند الذباحة.
في أخر اللقاءات مع ناجي بعد أن بدأ يأخذ الجرعات الكيماوية كعلاج لمرض السرطان الذي ابتلى به و أثناء تلك الفترة كان ناجي يعيش في صراع عنيف؛ طرفه الأول الرعب الحقيقي من خطورة مرض السرطان وبين تطمينات الطبيب المعالج باحتواء المرض ومعالجته وفق أخر التطورات العلمية مضيفا ً إليها قوة عزيمته التي عـُرف بها، كان يحدثني بصوت مرتجف متعب لكن فيه حب وشوق قوي للتشبث بالحياة ، في هذه الفترة أنصب همه وتفكيره كله على زيارة العراق، كان يقول لي: ” لازم أشوف العراق، أتمنى اليوم أسافر، أكدر أروح عن طريق إيران، ومن قصر شيرين أروح للعزيزية عن طريق بدرة ، يمكن لو أوصل أهناك بس أشوف العراق وأهلي وأصحابي أطيب من المرض”
في الفترة التي مرض فيها الفقيد ناجي كان العراق يمر بأعنف فترة من هيجان العنف والاقتتال الطائفي الذي افتعلته أيادٍ خبيثة ، بعد الحادث الإرهابي الإجرامي الدنيء بتفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، فقد تحول العراق بعد هذا الحادث المخيف إلى بركان ثائر يقذف الموت والرعب على العراقيين في كل لحظة.
لقد أشتكى لي ناجي وهو يتوجع بحديثه عن فضاعة وقسوة الألم الذي يلازمه ، كان في كل لقاء لي معه وهو على فراش المرض ينقلني إلى صور لم ترد هي الأخرى أن تبرح ذاكرتي كنت قد شاهدتها بعيني صورة “والدي “رحمه الله عام 1987 وهو يعاني من تلك الآلام الجسدية والنفسية أثناء أصابته بالمرض العضال المفاجئ الذي ضربه نتيجة صدمة عنيفة تلقاها أثناء الحرب العراقية الإيرانية نتيجة مآسيها اليومية المرعبة، رغم ما كان يتمتع به والدي من قوة جلد وصبر فقد عاش فترة عصيبة وقاسية يصارع فيها الآلام المبرحة بالمكابرة والمسكنات ويكافح الداء بالعزيمة والعلاج… كان منظر صديقي ناجي يعيد ليّ ذلك الشريط المرعب وكذلك يذكرني بأحبة نال منهم المرض العضال وقسي عليهم في آلامه.
مع أنينك يا صديقي العزيز ناجي كان يبرز أمامي من الذاكرة مقطع شعري ، كنت قد حفظته على ظهر قلب من قصيدة (سفر أيوب) للشاعر الكبير بدر شاكر السياب، هذه القصيدة التي صور فيها الشاعر بشكل بليغ، فضاعة وقسوة الألم،والصراع المرير مع المرض الذي كان يعاني منه، إذ كان قد كتبها الشاعر الراحل عن تجربة قاسية موجعة ألمت به، كتبها وهو يئن من الوجع راقدا ًعلى فراش المرض. وأدناه مقطع منها :
شهور طوال، وهذي الجراح
تمزّق جنبيَّ، مثل المدى!
ولا يهدأ الداء عند الصباح
ولا يمسح الليل أوجاعه بالرّدى
وهو على فراش المرض كنت كل الوقت الذي أهاتفه فيه سواء في التلفون أو على شبكة الانترنيت والتي تكون أفضل إذ كانت بالصوت وبالصورة ،كنت أشحذ من همته وأقوي من عزيمته وأزيد من صبره . بعثت له بأكثر من رسالة وفيها تمنياتي مشفوعة بالدعاء بالسلامة من رب العـزة والجلال، كان يخبرني بعد قراءتها أنها تدخل الأمل والبهجة في نفسه… وبعث له مرة بمقالة كتبها المناضل الكاتب الدكتور” كاظم حبيب “عن صديق له أصابه ذات المرض وكيف بدأ هذا الشخص” الفنان ” يقاوم ويتحدى الألم والمرض بمزيد من الإبداع في مرسمه وافتتاح معرض لرسوماته .
ناجي صديقي ورفيقي وقد أخبرني ناجي وهو على فراش المرض أنه انظم إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي منذ كان في الكلية في عام 1968أو 1969 والذي قام بتنظيمه أحد أبناء العزيزية الأستاذ صادق حمد الخزرجي. وحدثني عن مشاركته في الحركة الطلابية وإضرابات الطلبة الشيوعيين في تلك الفترة في جامعة بغداد.
أثناء إحدى المحادثات سألني أتذكر اللافتات التي علقت باسم الحزب الشيوعي العراقي في مدينة العزيزية عند إعلان الجبهة الوطنية والقومية التقدمية عام 1973 ، فأجبته بالإيجاب فاخبرني أنه هو “الذي قام بتهيئتها وتعليقها في شوارع المدينة في منتصف الليل مع صديقنا ورفيقنا صادق خلف العلي ” والكلام للفقيد ناجي “وقد نفذنا تلك العملية بنجاح ـ الحديث لناجي ـ ولم تتمكن أجهزة الأمن وأجهزة حزب البعث رغم تحريهم من معرفة أسماء الأشخاص الذين قاموا بهذه المهمة ”
ومن المعروف أن الفقيد ناجي كان من الرفاق الشيوعيين المكشوفين في المنطقة إذ بعد تعليق تلك اللافتات بشوارع المدينة بأيام صدرت توجيهات من الحزب الشيوعي بكشف بعض الرفاق الحزبيين في بعض المناطق فكان الخيار قد وقع على اسم ناجي كاظم في مدينة العزيزية، لما للفقيد ناجي من صفات عديدة حميدة تأهله لذلك لسعة ثقافته وكونه متحدثاً جيد جدا ً وذو أخلاق عالية ومن عائلة مرموقة معروفة بالمدينة ، وهو مدرس في ثانوية العزيزية للبنين ،مدرس ناجح و محبوب من طلابه وزملائه فقد كانت له شعبية واسعة في المدينة . ونقصد بكلمة من الشيوعيين المكشوفين أي أنه كان ممثل رسمي يعمل بشكل علني للحزب في المنطقة، ومعروف انه بقيت تنظيمات الحزب الشيوعي تعمل بشكل سري، رغم التحالف ” الأخوي المصيري ” في الجبهة الوطنية وفتح مقرات تابعة للحزب الشيوعي في العديد من مدن العراق.
بعد مغادرة ناجي للعراق بفترة أصدرت السلطات الحكومية أوامر بمصادرة حصة ناجي من ارث ورثه عن قطعة ارض كبيرة مشيد عليها دار سكن ومحلات تجارية و كذلك حصته من بستان عامر عند بيع عائلتهم لتلك الممتلكات فأسمه كان قد ادرج ضمن قوائم الأسماء التي أعدتها السلطة بالأشخاص المشمولين بمصادرة ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة.
حدثني الفقيد كثيرا ً عن مدينة وجدة المغربية التي يعتبرها محطته الجميلة في المغرب، والتي مكث فيها مدرسا ً فترة من الزمن وغادرها مهاجرا ً عام 1987 إلى محطته الأخيرة كندا بدأ ناجي التكيف على ترتيب وتكيف نفسه وعائلته في هذا المجتمع الجديد، فوجد فرصة للعمل كسائق سيارة تاكسي و بعد فترة زمنية اشترى سيارة تكسي جديدة وأشترى دار سكن بعد أن أستلف من أحد البنوك مبلغا ً يستطيع من خلال عمله وعمل زوجته ان يسدد التزاماته. وأقام علاقات طيبة جديدة مع الجالية العراقية والعربية وتجمعاتها، هذا ما كان قد اخبرنا به الفقيد ناجي بنفسه
بتاريخ 24 شباط 2008 ظهرا ًهاتفني على شبكة الانترنيت من نفس أميل صديقي ناجي الذي اعتدنا التحدث عليه شخص قال لي بعد التحية …
جنابك يحيى؟
ــ فقلت له نعم.
بدأ يحدثني معرفا ً بنفسه قائلا ً :
” أنا نسيب ناجي كاظم أني شقيق زوجته ” حفيظة ” أني “سعيد ” أتحدث معاك من بيت ناجي في كندا… وقبل أن أقول له تفضل ماذا تريد، أستمر هو مكملا ً حديثه قائلا ً :
” أنت أول شخص من أصدقائه وأقاربه وأهله أنقل لك خبر محزن ” صمت هو لحظة ، ارتجفت أوصالي بخوف وشخصت عيناي على شاشة الكومبيوتر وراحت أذناي تسترق بحذر وقلق سماع الخبر المحزن، فيما راح شريط الذكريات ينفلت من بكرته بسرعة، أعرف أن الفقيد ناجي في الفترة الأخيرة من مرضه، كان المرض قد نال منه فلقد كان يعاني من انتكاسة حادة تدهورت حالته الصحية معها بشكل سريع وخطير جدا ًوأصبح قاب قوسين أو أدنى من الموت.
جاءني الخبر بعد تلك اللحظة سريعاَ مرعباً كصوت الرعد . قال : أنقل إليك خبر وفاة صديقك ناجي، لقد توفي صديقكم ناجي هذا اليوم .
بعد سماعي الخبر بلحظات أتصلت هاتفيا ً بصديقي صلاح مهدي إبراهيم الذي كان ساعتها في زيارة لمدينة العزيزية ، لغرض أخبار أهله وأصدقاءه، بهذا الخبر الأليم وفاة العزيز ناجي، فحال سماعهم الخبر أقاموا له أهله وعائلته يتقدمهم أشقاءه وولديه حيدر وفراس وأصدقاءه ومحبيه، في مدينة العزيزية “مجلس عزاء ” في جامع العزيزية لمدة ثلاثة أيام.
مسكين أنت يا صديقي الحبيب ناجي، فلقد غادرتنا وفي قلبك غصة كبيرة لأحلام وأمنيات كثيرة حرمت منها، لقد طوى الموت أحلامك وأمانيك بسرعة وبشكل مفاجئ.
رحل عنا ناجي عن عمر ناهز58 عاما ً قضاه بين ظلم واضطهاد وجور سلطة البعث،ومتغرب يحن وينوح على وطنه وأهله ، لقد بكيت خبر وفاتك بلوعة وحرارة، وهل لي غير ذرف الدموع شيئا ً ألوذ واستكين له، لمن أشتكي والأخبار تتواتر من سيئ إلى أسوء،يكاد لا يمر يوم إلا وخبر أليم حزين يحل عبر الأثير ثقيلا ً مفروضا ً علينا.
رحلَ ناجي عنا والذي نجا من البعث لكنه لم ينج ُ من مرضٍ أورثه له البعث .
يحيى غازي الأميري
كتبت في كانون الأول 2008
هوامش وتعاريف ضرورية مكملة لمقالنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* لقد سبق لام ناجي أن فقدت ولدها الأصغر من ناجي في تسعينيات القرن الماضي الفقيد (عبد الكريم كاظم ذياب )وترك خلفه زوجة وأولاد.
(1) مدينة العزيزية: قضاء العزيزية التابع إلى محافظة واسط جنوب العاصمة بغداد بحوالي 88 كم، تقع على نهر دجلة.

(2) الرستة : ملابس دينية بيضاء يجب ان يرتديها الصابئي المندائي قبل قيامه بأجراء أي عمل أو طقس ديني.

(3) الشكندة : وهو الشخص الحلالي الشاهد على صحة أجراء مراسيم الذباحة، بشكل سليم وفق الشريعة المندائية وطقوسها إذ لا يمكن إجراء عملية الذبح وفق الشريعة المندائية بدونه، ويتوجب على الحلالي أو رجل الدين الذي يقوم بعملية الذبح أن يرتدي الملابس الدينية المندائية (الرستة )،ويقوم بعملية الرشامة ( الوضوء ) التطهر بالماء الجاري قبل الذبح ،ويطهر معها السكين وقطعة من الخشب تمسك مع مقبض السكين أثناء عملية الذبح، ويجب أن ينظف الطير أو الحيوان جيدا ً ثم يطمش ، ويجب أن يكون سليما ًصحيا ًوغير ناقص أو مشوه، وبعدها يتم الذبح وترافق العملية قراءة بوثة خاصة بالذبح على كل طير أو حيوان تجرى له عملية النحر ، ويكون الشخص الذي يقوم بعملية الذبح باتجاه القبلة المندائية والتي هي صوب الشمال، ويكون رأس الطير أو الحيوان عند النحر متجها ًنحو جهة الشرق .

ويجب ان تكون السكين حادة جدا ً،فيما يقف الشكندة خلف ظهر الحلالي الذي يقوم بعملية الذبح ملامسا ًبكف يده اليمنى كتف الحلالي ويردد كلمة مندائية ( أنا سهدخ ) بمعنى أنا شاهد على أجراء عملية الذبح ، بعدها يقوم الشخص الذي أتم عملية الذبح بالذهاب إلى النهر أو أي ماء جاري (الحنفية ) إجراء عملية التهليل من خطيئة الذبح، بقراءة دعاء استغفار، طالبا ً فيه من الحي العظيم رب العزة والجلال أن يغفر له هذه الخطيئة، وأنه ذبح الطير أو الحيوان هذا لحاجته للغذاء ، وترجمة دعاء استغفار التهليل من الخطيئة للغة العربية كما وردت في كتاب الصابئة المندائيون ط2 ص354 ما نصه ( بسم الحي العظيم وأسم مندا ادهي منطوقان عليّ،ذبحت بالحديد وغسلت بالماء الجاري أنا الخاطيء، والهي الغافر، اغفر لي خطاياي وحوباتي واغلاطي وذنوبي، ومساوئي، أنا ( الاسم الديني ) أسم الحي وأسم مندا ادهي منطوقان عليّ .)

ملاحظة ( لكل فرد مندائي اسم ديني يختلف عن اسمه المتعارف عليه ويكون باسم الأم وليس باسم الأب فمثلا ً اسم والدي رحمه الله ” سام بر أنهر ” لكن في اللغة العربية اسمه غازي رمضان .)