الرئيسية » مقالات » دَرس غَزّة : التوّحد بعد الانقسام !

دَرس غَزّة : التوّحد بعد الانقسام !

لقد مضى أكثر من ستين سنة على تأسيس إسرائيل في قلب الأرض العربية ، ومن خلال الأساليب التي اتبعها المشروع الصهيوني ،والتي لم يتعلم منها العرب شيئا ، كما يبدو .. فليس من المنطقي أبدا، أن تعيد إسرائيل إنتاج تجاربها المريرة في العدوان ، وهي على أتمّ التماسك ، والفلسطينيون منقسمون على أنفسهم ! وليس من العدالة ، أن لا يدرك العرب حتى يومنا هذا أهمية الإرادة الوطنية الموّحدة مهما انقسمت السياسات ، وتجزأت القضايا .. الفرق بين العرب والصهاينة ، جدّ كبير ، فالعرب منظومة لا تعرف كيف تسترد حقوقها ، وهي تتهيّج ، ثم يخمد فعلها ، وأنها لا تعرف التوّحد على مبادئ أساسية ، مهما تنوّعت أساليبها .. أما الصهاينة ، فان لهم مشروعهم التاريخي الموّحد الذي يعمل بصمت ضمن سياسات لا أول لها ولا آخر .. إنهم يقدّمون ” الوطن ” على المؤسسات والأشخاص والسياسات .. لا يمكن لعاقل بعد اليوم ، أن لا يقف يتأمل قليلا ، بعد المجازر ، وقتل الأبرياء ، كي يتعلم درسا واحدا يقول بتشكيل إرادة فلسطينية واحدة لا إرادتين ، وان تتوحّد القضية عربيا بعد أن طالها الانقسام من الآخرين ، وان يكون للفلسطينيين مشروعا واحدا ، يبقى كل الفرقاء في داخله ، وبكل جدلهم حول بدائل سياسية ، شريطة أن لا يضّر بالمصلحة الوطنية .. عليهم أن يدركوا ، أنهم يتعاملون مع واقع صعب للغاية بلا أي برنامج ، ولا أي مشروع ، ولا أي سياسات .. ولا يمكن أن يكون الناس العزل من شيوخ ونسوة وأطفال ، وقود حرب همجية غير متوازنة ، ولا مسؤولة ، ولا متكافئة .. إن الحرب لم تندلع مع قصف الطائرات ، بل اندلعت مع فرض الحصار الاقتصادي القاتل وانقطاع الخدمات ..

إن ما يهم الشعب الفلسطيني اليوم ، لا هدنة مؤقتة يسترجعون فيها حياتهم المهددة بالأخطار ، بل عليهم أن يتعلموا من درس الحرب ، والتعامل مع تداعياتها القادمة .. إننا كعرب ، ليس مطلوبا منّا أن نمارس ضغطا ضد العدوان فقط ، ولكننا بحاجة أيضا ، إلى إدراك مع من نتعامل منذ أكثر من ستين سنة .. ولا يمكن للعرب أن يصمدوا إلى ما نهاية ، وهم يرون مدنهم تحترق ، ويجدون نساءهم وأطفالهم وشيوخهم يموتون جوعا وقتلا واحتراقا ودمارا .. لا يمكن البقاء في دوامة مناورات عربية، وانقسامات محلية ، وضمن أجندة إقليمية تملؤها الشعارات الفضفاضة ، أو تتقّبل الهزائم كي ينال العدوان الغاشم دوما من أرضنا ووجودنا .. كيف يمكن البقاء في دوامة مثل هذه الحرب الوحشية، وأنت لا تملك سلاحا، ولا عتادا، ولا حتى رزقا أو مالا.. إن الفلسطينيين ،أمام طريقين أحلاهما مرّ ، وان لم تكن غّزة درسا تاريخيا مريرا ، فسوف لن تكون هذه الحرب ، هي الأخيرة التي ينبغي أن يتعلم منها كل الذين لا يريدون أن يركعوا لأية قوة لا تعرف إلا الإبادة ! إنهم مدعوون اليوم ، ليجعلوا قضيتهم وطنية ، بالدرجة الأساس ، من دون أن يتلاعب بها السياسيون الذين تتنوع انتماءاتهم ، وشعاراتهم ، وارتباطاتهم .. ولا يمكن أن تختزل غّزة كل القضية الفلسطينية ، وكأنها لم تكن قضية الشرق الأوسط بأكمله قبل سنوات !

إنني أدرك أن إسرائيل تريدها ضربة موجعة كعادتها من اجل حسابات داخلية أولا، ومن اجل حسابات عربية ثانيا ، ومن اجل حسابات إقليمية ( إيرانية ) ثالثا .. مستغلة الصمت الرسمي ، إذ لا يهمها إن قامت الشعوب كلها ولم تقعد ، أو تدينها الناس في الشوارع ليل نهار .. المهم، إن ثمة خططا إسرائيلية معّدة للتنفيذ مع افتتاح سنة 2009، وأنها عمليات عدوانية مؤلمة جدا ، توصلها إلى أهدافها للمرحلة القادمة . والمرء المتابع لكل عملياتها العدوانية ، يجد أنها لا تهتم أبدا حتى إن وصلت الإدانات ضدها إلى عنان السماء .. المهم ، عندها تحقيق الأهداف التي رصدتها .. السؤال : ماذا سيكون رد الفعل الفلسطيني إزاء هذا العدوان ؟ شعارات صارخة ، ومظاهرات عارمة ، ومقالات ساخنة ، وسلسلة ندوات ولقاءات .. وما أن تفرض ( التهدئة ) التي يسعى الجميع من اجلها.. سيطوى كل شئ ، ويصبح ما حدث مجرد وقائع ذاكرة مناضلة .. من دون أن يتعلم الفرقاء الفلسطينيون شيئا .. في حين ستنجح إسرائيل في توظيف ما قامت به لصناعة واقع جديد خططّت له عند بدايات القرن الواحد والعشرين.

إنني أريد القول، أن هذا الدرس الصعب، والمؤلم ، والخطير ، ينبغي أن يتعلمه كل الفلسطينيين لإعادة التفكير في صنع إرادة وطنية حّرة وعقلانية وموحدّة ، بعيدا عن أي انقسام سياسي أضر كثيرا بالقضية ، وان يحدد الفلسطينيون ، هم أنفسهم ، ما الذي يريدونه .. وان لا يكونوا أداة بأيدي الآخرين، كي يدفعوا إزاء ذلك أثمانا من دمائهم وأرضهم ووجودهم .. عليهم أن يتفقوا على الحدود العليا والدنيا من حقوقهم الوطنية المشروعة ، وان يميزوا بين ثوابتهم الوطنية وبين مفارقاتهم وارتباطاتهم السياسية .. عليهم أن يمسكوا العصا من وسطها ، بحيث يأخذوا ويطالبوا بدل البقاء بمسك العصا من طرفين اثنين ، فتكون قابلة للكسر .. إن من ساهم في الدفع إلى المحرقة ، تجده اليوم قد هرب من الميدان .. وعليه، فان القضية ستبقى عربية.. وسيسعى العرب وحدهم لإيقاف نزيف الدم .. فهل سيتعلم الفرقاء هذا الدرس ؟