الرئيسية » مقالات » فتوى يسارية بجواز العمل في ظل الاحتلال

فتوى يسارية بجواز العمل في ظل الاحتلال

من المبتكرات أو المتممات لموقع الحوار المتمدن ما أوجده من نظام جديد للتعليقات وقبله الرسالة الموجهة إلى كاتب المقال فهذا الأمر يبين مدى تفاعل القراء مع الكاتب أو موضوع المقال ويبين ما يحضا به من رفض أو قبول وآراء الآخرين في مضمونه وردودهم عليه وهو أمر حميد بلا شك يظهر ما هناك من رأي وآخر من تباين أو تفاوت ويفسح في المجال للآراء المتعددة أن تأخذ طريقها للنشر في حوارية نتمنى أن لا تصل إلى حدود المهاترة وتبادل الاتهامات بعيدا عن الحوار المتمدن الذي يصبو إليه الجميع لأنه من علامات الصحة في التفكير العربي بعيدا عن الفكر المتعصب الذي لا يؤمن بالرأي الآخر .

وقبيل أيام نشرت في الحوار المتمدن مقال بعنوان فتوى انتخابية بينت فيه رأيي في ظاهرة كتابة الآيات والأحاديث ووضع الرموز الدينية وبينت أن مثل هذا الأمر سيؤدي إلى امتهان هذه الرموز لأن مصير أكثر هذه الملصقات التمزيق أو صناديق النفايات وبذلك نمنع عن هذه الرموز أهانات توجه إليها بسبب إصرار البعض على الاحتماء خلفها والتمسح بأذيالها للوصول إلى الكراسي الدافئة واكتناز الثروات وسرقة المال العام والتسلط على الجماهير وهو الهدف الأسمى للكثيرين ممن خاضوا غمار العملية السياسية وأنحصر تفكيرهم في كيفية الاستفادة الذاتية القصوى دون التفكير بمصالح الجماهير واتخاذها سلما للوصول إلى السلطة فقط.

وكان من ضمن التعليقات التي وجدتها تعليق لأحد الأخوة أورد نصه على أمل الإجابة عليه لأني لم أستطع الرد حينها لاطلاعي عليه بعد انتهاء المدة المحددة للتعليق والتي أتمنى على هيئة الحوار المتمدن تمديدها لأيام أخرى ليكتمل التفاعل مع الموضوع مراعاة لظروف العراقيين بالذات الذين يفتقرون إلى خدمة ألانترنيت الجيدة ،والكهرباء التي تمكنهم من مواكبة ما ينشر في وسائل الأعلام الالكترونية فالكهرباء في العراق أصبحت الكارثة التي أحالت أيامنا إلى ليالي وصباحيات سوداء ولا يوجد ما يشير إلى أمكانية أصلاحها خلال عشر سنوات بسبب فشل وزارة الكهرباء وفسادها وعدم جدية السلطة في معالجة هذا المحور الهام في حياة العراقيين.

يقول التعليق”عزيزي أبو زاهد :بما انك محسوب على اليسار العراقي ومن عائلة ذات أصول دينية لذلك ارجوا أن تبحث لنا عن فتوى يسارية تجيز للشيوعي أن يشارك ويدعم انتخابات تجري في بلده المحتل من الأمريكان وإذنابهم وتحت رعايتهم ودعمهم
مع تقديري”.

هذا التعليق حمل في طياته أكثر من صورة ووجه فهو ولا شك نابع عن قناعة حقيقية للمعلق الكريم بسبب التعتيم الإعلامي على التاريخ الناصع للحزب الشيوعي أو عدم محاولة الأخ قراءته ودراسته بشكل يجعله يعي دروسه وطرقه وسياقاته ،ومجاراة لبعض الآراء الخاطئة التي تطرفت بأطروحاتها وكفرت بكل القيم النضالية للشيوعيين العراقيين ورأت في نفسها البديل المنتظر لهذا التاريخ السامق رغم تجاهلها لأطروحاته وبعدها عن منطلقاته وعدم فهمها لأساليبه النضالية وتكتيكاته التي كانت معينة في المسيرة الطويلة رغم ما لابسها من أخطاء بسبب الاجتهادات التي أثبتت الأيام أنها كانت خاطئة أو مجانبة للواقع وأدت إلى ويلات وكوارث تتحمل مسئوليتها القيادة التي انتهجت هذا الطريق،وسلكت هذا المسلك لأسباب عديدة ليس من بينها الخيانة أو الارتداد كما يحاول البعض وصفه وإنما هو خطأ تكتيكي أقسرت عليه الظروف،أو أجبرت عليه المرحلة بتداعياتها وتشعيباتها الكثيرة التي كانت سائدة في التفكير الشيوعي لذلك علينا احتسابه بنية حسنة بعيدا عن التخوين والتكفير كما هو حال البعض ممن استطابوا كيل الاتهامات إلى هذا أو ذاك دون النظر لطبيعة المرحلة والظرف الموجب لهذا السلوك أو ذاك.

أما أن يشارك الحزب الشيوعي في عملية سياسية أو يتفاعل معها ويسهم في الانتخابات الجارية في ظلها،فهذا ليس بجديد على الحزب الشيوعي،فقد حاول منذ تأسيسه في 31 آذار 1934 العمل السياسي العلني والإسهام في الانتخابات ،ولكن الحزب لم يسمح له من قبل السلطة الملكية البائدة أن يمارس دوره السياسي من خلال المشاركة والإسهام في الانتخابات البرلمانية رغم علمه بصوريتها وعمليات التزوير الجارية فيها ،فقد عمل الخالد فهد المستحيل للحصول على أجازة لحزب سياسي له حق العمل العلني إلا أن السلطات لم تجيز ذلك الحزب ،فقد قدم الحزب عام 1942 طلبا لأجازة (حزب الوحدة الوطنية الديمقراطي) وكان من المتقدمين عبد الله مسعود القريني ومحمد صالح بحر العلوم وكان في مقدمة برنامجه المشاركة في الانتخابات البرلمانية ورفض الطلب،وشجع الحزب سنة 1943 يحيى قاسم وتوفيق منير وإبراهيم الدرزكلي وعبد الرحيم شريف وآخرين على تقديم طلب لأجازة حزب سياسي بأسم(حزب الشعب) فماطلت الحكومة واكتفت بأجازة جريدته (الشعب) وبعد خروج القريني دخل على الخط الفقيد عزيز شريف وأبعدهم عن الحزب الشيوعي ونال الأجازة، وفي عام 1945 أتخذ الحزب قرارا للتقدم بطلب أجازة حزب علني وتكون هيئته المؤسسة من رفاق موثوقين فقدم يعقوب مصري ومسرور صالح قطان وإبراهيم ناجي وآخرين طلبا إلى وزارة الداخلية لتأسيس عصبة مكافحة الصهيونية،فعرقلت الحكومة طلبها وأخذت تماطل في منحها الأجازة،رغم نشاطها المعروف في الساحة السياسية، وفي سنة 1946 منحتها الأجازة ومارست نشاطها العلني ثم عمدت إلى إلغائها واعتقال أعضائها بعد ثلاثة أشهر من أجازتها.

وسعى الحزب لتأسيس حزب التحرر الوطني وتقدم الشهيد حسين محمد الشبيبي عضو المكتب السياسي والشهيد محمد حسين أبو العيس وسالم عبيد النعمان وعبد الجبار حسون ومحمود صالح السعيد وآخرين بطلب أجازة الحزب إلا أن السلطة ماطلت أيضا وأستغل الحزب طلب الأجازة لممارسة نشاطه السياسي العلني،ثم قامت السلطة الملكية بشن حملة اعتقالات لمنتسبي الحزب.

وخاض الرفيق الخالد سلام عادل نضالا مريرا من اجل تأسيس الجبهة الوطنية وأوكلت إليه مهمة المفاوضات مع الأطراف الأخرى فتكلل عمله بالنجاح وانبثقت الجبهة في 12 أيار 1954 وأعلنت برنامجها لخوض الانتخابات البرلمانية المزمع إجرائها بالاتفاق مع الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال وممثلو العمال والفلاحين والمحامين والطلاب والأطباء وكان هؤلاء يمثلون الحزب الشيوعي،وكان عدد مرشحي الجبهة 37 مرشحا موزعين على النحو التالي 14 من الحزب الوطني الديمقراطي و8 من حزب الاستقلال و15 من الشيوعيين والمستقلين وكان من بينهم الدكتور محمد الجلبي والمحامي توفيق منير والشيخ عبد الكريم الماشطة والدكتور خليل جميل والشيخ محمد الشبيبي،وعمل الحزب بأقصى طاقاته للفوز بالانتخابات رغم ممارسات السلطة الملكية وأجرأتها التعسفية ومحاربتها لمرشحي الجبهة وتزويرها العلني للانتخابات إلا أن الجبهة تمكنت من الحصول على 11 مقعدا مما أغاض الحليفة بريطانيا وعملائها فصدرت الإرادة الملكية بحل المجلس النيابي وأجراء انتخابات شكلية فاز فيها مرشحي البلاط بالتزكية.

أما العمل مع الدول الغربية فقد وقف الحزب إلى جانب الحلفاء في حربهم ضد النازية الهتلرية ورأت اللجنة المركزية في اجتماعها المنعقد عام 1942 أنها(حرب الإنسانية التقدمية ضد أخطر عدو عرفه العالم فلا عجب إذا رأينا الأمم تحارب الفاشستية لأن الفاشستية تريد أن تحرمها من استقلالها فانتصار الفاشستية معناه العبودية والفناء لسكان المعسكرات والدول التابعة) وفي الاجتماع اللاحق في 17 أيار 1942 قدم الخالد فهد تقريرا قال فيه”أن الحكومة الحاضرة تكافح النازية ولكن يجب أن لا ننسى في الوقت نفسه أن أعضاء الحكومة أنفسهم هم الذين كانوا يحاربون الديمقراطية في الداخل” مما يعني جواز إسناد الحكومة رغم سلبياتها في مواجهة العدو الأخطر والعدو الأخطر الذي يواجهه العراق بعد الاحتلال هو هجمات القاعدة التي طالت الأبرياء من العراقيين واستهدفت تدمير البني التحتية والاقتصاد الوطني والمنظمات الأصولية الأخرى ذات الارتباطات المشبوهة والتي تشكل خطرا يزيد على الاحتلال الأمريكي أضعاف مضاعفة ،لذلك رأى الحزب ضرورة الاشتراك في الحكومة لأن الشيوعية لا تحرم العمل البرلماني فقد قال لينين علينا الاستفادة من البرلمانات البرجوازية لتحقيق ما نطمح إليه، لذلك لا يعد خروجا على اليسار العمل البرلماني فأن القيادة الشيوعية التي يدعي الجميع الانتماء لها والارتباط بها والتغني بأعمالها قد وقفت إلى جانب الدول الغربية في محاربة الفاشستية وخاضت انتخابات برلمانية في ظل أعتا احتلال وسلطة ملكية كانت لا تسمح لأي حزب وطني بالعمل العلني.

أن الشيوعيين العراقيين ضد جميع أشكال الاحتلال وضد جميع الممارسات القمعية والأعمال الإرهابية التي طالت العراقيين وقد أثبتوا من خلال عملهم العلني أنهم أكثر الموجودين أمانة ونزاهة ومصداقية ومبدئية عالية لها الأثر الكبير في الكثير من القرارات التي كانت لصالح المواطن ولهم مواقفهم المستقلة التي لا تخضع لغير الموازنة الوطنية وحسابات الربح والخسارة في بناء الدولة الوطنية الديمقراطية البعيدة عن الاحتلال والشمولية أيا كان مصدرها وستثبت الأيام أن التكتيك الشيوعي قد أثبت جديته وجدواه وأن الشيوعيين العراقيين بدئوا باستعادة مواقعهم الشعبية في الأوساط الجماهيرية لما أتسمت به مواقفهم من تضحية ونكران ذات بعيدا عن المصالح الحزبية الضيقة لأن من كان رائده الشعب والوطن سيكون له مكانه البارز في الخارطة السياسية وستظهر الأيام الآتية صحة ومبدئية السياسة الشيوعية رغم المصاعب التي يعاني منها الشيوعيين في ظل انعدام تكافؤا الفرص ومحاولات البعض تهميش التيار الوطني الديمقراطي في العراق.