الرئيسية » بيستون » أيام زمان .. أويلي من هذا الزمان

أيام زمان .. أويلي من هذا الزمان

كنا جالسين في زاوية من المطبخ الدافئ ، نرتشف الشاي ، يروي لي ما يخطر على باله من ذكريات بعيدة عن عقد الاربعينات والخمسينات من القرن العشرين ، وكأنه يتحدث عن امور حدثت قبل يوم او يومين . يتذكر ادق التفاصيل عن تلك الفترة ، وعلى الرغم من ذلك ، يعتذر لي بعد كل حدث يتطرق اليه وينهيه بأن الذاكرة تخونه هذه الأيام . وانا ارد عليه بدون اية مجاملة ، ما شاء الله ! لك ذاكرة مثل الذهب الخالص ، انك تتذكر أمور ياليتك تدون ، لأن ما كان عليه أبائنا وامهاتنا واجدادنا تمحى من ذاكرة الايام مع رحيلهم ، وللأسف ، هو أمر فات المثقفين الكرد الفيليين آنذاك ، ولم يقدروا أهمية تدوينه ، لكننا اليوم ، واجب علينا كتابة ونشر تلك الاحداث ، كل من زاويته ورؤيته وتقديره لتلك الامور ، فهذا اغناء لما نملكه من تراث موروث ، فلماذا تبقى على شكل روايات تروى ولا نحولها الى كلام مدون لكي توثق من قبل الباحثين يوما .
قال لي ضاحكا ً ، ماذا تريدين بالضبط .
قلت له : اريد أن اعرف كم تتذكر من احداث الماضي التي اثرت فيك مثلا او تراها مختلفة عما يحدث اليوم .
قال: أنا ، سوف اروي لك أمورا كثيرة ، فما رأيك ان أروي لك الان ما كنا نفعله في شهر محرم الحرام أيام زمان ، تلك الحقبة من الزمن التي عشتها في تلك المنطقة التي تحتل زاوية مهمة من زوايا قلبي ، لا يمكن ان تمحيها الايام أبداً ، او تنسيني ما اعيشه اليوم من واقع حال قد يكون من الناحية الجمالية والطبيعية والراحة افضل الاف المرات مما كان عليه حالي آنذاك ، إنما لا يمكن لأي شيء في هذه الحياة ان يحل محل محبة ودفئ تلك الفترة في سويداء فؤادي .
قلت لغرض اثارة حفيظته علي ودفعه للكلام : اية منطقة تقصد يا عم ؟
صاح بي مازحاً : لماذا تسألين ؟ الم تولدي فيه انت ايضا؟
ً اجبته بسرعة : منطقة باب الشيخ ، اليس كذلك ؟
أجابني وكأنه يحاسبني : وهل هناك غيرها ، هل هناك أدفئ من تلك المنطقة ذات الازقة الضيقة المتشعبة المتداخلة ، التي تصطف على جانبيها البيوت القديمة وعندما تمرين جنبها تشعرين وكأنها ستهوى على رأسك في أية لحظة ، والشناشيل الخشبية والقناديل النحاسية ؟ ، كانت مسقط رأسي ورأسك فلا تنسي ذلك ابدا ، رديت عليه مبتسمة : أبدا ابدا طبعاً لا انسى ، هل انت راضي الان ؟.
اجاب ضاحكا : نعم نعم .
امسكت بقلمي ودفتري وأمرته بلطف : ياالله لنبدأ ، تحدث لي فكلي آذان صاغية .
قال : موضوع المواكب الحسينية في بغداد ، طبعا تلك الخاصة بالكورد الفيلية آنذاك .
تنهد ابو ياسر ( عبد المجيد عبد ولي كرم ) ، الذي كان في زيارة قصيرة الى بغداد بعد سنوات طويلة تتجاوز الأربع عقود عاشها في المهجر ، فهو يسكن الان في مكان يشار اليه بعالم ما وراء البحار ، الولايات المتحدة الامريكية , التي يسكنها منذ الثمانينات والتي تعتبر المحطة الثانية لهجرته حيث ذهب اليها من مصر التي كان قد هرب وعائلته اليها من بطش النظام البعثي الفاشي في السبعينات ، وواصل حديثه بنبرة حزينه … قائلاً : نعم عقود وانا اعيش في الغربة وفي بلد يعتبر من اكثر بلدان العالم تقدما ، لا بل هو القطب الاوحد في العالم ، لكني دائماً اشعر بالحنين الى ماضي وايام شبابي التي قضيتها في بيتنا بباب الشيخ وأاسف لأني لم اشارك احبائي افراحهم ولا حضرت مراسم عزاء بعض من أهلي واصدقائي عند موتهم ، الذين رحلوا الواحد تلو الآخر ، أو أن اكون هناك حين دفنت امي لكي اضع رأسها على حجر مزارها الأبدي باعتباري ابنها البكر ، إني ، اشتاق لكل لحظة من لحظات حياتي هناك حتى إني في بعض الاحيان من شدة حنيني اشعر بأني لست غائبا كل هذه السنين إنما حاضر بين اصحابي واهلي واشم رائحة كل شيء كان لي هناك .
ثم شرع يتحدث لي عن منطقتهم ودارهم بشوق طفولي . وفجأة ..حدق بعيني … وأضاف وكأنه يحل لي لغزا علميا ، نعم ، انا اتذكر حتى عنوانه ، كان بيتنا في منطقة باب الشيخ رقم الدار 171/442 بجوار مقهى حجي ياس الجمالي وقد ولدت فيها عام 1940م. …
واستدرنا ، انا واياه بهدوء … نسير بخطى بطيئة في طريق ينتهي بتلك الأيام نحو الماضي القابع وراء ستائر ضبابية مسدلة على أزقة ودروب ما وراء الحاضر … كنت اسمع كلماته وادون … وفي لحظة ما … ومكان ما … افترقنا … تركته يسير وحده في درب ذكرياته البعيدة عن مواسم عاشوراء أيام زمان ، ووقفت أنا عند مدخل زقاق آخر بعيد بعض الشيء عن مرقد الشيخ الصوفي عبد القادر الكيلاني ، لا اتذكر بعد المسافة ولكن ، أذكر فقط أنه ,عندما كانت والدتي تمسك بيدي الصغيرة ونتجه لبيت جدي كنا نقطع عدة ازقة حتى نصل الى دربونة ملا نزر ( ملا نظر ) .
اسمعه يقول ، وكأنه يحادثني من وراء تلك الستائر الضبابية : كانت المواكب الحسينية للكورد الفيليين تتزود بالاعلام والدمام والجمبارات والزناجيل والقامات من بيت حجي عباس بالصدرية حيث كان للحاج بيت كبير ذو مساحة كبيرة فيها غرف عديدة ، خصصت إحداها مخزناً لهذه الأدوات الخاصة بالمواكب الحسينية ، وكانت المناطق التي تتواجد فيها هذه المواكب في فترة الاربعينات والخمسينات من القرن العشرين هي الصدرية ، سراج الدين ، الكبي ، البتاوين ، جامع المصلوب ، الدهانة ، الشورجة . وكان كافة اصحاب المواكب هم من رجال الكورد الفيلية الافاضل تقريباً ، ومنهم المرحوم مير ألي ( مير علي ) ، حيث كان يقيم موكبه بجانب قهوته التي كانت تقع ( ابراس الجول عند حمام حوار ) والقارئ الذي يقرأ له هو شعبان رحيم وكان يزاول مهنة لمًام في علاوي الخضر والفواكه في علوة حجي علي البياع في الشورجة ، ويقصد بشغلة لمام هو جمع المبالغ الخاصة بشراء الخضر والفواكه . والموكب الآخر كان للمرحوم علي شمه في عكد الاكراد ، شارع غازي الذي يطلق عليه حالياً شارع الكفاح . اخذ يتمتم وهو يهز رأسه مبتسمــا ً : ( موكب علي شمه والجاي دشلمة ) .
إن الكورد ( والكلام لأبو ياسر ) وبسبب برودة مناطقهم الجبلية تعودوا على شرب الشاي بكثرة وعليه هم يشربونه مع قطعة من السكر المجفف والمضغوط (القند ) لتقليل نسبة السكر فيه .
أما موكب الحسينية الكبيرة، فقد كان يشرف عليها المرحوم أبي خاله كه ( عبد الحسين ) وهي نفس الحسينية الحالية الكبيرة للكورد الفيلية الواقعة في منطقة باب الشيخ . كما كان هناك موكب الدوكجية وكان يشرف عليها المرحوم مجيد وكان عطارا في نفس المنطقة . ثم كان هناك موكب الدهانة وموكب الشورجة ويشرف عليهما تجار الشورجة وقارئهما (قهرمان ) واحيانا ( شعبان رحيم ) الذي كان معروفا بجمال صوته وادائه الحزين حيث كان يستعمل في ادائه نغمة الفراتيات الحزينة .
ثم أخيراً موكب الكبي وكان قارئها هو القارئ والمغني في الاذاعة ، المنولوجست المرحوم فاضل رشيد لانه من اهل كبي الواقعة في منطقة سراج الدين .
توقف ابو ياسر لحظة عن الحديث ، ثم اكمل فجأة مشيرا لي بيده اليمنى وكأنه يريد مني أن لا انسى ما سيقوله : اتعلمين ياستي أنه جرت العادة ان يتبرع الكورد الفيلية بالمواد الغذائية للطبخ الحسيني مثل التمن والمعجون ، والحمص . واذكر ان الطباخ الذي كان يطبخ لموكب الدوكجية اسمه عجوي التميمي ( ابو مشعل ) كان يطبخ قيمة محترمة . ويطبخ الهريسة ايضا ، حيث يستمر هذا الطبخ من اوائل الليل الى اليوم الثاني في القدور الكبيرة ، وكانوا يطبخون فيها القيمة والهريسة والطرشانة . والاطفال ينشدون اهزوجتهــم المشهــــورة آنذاك قرب موعد الغذاء ( موكب عزانا … تمن وطرشانة ، والعين تدمع والبطن جوعانه ، تمن وطرشانه ، حيدر . )
في اليوم العاشر من محرم أي ( عاشوراء او الطبك ) كانت المواكب الكوردية الفيلية تسير كل منها في مسيرة حزينة يصحبها الدمام والزناجيل واللطم الى جامع الخلاني، والإمام الخلاني هو احد وكلاء الإمام المهدي ( ع ) حيث كانت تجتمع كافة هذه المواكب في ساحة الجامع ، وهنا تبدأ المراسم وقراءة الحادي ، وبالنهاية تبدأ التشابيه ، حيث ينصبون خيمة كبيرة في ساحة مسجد الخلاني الكبيرة ويأتي من يمثلون واقعة كربلاء ، بينما يتجه قسم من هذه المواكب الى مدينة الكاظمية ليلاً لكي يطبرون في الفجر . وعندما كانوا يحرقون الخيمة الكبيرة التي كان يقف فيها شباب يمثلون اولاد الحسين وعائلته تعود المواكب إلى مناطقها معا وتمر في مسجد ومرقد الشيخ الصوفي عبد القادر الكيلاني وثم ازقة تلك المناطق ويطلقون شعارات يعبرون فيها عن مأساة الحسين وإمامة علي بن ابي طالب ( ع ) مثـــــل ( إمام اول ، علي ، اول وآخر علي ) وكذلك ( امام اول علي ، شيخ منور علي ، لعنة على قاتلك ياعلي ، لعنة على عدوك ياعلي ، علي ، علي ، على ) ثم يعود الناس الى بيوتهم .
عندما كان يغور هو في ذكرياته البعيدة ، كنت أنا … لا ازال في مكاني ، في نهاية الخمسينات عند مدخل ذلك الزقاق ، اسعى كي اعود الى فترة شهر محرم الحرام مثله ، لكني لم اكن ارى، سوى صورة باهتة لفتاة صغيرة تدير الرأس محتارة وتسائل نفسها ، لماذا كل من في البيت ملبس بالسواد ولماذا الزقاق مكتظ بجموع واقفة حزينة ، بعضها تنوح وتبكي على جانبي الطريق ومواكب من الرجال تسير رافعة اعلام وتسمع أصوات ضربات الطبًالين الحزينة على طبول صغيرة وكبيرة محمولة على صدور رجال وشباب يسيرون في صفوف منتظمة ( ددم ددم ددم ….حيدر … ددم ددم ددم … حيدر ) وصوت البكاء والعويل ممزوج بصياح النسوة في عكد الاكراد آنذاك ، ويزداد هلعها عندما ترى عصابة رأس أمها وعماتها ملطخات بالطين ( الطين خاوة ) … ترى كل ذلك من على كتفي عمها بينما اقدامها الصغيرة متدلية على صدره ماسكاً يديها بيديه لكي ترى ما يجري حولها بوضوح اكثر…
قد لا نرى مايجري حولنا بوضوح عندما نكون اطفال صغار … لكن عندما نكبر ويزداد وعينا وتزداد بصيرتنا وضوحا ً جراء دراستنا وتجربتنا ومايدور حولنا اليوم في العالم من احداث وتغييرات علمية محيرة للعقول والذي لابد وأن يكون له تأثير علينا ، يمكن ان نرى ونطلع وتتكون لنا رؤية ووجهة نظر لما نراه ونلمسه حولنا . وهنا ، أريد ان اسأل ، هل كان اهلنا آنذاك عرب او عجم او ترك او فيليين بلا كورد ؟ بالطبع لا ، فلا يمكن تغيير البديهيات ابدا ، لقد كانوا كورد فيليين ولا زالوا كما كانوا وحتى إن قسم منهم كان لا يجيدالعربية جيداً .
نعم أكرر ، اهلنا ، كانوا كورد ولا زالوا كما هم لم يتغيروا ابدا .. ولكنها اللعبة السياسية الحالية في العراق ، حيث هناك من يعتقد أنه لابد انه يكون مميزا حتى يستطيع ان يطالب بحق اغتصب منه ظلما وجورا ً، أو لا سامح الله أن يستولي على منصب بهذا الأسلوب.
مع فائق احترامي لكل العرب والفرس والترك وأي شعب آخر من شعوب الله على الأرض. إلا إني أرى ، ان موضوع ( هل ان الانسان مخيًر ام مسيًر ) مقولة مثيرة للجدل دائماً ، في كل الاديان والعقائد السماوية منذ بداية التاريخ وحتى يومنا الحاضر. ومما لا شك فيه ، إن اهل الفلسفة و رجال الدين يمكنهم تفسير وشرح ذلك بشكل افضل منا بكثير ، لانه موضوع اختصاصهم , ولكني كانسانة عادية أومن ، بان الانسان ان كان مخيرا او مسيرا في اي امر فبدون شك هو غير مخير في اختيار قوميته فإنه سيولد على قومية ابويه واما الدين والطائفة فإنهما اصبحتا عندنا من الاعتقادات الموروثة التي لا يمكن للمرء ان يتخلى عنها ، فهي اصبحت فطرية في دمه ، وطبعا هذا الامر لا يعني بأننا نؤمن بالطائفية بل على العكس عقيدة المرء لابد أن تحترم مهما كان نوعها ، ولكن في هذه الايام هناك اناس في العراق ومنطقة الشرق الاوسط يسترزقون من اثارة النعرة الطائفية للتفريق بين حتى ابناء القومية الواحدة ، واكثر موضوع مطروح للمناقشة حاليا هو ما يخص الشعب الكوردي ، نحن نشعر وكأن هناك اياد خفية تريد اثارة الفرقة بين ابناء شعبنا من خلال إثارة قضية ان هؤلاء كورد شيعة واؤلئك كورد سنة وهو امر مرفوض تماماً، وياليتهم يكتفون بهذه التسمية لكن أن يتم الاصرار على كتابة الفيلي دون الكورد مرفوض … ومرفوض ومرفوض…
فالشعب الواحد يمكن ان يكون على عدة اديان ومذاهب وعقائد واديولوجيات واذواق ولهجات وغيرها. والشيء المزعج حقا ، مانراه حاليا ً في شوارع بغداد ، مع قرب انتخابات مجالس البلدية وظهور اسم الفيلية في إحدى القوائم الانتخابية بدون كلمة الكورد قبلها وواضح تماما ماذا يريد هؤلاء تحقيقه من وراء مثل هذه التسميات ، كل البوسترات سواء الكبيرة او الصغيرة الخاصة بالاشخاص والكيانات تتصدرها اسماء المرشحين والشعارات دون ان تلفت النظر ، الا بدعة جديدة تظهر على بوستر صغير يقف الى جانب بوستر لشخصية كبيرة تؤكد بأنهم فيلية بدون كوردية وكأن اصحابها يتشجعون بصاحب البوستر الكبير الحجم الذي لا يجرؤ احد على ان يلحق به مصير الكثير من البوسترات التي كلما تعلق ياتي من يمزقها ومن هم هؤلاء ؟ لا احد يدري …
ان نكون نحن الكورد الفيليين شيعة هي حقيقة لا ضير فيها ابدا ، فنحن كذلك بدون اي شك ، ونحن اولاد اؤلئك الذين اشرنا اليهم في مدخل الموضوع ، فنحن بكل بساطة كورد نؤمن بالاسلام دينا والشيعة مذهبا ً والكورد شعب على اديان مختلفة ومذاهب مختلفة شأنهم شأن اي شعب آخر … والعجيب أن هذا الموضوع لا يثار إلا بشأن الكورد فقط وكأن الآخرين معافون من هذه القضايا .. ولكنها الانتخابات ، موسم العجائب ففيها السعي حثيثاً لتولي المناصب ! التي كلما تقترب تثار فيها هذه القضايا التي لم يعد لها مكان في عالمنا المتحضر … فالذي يريد منصبا خاصا فعليه تقديم برنامج عمل كامل يقنع به ناخبيه وليس عناوين فارغة تثير حفيظة العراقيين ومنهم الكورد الفيلية ..
فالكورد الفيليين كانوا في الماضي شيعة وسيكونون كذلك في اي وقت آخر ، ولكنهم بالاصل كورد ، تجري في شرايينهم دماء ابوين كورديين ، ومن ينكر هذا، فهو ينكر هويته وكيانه الانساني لارضاء هذا وذاك او من اجل منصب لدنياه ؟

3/1/2009