الرئيسية » مقالات » انه الحُسَينْ عليه الحزن وفاء والدمع من اجله عطاء

انه الحُسَينْ عليه الحزن وفاء والدمع من اجله عطاء

حكم المنية في البرية جاري*** ما هذه الدنيــــــا بدار قرار
طُبعت على كدر وأنت تريدها*** صفواً من الأقذاء والأكدار

ابدا مقالي بهذين البيتين المعبرين قالهما الشاعر عن حال الدنيا التي من غير الممكن ومن المستحيل ان تكون بحالة واحدة كان تكون فيها السعادة المطلقة او الحزن المطلق وان يكن هناك ثمة فرح بمولود فلابد وان ياتي يوما ان نحزن لفقد هذا المولود وتلك سنة الله في الارض وما لسنة الله من تبديل ..
يريد البعض ممن لاينظر الا بعين واحدة رمداء تصوير الامر بانه دعوة مطلقة للحزن المقيم والسواد الدائم وان الباكين على فجيعة كربلاء لايمتلكون مقومات الحياة والفرح والسعادة وهم ليسوا باهل لحمل المسؤولية في أي مفصل من مفاصل ادارة شؤون هذه الامة وما نطلع عليه في كل عام وذكرى من هجمات بائسة خاوية بعيدة عن الموضوعية مليئة بخلفيات مريضة غايتها النيل لا التصحيح والتسقيط لا التشذيب لهو ما يثير فينا مايعزز الثقة بما لدينا , وهنا اسجل امرا مهما جدا واقول لمن يزايد على هؤلاء الملايين من الاوفياء لمحبوبيهم ومعشوقيهم ماذا قدمتم انتم ؟؟ وماهي منجزات السعادة في قواميسكم ؟؟ وهل تصحر مشاعركم وتحجر انسانيتكم هو الحل ؟؟ ..
اعود لمسالة الحزن والدمع وميزانهم الانساني وهل هما من السوء بمكان كما يدعي الادعياء والسفهاء وبالتالي علينا ان نجفف منابعهم ونحجر مآقينا ونسد مسامات التنفيس عن مشاعرنا الانسانية ونطلق العنان للتحجر والتصحر العاطفي لنكون كصورهم اعجاز نخل خاوية ..؟
اولا لنسال العلم الحديث عن فوائد البكاء ونزول الدمع والنتيجة والاثر الذي تتركه على النفس الانسانية فيما بعد ولنقرأ هذا التقرير المختصر والذي قاله علماء النفس وعلماء الطب وننتظر راي هؤلاء بهذه المعلومات العلمية نخاطبهم بها اولا :
يقول علماء النفس ان البكاء بالنسبة للرجل والمرأة أسلم طريقة لتحسين الحالة الصحية وليس دليلا على الضعف أو عدم النضج، وهو أسلوب طبيعي لإزالة المواد الضارة من الجسم التي يفرزها عندما يكون الإنسان تعسا أو قلقا او في حالة نفسية سيئة، والدموع تساعد على التخلص منها. ويقوم المخ بفرز مواد كيميائية للدموع مسكنة للألم.
والبكاء أيضا يزيد من عدد ضربات القلب، ويعتبر تمرينا مفيدا للحجاب الحاجز وعضلات الصدر والكتفين، وبعد الانتهاء من البكاء تعود سرعة ضربات القلب إلى معدلها الطبيعي وتسترخي العضلات مرة آخرى وتحدث حالة شعور بالراحة، فتكون نظرة الشخص إلى المشاكل التي تؤرقه وتقلقه أكثر وضوحا، بعكس كبت البكاء والدموع الذي يؤدي إلى الإحساس بالضغط والتوتر المؤدي إلى الإصابة ببعض الأمراض مثل الصداع والقرحة.
وفى المجتمعات الشرقية ربما يعتبر بكاء الرجل شيئا مشينا او دليلا على الضعف، الا ان الحقيقة ان للرجل الحق فى ان يبكي، فكبت الدموع ربما يعرض الإنسان رجلا كان او إمرأة للخطر فقد يصيب بأزمات القلب واضطرابات المعدة والصداع وآلام المفاصل.
ويرى العلماء من ذلك ان عمر المرأة اطول من عمر الرجل لأنها لا تتردد فى ترك العنان لدموعها ولا ترى فى ذلك حرجا، وبالتالي يسهم ذلك فى راحتها النفسية والجسدية، اما الرجل – فى المجتمعات الشرقية بالذات- فمع تعرضه للضغوط وفي الوقت نفسه تحفظه بشأن البكاء وبعملية حسابية بسيطة وجد العلماء ان المرأة نظريا تكون اطول عمرا .
ويقول العلماء:اذا احسست برغبة في البكاء فلا تحبس دموعك، فان كثيرا من الآلام والاحزان والغضب تسيل مع هذه الدموع .
وكشفت دراسة علمية حديثة أجراها فريق من الباحثين الأمريكيين من جامعة ماركويت بولاية ميتشيجان النقاب عن أن البكاء يساعد في إخراج السموم من الجسم ، بالإضافة إلى أنها تخفف من الضغط النفسي والعصبي التى يتعرض لها الأفراد.لذا ينصح أخصائيو الطب النفسي بعدم التردد في البكاء وذرف الدموع وخاصة في المواقف أو الأحداث المحزنة والمؤلمة ، ذلك أن الدموع تقوم بتنظيف وتطهير العيون من البكتيريا والجراثيم العالقة بها، ويساعد البكاء في التنفيس عن الشخص وإراحته ،وتقليل التوتر الذي يشعر به وطرح السموم الناتجة عن التوترات العصبية والعاطفية والانفعالات النفسية الكثيرة ومشكلات الحياة اليومية.فإن العلماء يرون أن كبت المشاعر وحبس الدموع يسبب التسمم,بسبب انحباس المواد والمركبات المؤذية داخل أنسجة الجسم .
وخلصت اغلب الدراسات العلمية الى ان :
الدموع تساعد على مرونة حركة الجفون العلوية والسفلية ..
الدموع تساعد أيضا على حمايتها كأداة لتطهيرها بصورة مستمرة ..
الدموع تساعد على حمايتها من الإصابة بالجفاف ..
الدموع تساعد على طرد أى مواد مهيجة للعين مثل الفلفل والدخان أو مواد صلبه كالأتربة وتقوم عن طريق الغدة الدمعية بإدرار الدموع وطرد هذه الأجسام الغريبة لتعود إلى شفافيتها وتنظيفها
الدموع تساعد على شفافية القرنية وحمايتها عن الجفاف وهى من العوامل التى تساعد على وضوح الرؤية وقوة ودقة الأبصار
الدموع تخلص الجسم من المواد الكيماوية المتعلقة بالضغط النفسي ..
فلو قلنا هنا ان الدمع والبكاء لوحده يجلب كل هذه الفوائد الصحية وتركنا ذلك العشق والحزن على المحبوب الازلي كائنا من يكون لاي انسان عنده بعض المشاعر والاحاسيس غير متحجر وغير مصاب بسموم وادران التحجر العاطفي فيكفي البكاء منفعة ومجلب للساعدة لاي انسان يمتلك ذرة من المشاعر يعبر عنها حزنا بالبكاء وحتى الفرح يؤدي عند شدته الى البكاء فلاضير اذن ان يبكي الانسان مادامت الحالة تؤدي به الى السعادة فيما بعد وهذا الامر خلاف مايدعو اليه البعض من المتحجرين المتصحرين .
ثانبا لانتقل الى الموروث الانساني والتاريخي والادبي والشعري الملئ بقصص الوفاء والاخلاص والحزن على فقد الاعزة والمؤثرين في مجتمعاتهم والحب والعشق والفراق وسنجد ان القاسم المشترك والذي تغنى به الشعراء وكتب عنه الادباء اروع الابداعات بقيت مخلدة عبر التاريخ هي تلك المشاعر الحزينة لنهايات مؤلمة انتهت اليها تلك العبر ولم اجد من ينتقد مثلا قيس ليلى على حزنه ولم اسمع او اطلع بحملة شعواء على امة تالمت كلما تذكرت مجازرها ومآسيها كهوريشيما مثلا التي كلما مرت الذكرى على شعب اليابان المتحضر المتعلم الراقي في مجالات العلوم والتقنيات المختلفة والذي لايسعه الا ان يقف في تلك الذكرى حدادا وحزنا وبكاءا على تلك الضحايا الاعزة على قلوب شعوبهم التي مزجت بين الانسانية والتطور العلمي فلم ينسها تطورها ان تعبر عن حزنها وبكائها كلما تذكرت آلامها ..
اميركا بملايينها باتت تقف في كل ذكرى حدادا وحزنا وبكاءا وترتدي السواد في كل عام في الحادي عشر من سبتمبر على تلك الجريمة التي فعلها القتلة المجرمون في بضعة الاف من الامريكيين ..
كل امة حينما تستحضر في كل عام ذكرى مؤلمة مرت بها تجعل من ذلك اليوم موقف حداد وسواد وبكاء الما على من ذهب ضحية تسونامي مثلا او من سقط في مدريد او في لندن او في الباكستان او في أي مكان من الارض حتى في البيوت الصغيرة والاسر التي تفقد لها عزيزا او عشرة ففي كل ذكرى من تلك الذكريات هناك ثمة يوم في كل عام تجدد العهد مع ذلك الفقيد أي كان حجمه ونوعه وصفته كتعبير فطري عن الوفاء والعطاء وتذرف الدمع وتعبر عن ذلك وفق تعبيرات تمليها عليهم تقاليدهم وتراثهم وتلك لعمري حالة انسانية اعذر من تصلبت مشاعره وتحجرت عواطفه وتسمم بدنه ومات قلبه وضميره ان يستشعرها ..
التاريخ الادبي العربي زاخر بشعر الرثاء وادب الاحزان ولم تاتي هذه الاحزان كشهية يصطنعها الانسان لنفسه كرغبة بحد ذاتها انما هي سنة الحياة ان تكون نهايتها الموت وفقد الاحبة والاعزة ومن الطبيعي ان تكون لكل بداية نهاية ومن الطبيعي ان يجد الانسان متنفسا يعبر فيه عن حزنه والمه كلما تذكر محبوبه او العزيز الذي فقده وخير تعبير عن ذلك الامر هو البكاء او التعبير بمشاعر الحزن بما تجود به النفس الانسانية المليئة بالعواطف والانسانية الغير متحجرة ومتصحرة ومن ذلك التعبير الشعر المصحوب بالبكاء وهو تراث ادبي تركه لنا التاريخ العربي ولولاه ماكانت لنا هوية نعتز بها واعني به الشعر العربي بكل انواعه وموارده وما قيل من خلاله عن تاريخ امتنا وشعوبنا ..
الامثلة في ذلك كثيرة اخترت لكم هذه العينات من القصائد الخالدة يعبر فيها الشاعر عن مشاعره واحاسيسه دموع ممزوجة بمداد ادبي رائع :

فهذا الشاعر العربي أبو الحسن التهامي يرثي ابنه في قصيده لم اسمع بأروع منها في الرثاء على مر العصور فبالفعل أن موت ابنه اثر فيه الأثر الواضح في أبياته المبكية التي تقطر دمعاً على فراق ابنه ويقول في قصيدته الرائية:
حكم المنية في البرية جاري ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا يُرى الإنسان فيها مخبراً حتى يرى خبراً من الأخبار
طُبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما تبني الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم والمنية يقظة والمرء بينهما خيال سار
فاقضوا مآربكم عجالاً إنما أعماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وبادروا أن تسترد فإنهن عوار
يا كوكباً ما كان أقصر عمره وكذاك عمر كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يُـستدر بدراً ولم يمهل إلى الأسحار
عجل الخسوف إليه قبل أوانه فمحاه قبل مظنة الإبدار
واستُـل من أترابه ولداته كالمقلة اسـتُلت من الأشفار
فكأن قلبي قبره وكأنه في طيّـه سر من ألأسرار
إن الكواكب في علو مكانها لترى صغاراً وهي غير صغار
ولد المعزى بعضه فإذا مضى بعض الفتى فالكل في الآثار
أبكيه ثم أقول معتذراً له وُفّـقتَ حين تركتَ ألأم دار
جاورتُ أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري

وهنا أبيات للشاعر أبو العتاهيةوهو يرثي ابنه علي في أبيات تملائها الحكمة والموعظة ويقول فيها باكيا :
بكيتك يا بني بدمع عيني فلم يغن البكاءُ عليك شيّا
وكانت في حياتك لي عظاتٌ وأنت اليوم أوعظُ منك حيّا

وهذا الشريف الرضي يرثي امه حزنا وبكاءا فيقول:
أبكيك لو نقع الغليل بكائي …وَأقُولُ لَوْ ذَهَبَ المَقالُ بِدائي
وَأعُوذُ بالصّبْرِ الجَميلِ تَعَزّياً …لَوْ كَانَ بالصّبْرِ الجَميلِ عَزائي
طوراً تكاثرني الدموع وتارة …آوي الى اكرومتي وحيائي
كم عبرة موهتها باناملي … وسترتها متجملاً بردائي
ابدي التجلد للعدو ولو درى …بتَمَلْمُلي لَقَدِ اشتَفَى أعدائي
ما كنت اذخر في فداك رغيبة …لو كان يرجع ميت بفداءِ
فَارَقْتُ فِيكِ تَماسُكي وَتَجَمّلي …ونسيت فيك تعززي وإبائي
ذَخَرَتْ لَنا الذّكرَ الجَميلَ إذا …انقضَى ما يذخر الآباء للابناءِ

وهنا جزء من قصيدة لبشار بن البرد يرثي بها ابنه محمد ويقول فيها :
بني على رغمي وسخطي رزئته وبدل أحجــار وجـال قـلــــــيب
وكان كريحان الغصون تخـــالـه ذوي بعد إشارق يسر وطـــيب
ومانحن الا كالخليط الذى مضى فرائــــس دهر مخطئ ومصيب
نؤمــل عيـشا في الـحيـاة ذميمة أضــرت بــأبدان لنــــا وقلوب
أصيب بني حيــن أورق غصنـه وألقى علي الهــم كـــل قــريــب
عجبـت إســراع المنـيـة نـحـوه ومــا كــان لـــو مليتـه بـعـجـيب

وتلك ابيات من قصيدة لإبراهيم المهدي حيث يرثي ابناً له أصيب به بالبصرة وهو واليها يقول فيها :
نأى آخر الأيّام عنك حبيب فللعين سحٌّ دائمٌ وغروب
دعته نوىً لا يرتجى أوبةٌ لها فقلبك مسلوبٌ وأنت كئيب
يؤوب إلى أوطانه كلّ غائبٍ وأحمد في الغيّاب ليس يــؤوب
تبدّل داراً غير داري وجيرةً سواي وأحداث الزّمان تنوب
أقام بها مستوطناً غـــير أنّه على طـــول أيّام الــمقام غريب
تولّى وأبقى بيننا طيب ذكره كباقي ضياء الشّمس حين تغيب
خلا أنّ ذا يفنى ويبلى وذكره بقلبي على طول الزّمان قشيب
كأن لم يكن كالدّرّ يلمع نوره بأصدافــــه لمّا تشنه ثقــــــوب
وريحان قلبي كان حين أشمّه ومؤنس قصري كان حين أغيب

وهذا ابن الرومي يرثي ابنه محمد بقصيدة يقول في بعضها :
بُـنَــيّ َالـــذي أهـدتــهُ كـفَّــاي لـلـثَّـرَى
فيا عزَّة َ المهـدى ويـا حسـرةالمهـدي
ألا قــاتــل الــلَّــهُ الـمـنـايـا ورمـيــهــا
مـن القـومِ حَبّـات القلـوب علـى عَـمـدِ
ومــــا ســرنــي أن بـعــتُــهُ بـثــوابــه
ولــو أنــه التَّخْلـيـدُ فــي جـنَّـة ِ الخُـلـدِ
وأولادنــــا مــثــلُ الــجَــوارح أيُّــهـــا
فـقـدنـاه كـــان الـفـاجـع الـبَـيِّـنَ الـفـقـدِ
أودُّ إذا مـــا الـمــوتُ أوفـــدَ مَـعـشَــر
اًإلـى عَسكـر الأمـواتِ أنِّـي مـن الـوفْـدِ
ومــن كــانَ يَستـهـدي حَبِيـبـاً هَـديَّــة
ً فطيفُ خيـالٍ منـك فـي النـوم أستهـد
يعـلـيـك ســلامُ الله مــنـي تـحــيَّــة ً
ومنْ كل غيثٍ صادقِ البـرْقِ والرَّعـدِ
..ويحكم انه الحسين عليه الحزن وفاء والدمع من اجله عطاء ..
نعم هو الحسين هو روح ثورتنا هو نبض حياتنا وملهم العاشقين والمحبين مدرسة الوفاء .. واي وفاء .. وفاء كلما مر الزمان تجدد.. هو الحسين من يقول ” لا أرى الموت الا سعادة و الحياة مع الظالمين برما” هو اذن الحياة .. هو اذن عشق وسعادة .. هو اذن رؤيا متجددة للحياة لايفهم المتحجرون والمتصحرون انسانيا كنه قوتها وعنفونها ومعانيها .. لانهم بعيدون عن تلك المدرسة يمسكون بحجارتهم يرمونها ولايعلمون انهم اضئل من ان يعدو ذوي قيمة ..
هي زينب اخت الحسين انموذج الحزن المتحرك مع اخيها و المعبر في اهم المفاصل الانسانية عن السعادة تلك السعادة الممزوجة بدمع الوفاء .. دمع العطاء .. دمع النماء .. هي زينب اخت الحسين والشاهد والشهيد والشهيدة .. هي زينب الباكية من رات اخيها ثقل السماء على الارض وراسه على طشت المتحجر المتصحر يزيد .. وهل ينكر فاقد لاخيه مذبوحا معنى البكاء ؟وهل هناك اقسى وامر من تلك المشاهد الفضيعة تمر على اخت باخيها وامامها مخضب بدمائه الفجيعة ؟؟ قالت تعبر عن معنى السعادة وسط الحزن والبكاء وحدثت التاريخ وهؤلاء الاشباه والحزن يملأ قلبها ودمع العين جف نهره بعد ذرفه وحينما حانت منازلة التحدي والبقاء صرحت زينب عن مكنون وكنه حزنها وحزن الامة والمحبين وقالت لمن تصور ان فعله انما كان مجلبا للحزن والبكاء حينما خاطبها الجلاد المتحجر المتغطرس الطاغية عبيد الله بن زياد وقد أدخلت مجلسه أسيرةً بعد واقعة كربلاء يسالها متشفيا بحزنها وبكائها: كيف رأيتِ صنع الله بأخيك؟ فاطلقت بوجههة وبوجه التاريخ الاسود لما يزل يكرره احفادهم والاشباه المنتهية صلاحيتها الانسانية : مارأيت الا جميلا..
اذن هو الجمال وهي السعادة حينما ترى المفجوعة الباكية مشهد الراس مضرجا بدمه المحمدي الانساني الطهور وهو هو ذاته شعور المحبين الاوفياء الباكين لهذه الخسارة والسعداء بالعزة والنصر والنشوة تملأ قلوبهم فخرا انهم من الحسين والحسين منهم انه اذن حزن ممزوج بالفرح والسعادة والحياة ..
نقدِّس حرمة النفس البريئة فالحسين جرحٌ سرمديّا
وأغلى ذخرنا امرأة قوية لها بأسٌ كزينب في السبايا
إذا الأنصار نامت بعد لأيٍ وقرّت من شراب الخلد ريّا
فليس لعين زينب أن تناما تواصل حربهم بأساً و لأياً
هي زينب من تعلمت في مدرسة جدها وابيها وامها واخيها واخيها تلك هي المعادلة التي غيرت مجرى تاريخ الانسانية ولوت اعناق الطغاة وارغمت انوف وانوف يابسة وقلوب متصحرة وزرعت في رمضاء الدنيا قلوب تملئها الحمية والغيرة المحمدية وهو ابيها من قال حينا تلقى الضربة الباغية اوردته موارد العز والفوز صارخا حين تلاقاها فزت ورب الكعبة والحسين وزينب يسمعون تلك الصرخة المعبرة عن السعادة وهل بعد الفوز الا سعادة ولكنها كانت سعادة ملطخة بالدماء والحزن والبكاء ليس ضعفا او انهيارا انما بكاء بكبرياء وبكاء بوفاء وبكاء بثورة وعطاء ..
لانتقل الى الجزء الاخر والاخير من العبرة المؤيدة لمدرسة الحزن المنتج ثورة وعطاء وكرامة وتغيير واسالوها تلك الكاتبة الانكليزية فريا ستارك والتي عبرت عن حزنها ووجعها وبكائها وهي تقرأ فاجعة كربلاء والتي قالت:مأساة الحسين تتغلغل في كل شيء حتى تصل إلى الأسس وهي من القصص القليلة التي لا استطيع قراءتها قط من دون أن ينتابني البكاء… انها لم تتصحر ولم تتحجر فيما تصحرت انسانية الاعراب وتحجرت فانجبت نشاز الاصوات سيبقى التاريخ يلفظها كلما مر عليها ..
وهذا المستشرق الإنجليزي ادوار دبروان يتكلم عن اجبار قصة الفجيعة الحسينية لمن يطلع عليها ان يحزن ويتوجع ويبكي وهو الذي يقول :وهل ثمة قلب لا يغشاه الحزن والألم حين يسمع حديثاً عن كربلاء؟ وحتى غير المسلمين لا يسعهم إنكار طهارة الروح التي وقعت هذه المعركة في ظلها… ونقول لادوارد نعم هناك ثمة من تصحرت وتحجرت مشاعره فبات يسمي تكرار الحزن عارا او تخلفا او بغباء تعجرفا !!
اما المستشرق الهنغاري أجنانس غولد تسيهر يصور المشهد الذي افضى الى بروز عاطفة الوفاء والمحبة بين صفوف الانسانية بسبب تلك الذكرى العظيمة والتي لو كانت لاي امة غيرنا لكفاها فخرا انها تنتمي اليها :قام بين الحسين بن علي والغاصب الأموي نزاع دام، وقد زودت ساحة كربلاء تاريخ الإسلام بعدد كبير من الشهداء.. اكتسب الحداد عليهم حتى اليوم مظهراً عاطفياً…
اما مابقي لي من قول لهذه الاصوات التي نشزت فافرزت مانسمع ونطلع اقول قد تكونوا من غلف القلوب متجلدي المشاعر لم تحصلوا يوما على تلك المشاعر الجياشة و الاخلاق الانسانية التي من الممكن مخاطبتكم من خلالها ولكن اعلموا ان هذا الكم الهائل من الوفاء قد يعبر عنه البعض بما يراه مناسبا كرساله معينة من خلالها عن مكنون دواخله وعبر مستوى ثقافته وتعليمه وبيئته ومنها البكاء والحزن كمشاعر انسانية نبيلة انما كل هذا الجمع يقول للطغاة ان كنتم بالموت ترعبوني فها انا موجود كما تروني وان كنتم تزعمون اننا ننسى عظمائنا فها هو حزننا وبكائنا على فقدهم يرسل برسالته اليكم وهي رسالة متعددة الشُعب مفادها يقول اننا تجاوزناكم ونسيناكم وانتقلنا بمشاعرنا وبقلوبنا وبدموعنا الى الماضي الدامي عبر مآسي تتكرر اليوم وغدا لانستطيع الا ان نكررمعها العهد والاحزان لانها لم تنقطع تلك النكبات التي تسبب بها امثالكم .
احمد مهدي الياسري