الرئيسية » مقالات » انتقادنا لحماس لا يعني تأييداً لإسرائيل

انتقادنا لحماس لا يعني تأييداً لإسرائيل

من المعروف أنه ليس في البلاد العربية ما يعرف في الغرب بـ(الرأي العام) والذي يعتبر من أهم وسائل الضغط الموجه على الحكومات للتأثير على سياساتها، وإنما هنا في العالم العربي يوجد ما يـسمي بـ(الشارع العربي) الذي وتحركه المشاعر والعواطف الملتهبة وليس العقل. لذا ففي مثل هذه الظروف العصيبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني الجريح من حرب إبادة، من الصعوبة جداً على أي كاتب أن يتخذ موقفاً عقلانياً ويقول ما يمليه عليه العقل والحكمة والضمير، بل وربما تبدو العقلانية في هذه الحالات نوع من البطر أو الهلوسة.

والسبب هو إضافة إلى سيطرة الغرائز في سلوك الجماهير العربية، ووحشية الحرب الإسرائيلية ضد السكان الآمنين، هناك اختلاط الأوراق وما اعتاد عليه العقل العربي من ثنائية مانوية، أسود وأبيض، ظلام ونور، ليل ونهار، خير وشر، حياة وموت… الخ وعليه ففي حالة الصراع، فإما أنت معي وإما مع أعدائي، وليس هناك أي موقف آخر. لذلك ففي نظر هؤلاء عليك أن تأخذ موقفاً واضحاً، إما مؤيداً لحماس وسياساتها الانتحارية، وإلا فأنت مع إسرائيل وتؤيد جرائمها الفظيعة بحق الإنسانية، وتعامل وفق هذا المنظور، وبذلك توضع في خانة الخونة وعملاء إسرائيل!!

وهذا لا يعني أننا ندعو إلى الحياد في هذا الصراع الدموي بين الشعب الفلسطيني الأعزل الضحية وإسرائيل، أبداً، فإننا مع الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية المتمثلة بالرئيس محمود عباس، وندين إسرائيل، ولكن في نفس الوقت انتقادنا لحماس لا يعني تأييداً لإسرائيل أو انحياز لها معاذ الله.

مناسبة هذه المداخلة هي ما نقرأه، مع الأسف الشديد، من اتهامات للكتاب العقلانيين الذين تجرؤوا وانتقدوا حماس على مقامرتها بحياة الشعب الفلسطيني، ترد في كتابات بعض الكتاب العراقيين والعرب حول هذه القضية، وكذلك من تعليقات ورسائل بعض المعلقين على المقالات، والبعض منهم متخفياً وراء أسماء مستعارة، فيطلقون العنان لمشاعرهم المشبوبة، فيكيلون الشتائم ويوزعون التهم دون وازع من ضمير، ويعتبرون أي نقد لحماس هو بمثابة تأييد لما يجري من قتل وحشي همجي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. وهذا اتهام ظالم، إما ناتج عن قصر النظر في فهم الأمور، أو عن عمد في اتخاذ المناسبة هذه فرصة لتصفية حسابات، والتلويح بالإرهاب الفكري ضد كل من له رأي مغاير لآرائهم.

وقد بلغ سوء فهم البعض لموقفنا، وأقولها بألم، حتى من قبل بعض الأصدقاء الذين نكن لهم الحب والتقدير، وتجمعنا معهم علاقات إنسانية نبيلة، ولكننا في نفس الوقت نختلف معهم في بعض المواقف والرؤى السياسية، وهذه مسألة طبيعية أن يرى شخصان الشيء الواحد بشكل مختلف، والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. لقد تألمت كثيراً عندما بعث لي صديق عزيز، أختلف معه في الموقف من سياسات حماس، فأنا ضدها وهو من مؤيديها، بعث لي صورة بشعة من مآسي الحرب في غزة، وكأنه يريد أن يقول لي لماذا تؤيد إسرائيل، أنظر ما ترتكبه قواتها من جرائم فضيعة بحق الشعب الفلسطيني الأعزل!!!.

أود في هذه المداخلة أن أوضح لمن أساء فهمنا أن انتقادنا لسياسات حماس لا يعني مطلقاً، وبأي شكل من الأشكال، تأييدا لإسرائيل و لما ترتكبه من جرائم أو لسياساتها إزاء الشعب الفلسطيني أو العرب، بل أنا من الناس الذين يدينون إسرائيل إلى أقصى حد، ولكن ما قيمة هذه الإدانة والصياح والعويل وتهييج الشارع العربي من المحيط إلى الخليج؟ لقد شاهدنا هذه المناظر منذ عام 1948 الذي يسمى بعام النكبة ومروراً بعام 1967 الذي سمي بعام النكسة، ولحد الآن ودون جدوى. والسبب هو أن هذه الجماهير تفكر بقلوبها وليس برؤوسها، والويل لمن لا يسايرها على هذا النهج العاطفي الغرائزي.

فإذا كان أي انتقاد لحماس هو خيانة للقضية الفلسطينية وتأييد لإسرائيل، فماذا نقول عن موقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي قال أن هذه الحرب كان يمكن تجنبها، وأدان حماس في إطلاقها الصواريخ على المدن الإسرائيلية، والتي سمّاها بـ(الصواريخ العبثية) لأنها أعطت الذريعة لإسرائيل لشن حربها الوحشية على الشعب الفلسطيني؟ فهل الرئيس عباس مؤيد لإسرائيل وخائن للقضية الفلسطينية التي كرس لها حياته منذ طفولته ولحد الآن؟ وهل أنا العراقي يجب عليَّ أن أكون ملكياً أكثر من الملك، وفلسطينياً أكثر من محمود عباس وأزايد عليه في هذه القضية؟

ولكي نوضح للأصدقاء وغير الأصدقاء نؤكد مرة أخرى، أننا ننتقد حماس من موقع حرصنا على مصلحة الشعب الفلسطيني، وفهمنا للحقائق التالية التي صارت من المسلَّمات:

1- إن إصرار حماس بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر شعار ديماغوجي غير واقعي يضر بالقضية الفلسطينية، ويصب في خدمة إسرائيل في حملتها الدعائية بأنها مهددة بالفناء،
2- إسرائيل أقوى من جميع الدول العربية مجتمعة، عسكرياً واقتصادياً وعلمياً وثقافياً وفي جميع المحالات الأخرى، إضافة إلى ما تتمتع به إسرائيل من دعم الدولة العظمى والوحدة الأوربية. ومن لا يعترف بهذه الحقيقة فهو يخدع نفسه،
3- وبناءً على ما تقدم، فليس بإمكان العرب تحقيق شعار حماس، أو شعار الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بإزالة إسرائيل من الخارطة، وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر،
4- هناك شبه إجماع عالمي وخاصة لدى الدول المؤثرة في القضية الفلسطينية، مثل أمريكا والوحدة الأوربية والدول العربية وحتى منظمة فتح، أن الحل الأسلم والواقعي والممكن هو قيام الدولة الفلسطينية على الأراضي التي احتلها إسرائيل عام 1967، وتعايشها مع دولة إسرائيل جنباً إلى جنب، بسلام،
5- تتضح عبثية سياسات حماس بجلاء في ما صرح به خالد مشعل، أحد زعماء حماس، للكاتب اليهودي مارك هالتير الذي التقاه في دمشق عشية شن إسرائيل الحرب على غزة قوله: [“نحن مع دولة فلسطينية في حدود 4 يونيو 67. لكن “بالقوة العسكرية” وليس بالمفاوضات!] (من مقالة العفيف الأخضر، إيلاف، 3/1/2009). ونحن إذ نسأل: هل بإمكان منظمة حماس ومليشياتها تنفيذ هذا الكلام بالقوة العسكرية وليس بالمفاوضات؟ وأيهما أسلم للشعب الفلسطيني ولشعوب المنطقة؟
6- يقول البعض أن رد إسرائيل جاء عنيفاً أكثر مما هو متوقع. هذا الإدعاء هو الآخر ينم عن جهل هذا البعض، وهذا ما ادعاه حسن نصرالله، زعيم حزب الله عام 2006 أنه لو كان يعرف رد إسرائيل بهذا العنف لما أقدم على ما قدم عليه. والسؤال هو: ألا يعرف العرب سياسة إسرائيل أنها دائماً وأبداً ترد الصاع بألف صاع وتكيل الكيل بألف مكيال؟ وهل سيفاجئنا الشيخ إسماعيل هنية بعد أن تضع الحرب أوزارها أنه لو كان يعرف أن رد فعل إسرائيل بهذا العنف لما أطلق الصواريخ عليها؟ وهل سيتعهد أمام العالم كما تعهد رفيقه في الجهاد السيد حسن نصرالله من قبل أن هذه الحرب سوف لن تتكرر في المستقبل؟ هذا ما نتوقعه ولكن بعد دمار شامل.
7- وأخيراً وليس آخراً، يجب أن تعرف حماس والحكومات التي تدعمها، إيران وسوريا، أن السياسة فن الممكن، وإن ما تتعبه الآن من سياسات، وما ترفعه من شعارات، هي ليست واقعية فحسب، بل وانتحارية أيضاً، ويدفع ثمنها الشعب الفلسطيني باهظاً كما هو جار الآن.
والجدير بالذكر، أن أكبر خطأ ارتكبته حماس هو عندما قامت بالانقلاب المسلح على حكومة الرئيس محمود عباس في غزة في حزيران/يونيو عام 2007، وقامت بقتل ما لا يقل عن مائة وعشرة أشخاص معظمهم من رجال فتح الذين تم إعدامهم بطرق وحشية مثل إلقاء البعض منهم من نوافذ الطوابق العليا، وأضعاف هذا العدد من الجرحى، وأقام إمارة غزة الإسلامية. وقبل ذلك الوقت ربطت حماس مصيرها بإيران وسوريا وحزب الله، وكرست جهودها لخدمة أغراضهم الرامية إلى عرقلة حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي بالوسائل السلمية خاصة في الوقت الذي كسب فيه الشعب الفلسطيني عطف وتأييد العالم وبالأخص أمريكا والوحدة الأوربية.
خلاصة القول، نعتقد أن سياسات حماس هي انتحارية ويدفع ثمنها باهظاً الشعب الفلسطيني كما هو الآن، ولذلك نرى من واجبنا ككتاب أن لا نصفق لأخطاء حماس، بل نقول لأية قيادة ترتكب الخطأ أنها على خطأ. فحماس، أيها السادة على خطأ لأن سياساتها ليست غير واقعية فحسب، بل وانتحارية، وخاصة في إطلاقها الصواريخ العبثية على المدن الإسرائيلية التي أعطت الذريعة لإسرائيل بشن هذه الحرب الهمجية على الشعب الفلسطيني الأعزل. فصديقك ليس من يصدقك في كل شيء، بل الذي يوجه لك النقد البناء عندما تخطأ ويقدم لك النصيحة الصادقة لتصحيح أخطاءك، وليس من يكيل لك المديح الرخيص حتى عند ارتكابك الأخطاء الجسيمة القاتلة.