الرئيسية » مقالات » الفكر الرجعي والحط من القيمة التاريخية لثورة 14 تموز في العراق

الفكر الرجعي والحط من القيمة التاريخية لثورة 14 تموز في العراق

“بمناسبة الذكرى الستينية لاعدام الرفيق يوسف سلمان يوسف(فهد) مؤسس الحزب الشيوعي العراقي”
“والى روح الشهداء نهلة حسن وانور رسول(مام انور)في كركوك”

لا خير في الصمت عن الحكمة،كما انه لا خير في القول بالجهل
من افتى بغير علم لعنته الارض والسماء
لا تكن للظالم معينا
العاقل من وعظته التجارب
في تقلب الاحوال علم جواهر الرجال
المصيبة واحدة فان جزعت كانت اثنتين

الفكر الرجعي ماكنة جهدت في تجاهل وتشويه صورة ثورة الرابع عشر من تموز،ومن منطلقات ذاتية وفئوية،وذهب البعض من حملة الفكر الرجعي اليوم ومن النكرات سياسيا،ومن الذين غطوا رؤوسهم بالتراب كالنعامات طيلة عقود من الزمن كاشفين لنا فوهات عوراتهم الفاسدة فقط،الى وصف الثورة بانها ابشع جريمة ومجزرة في تاريخ العراق الحديث!ما هي الرسالة التي اراد هؤلاء ايصالها لنا،ولماذا يقلب مواجع تاريخنا السياسي المؤلم؟تبقى الاهمية الكبرى للمقولة الرئيسية:وهي ان من يشجع هذه الاقزام على خلط الحابل بالنابل هو نفسه الذي يرفض الديمقراطية ويعتمدها في افضل الاحوال لغايات تكتيكية.
يعود نهوض الفكر الرجعي في العراق لا لاسباب فكرية خالصة تتصل بتشبثه بحجج جديدة مقنعة تستحق المناقشة،بل يعود في الاساس الى دوره القديم – الجديد كسلاح من اهم اسلحة مناهضة التقدم الاجتماعي والارتداد عن جوهر مسيرة ثورة 14 تموز المجيدة،والتي بدأت طلائعها منذ السنوات الاخيرة لحكم الزعيم عبد الكريم قاسم،وبلغت ذروتها عبر انقلابي شباط وتشرين 1963وانقلاب تموز 1968،والاحتلال الاميركي،وانتعاش التقاليد والولاءات دون الوطنية،وتزاوج الارهابين الحكومي والتقليدي.
مع 8 شباط 1963 لاحت بشائر الاستعمار القديم والاستعمار المقنع الجديد تلوح من جديد مما حدا بالاحزاب السياسية التحول الى العمل السري مع محاولات الحكام الجهلة تزييف الحياة الحزبية بابتذال وتزوير العمل المهني والاجتماعي والشعبي،وانتشار الفساد واللاابالية والانتهازية والوصولية في اجهزة الدولة،واطلاق الصحافة المأجورة لفرض سياسة الفزع والتهديد بالويل والثبور.واشر انقلاب 14 رمضان الاسود استحواذ الفاشية على السلطة بالتحالف العريض للقوى الطبقية المتضررة من ثورة 14 تموز – الاقطاع وكبار مالكي الاراضي والتجار الكومبرادور وبمباركة اشد القوى العشائرية والطائفية رجعية.وفتح الانقلاب الاسود الابواب مشرعة للعقلية الانقلابية المغامرة وسيادة المنهج التجريبي الموالي لمصالح المراكز الرأسمالية الدولية،بينما جاء انقلاب 17 تموز 1968 تتويجا لهذا التوجه الارعن لتتكرس الهيمنة الشمولية.
استغل البعثيون كل المعادين لثورة 14 تموز 1958 المجيدة في صراعهم من اجل الوصول الى السلطة:
• ساند البعثيون الاقطاع ضد الاصلاح الزراعي،وحاربوا القطاع العام في الاصلاح الزراعي،وشهروا بسياسة وزارة الاصلاح الزراعي واطلقوا الاكاذيب والافتراءات ضدها وجهدوا في مضايقة خيرة الموظفين ومحاولة شل جهاز الاصلاح الزراعي.كما ساند البعثيون الاجهزة القاسمية للقيام بالمخالفات القانونية الصريحة مثل تأجير اراضي الفلاحين للاقطاعيين وجعل حق الاختيار مطلقا من قبل الاقطاع في الاراضي المجنبة خلافا لروح القانون وتأجير اراضي الاوقاف لغير الفلاحين وتزوير الجمعيات الفلاحية والتدخل للسيطرة على انتخابات جمعيات الفلاحين.وضاعف البعثيون محاولاتهم المسعورة لاجراء التعديلات الرجعية الخطيرة في قوانين الاصلاح الزراعي وتأجيل الاستيلاء على اراضي بعض الاقطاعيين خلافا للقانون.
• دعم البعثيون شركات النفط الاحتكارية وعرقلوا القانون رقم 80 مما ادى الى تجميد القضايا الاساسية المعروفة ومنها زيادة حصة العراق من العوائد والمساهمة في رأسمال الشركات واسترداد جميع الاراضي غير المستثمرة والمشاركة في ارباح التصفية وموضوع ناقلات النفط واخضاع الشركات للقوانين العراقية.وهلل البعثيون لاعتقال عشرات الموظفين في المؤسسات والمصالح النفطية دون علم وزارة النفط،كما ساهموا بتزييف نقابات العمال والتدخل في انتخاباتها في الشركات والمؤسسات النفطية وعرقلة جهود تعريق الشركات والمصالح النفطية.
• زحف البعث الى ساحات الخيل ضد قرارات الثورة بالغاء الريسيز وسباقات الخيل.
• تسلل البعثيون الى جهاز الشرطة وتمكنوا من السيطرة عليه عبر مغازلتهم لطموحات ايتام النظام الملكي في العودة الى الماضي والتخلص من قوانين الثورة التي انتقدت مؤسسات الشرطة المتمرسة في ضرب الحركة الوطنية وخدمة الملكية.
• حول البعثيون شعار الوحدة العربية الى سمكة قرش كبيرة جائعة تلتهم كل من لا يتفق مع مغامراتهم وشعاراتهم الكاذبة ويجرؤ على فضحها
• عندما اصدر السيد محسن الحكيم فتواه اللامسؤولة بتحريم الشيوعية تحول البعثيون الى دعاة اسلاميين متشددين يحملون شعار الدفاع عن الاسلام نهارا،وفي الحانات تراهم حماة لبائعات الهوى.
• حرك البعثيون واعوانهم سواق السيارات ضد الدولة عندما رفعت الحكومة سعر البنزين بسبب تغيير العملة.
• تبنى البعثيون لغة القتل قبل استلامهم السلطة،وفشلوا في محاولات اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم وبمؤامرات كركوك والموصل،وبعد استلامهم السلطة وبيان رقم 13 الذي يبيح قتل الشيوعيين اينما وجدوا،هذا البيان الدموي الذي كان يقرأ من الاذاعة على انغام الاناشيد الهستيرية الحماسية”ثوار،ثوار..ولآخر مدى!!”.
• بالنفاق السياسي والاساليب المدانة تمكن حزب البعث ان يجمع تحت خيمته كل القوميين المتزمتين والاسلاميين الاصوليين ورجال الدين المتشددين والضباط الفاسدين الحاقدين الذين تربصوا بثورة 14 تموز منذ الساعات الاولى لانتصارها،وشيوخ الاقطاع وعملاء النظام الملكي والمتضررة مصالحهم من ثورة 14 تموز،وقطاع الطرق والسراق وتجار الرقيق الابيض ومالكي خيول السباقات وعتاة المجرمين والفئات ذات السمعة السيئة ممن اطلقت العنان لغرائزها الغريبة الشاذة المتلهفة الى ارتكاب المجازر وتدفعها شهوة الانتقام من كل ما هو شريف وخير،بالارتباط والاشراف المباشر من المخابرات المركزية الاميركية والبريطانية،في الوقت الذي تغافلت فيه قيادة الثورة والقوى المؤيدة لها عن خطورة ذلك التجمع الرجعي الواسع والحلف غير المقدس الذي كان الاداة الرئيسية لوأد ثورة 14 تموز والقيام بانقلاب 8 شباط الاسود 1963.لقد ضمت تشكيلات الحرس القومي العناصر المنبوذة والتي تضمر حقدا اسودا للمجتمع.
• استغل البعثيون تساهل الزعيم عبد الكريم قاسم واختيار الحزب الشيوعي اسلوب عدم المواجهة بحجة عدم الانجرار نحو العنف،فخيم الخوف الكبير على الوطن واستوطن في قلوب الشعب مما سهل مهمة اغتصاب السلطة واغتيال الوطن وذبح العراق وتكرار مأساة الحسين على ارض هذا الوطن المعجونة بالدماء.
• وجدت الدول الرأسمالية في حزب البعث وحملة الفكر القومي والديني خير مساند لهم في الصراع مع المعسكر الاشتراكي ولمحاربة الشيوعية وسحق الفكر اليساري والتوجهات الاشتراكية عند الشعوب العربية والاجهاز على ثورة 14 تموز.
انتظر الفقراء الكثير من ثورة 14 تموز 1958،لكن آمالهم خابت من سياسة عبد الكريم قاسم ومواقفه الهزيلة امام ارهاب القوى الرجعية،وادرك الشعب العراقي منذ الايام الاولى لانقلاب 8 شباط وسيطرة الزمر البعثية على السلطة ان الايام القادمة تحمل في طياتها الموت للناس الطيبين والمثقفين وحملة الفكر العلمي والادباء والفنانين وكل من ناصر ثورة 14 تموز املا بالحرية والديمقراطية والتقدم،وعكست همجية اعدام قاسم والمهداوي وطه الشيخ احمد ووصفي طاهر وعبد الكريم الجدة والتنكيل بالجثث هذه الرؤى بصدق.
لقد ادرك الشيوعيون ان الهدف الرئيسي لانقلابيي 8 شباط الاسود و”القواويد البعثية”هو تصفية الحزب الشيوعي بالقتل والتعذيب دون المرور بالمحاكم بعد ان فتح البعثيون بسرعة كبيرة مقرات التعذيب في طول البلاد وعرضها!واستخدمت مختلف وسائل التعذيب واكثرها بشاعة:سلخ الجلد،قلع العيون،قلع الاسنان بالبلايس،قلع الاظافر،التعليق بالمراوح السقفية،الكي بالسكائر،الضرب بالكيبلات،تقطيع اجزاء الجسد بالكتر،تكسير العظام بالمطارق،اجبار الضحايا الجلوس على الخوازيق،رش الملح على الجروح،الاغتصاب الجنسي.ذاع صيت قصر النهاية ومراكز محكمة الشعب والملعب الاولمبي والفضل ومديريات الامن(الشرطة السرية)ومراكز الشرطة العامة وبعض دوائر الدولة وقاعات السينما ومباني الصحف والمجلات،نقرة السلمان ومعسكر الرشيد والسجن المركزي رقم (1)وسجن النساء.حول البعثيون العراق باجمعه الى قاعة كبيرة للارهاب والتعذيب،ولم يفلت حتى الاطفال من ذلك الطاغوت المريع!كان هدف البعثيين ليس الحصول على الاعترافات بل قتل الشيوعيين والوطنيين والقاسميين دون تمييز!
اعتمد انقلابيو رمضان الاسود في تنفيذ المخطط الاميركي عام 1963 على التخاريف الاجتماعية من مشايخ اقطاعية ومدينية واصوليات دينية من اصحاب العمائم واللحى والبيوتات الكبيرة والتجار الكومبرادور والشرائح الطفيلية والبورجوازيات البيروقراطية في المؤسسات الحكومية على اساس ايجاد وحدة في المصالح بين هذه الطبقات و السياسة الاميركية،وتسخير الحثالات الطبقية الرثة لخدمتهم وفرض ديمقراطية الفكر الرجعي بقوة السلاح والارهاب والقمع!.ولازالت لعنات الشعب العراقي تلاحق رموزهم وهم في مزبلة التاريخ!.
منذ 14 رمضان الاسود وحتى يومنا هذا تفرض الطبقات الرجعية كلمتها القذرة النتنة على الطبقات ذات المصلحة في التقدم الاجتماعي بالارتدادات والنشاطات الرجعية والارهابية التي تعرقل تقدم المجتمع او البشرية والدفاع عن القديم البالي ضد الجديد الناشئ الثوري ليدفع الشعب العراقي ثمنها من دماءه الغالية ويتحمل اعباءها المادية!واذ ترتبط اليوم،حالها حال الامس،القضية الاجتماعية بالقضية الوطنية ارتباطا وثيقا لا ينفصم،فانه لا يمكن مطلقا التعويل على الطبقات الرجعية لاتخاذ الخطوات الضرورية لانهاء الوجود العسكري الاجنبي واستعادة الاستقلال والسيادة الوطنية كاملة،واستعادة السيطرة الكاملة على موارد البلاد والتحكم بطرق استخدامها وفقا لحاجة البلاد واولوياتها،والعمل على التخلص من تركة الاحتلال بجوانبها المختلفة..ومنها استعادة المؤسسة العسكرية لهيبتها واعادة بناء القوات المسلحة على اساس المهنية واحترام حقوق الانسان والحريات التي ينص عليها الدستور وتأكيد ولاءها للوطن وابعادها عن الصراعات والمحاصصات الطائفية والقومية والاثنية وتكريس مهمة الجيش في الدفاع عن الوطن واستقلاله وسيادته والحفاظ على النظام الدستوري وتربية منتسبي القوات المسلحة على احترام المؤسسات الدستورية والديمقراطية الممثلة لارادة الشعب والالتزام بقراراتها واخضاع الميزانية العسكرية واعلان حالة الطوارئ والحرب الى قرار ممثلي الشعب المنتخبين ديمقراطيا فقط.
ذبحت ثورة 14 تموز 1958 بسكين البعث،ومافعله البعثيون عند استلامهم السلطة للمرة الاولى عام 1963 هو جوهر ما فعلوه في فترة حكم صدام حسين وما يفعلونه اليوم تحت يافطة المقاومة،وهي بريئة منهم،فالبعث هو البعث..لا فرق بين البعث الصدامي والبعث اليساري او اليميني،ولن يخرج العراق من محنته حتى تنبذ الافكار الفاشية وتقتلع من ارض الوطن.لم يغرق العراق في موجات العنف والارهاب الا بعد ان قدمت منظمات حزب البعث والتشكيلات العسكرية التابعة له العراق لقمة سائغة للتكفيريين ليوفر البعثيون الدعم المادي واللوجستي لهم بل وقادوا الكثير من العمليات الاجرامية ونفذوها او استخدموا اجساد المتبرعين للذهاب الى الجنة في تفجير ساحات تجمع المواطنين الابرياء.حمل الحكام الجدد عام 1963 الحقد الاعمى على كل القوى الديمقراطية ليباشروا بتصفية الحسابات التي راكمها حقد عشر سنوات منذ ان ظهر البعث على الساحة السياسية العراقية.

9/1/2009