الرئيسية » مقالات » عاشوراء – حين يندحر الموت أمام الإستشهاد

عاشوراء – حين يندحر الموت أمام الإستشهاد

” تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً؛ فأنتصر!”
الماهاتما غاندي



“إني لم أخرج أشراً ولابطراً ولامفسداً ولاظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي. أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي رسول الله(ص) وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق؛ فالله أولى بالحق. ومن ردّ عليّ هذا؛ أصبر حتى يحكم الله بيني وبين القوم بالحق؛ فالله أولى بالحق وهو خير الحاكمين” الحسين (ع)


حقّاً لاأبلغ ولاأفصح في التعبير عن ماهية الثورة الحسينية ومغزاها من البيان العقائدي الثوري أعلاه! والذي كان وصيته التي أودعها لدى أخيه محمد بن الحنفية؛ بعد عزمه على الخروج من المدينة المنوّرة إلى مكّة المكرّمة. وإن كان لابدّ من تبيان وإدراك المغازي: السياسية، الدينية ،الأخلاقية والإجتماعية لتلك الثورة المباركة؛ فإن الحسين السبط (رض)(3أو4هـ – 61هـ) لم يثر إبتغاء مطمع شخصي أو عائلي أو ماشابه ذلك؛ لأنه نشأ أصلاً على تكريس ذاته لنشدان العلم والمعرفة والعبادة والزهد في السلطة والمال، وهنا تنجلي حقيقة ثورته الإصلاحية – التصحيحية بوسع وعمق معنى العبارة؛ فقد توخت الذود عن مبادئ الدين الحنيف وقيمه الإنسانية الجليلة، التي طالما انحرفت عنها السلطة الأموية الجائرة، بل مسختها بممارساتها الشنيعة، وخاصة بارتكازها على الأجهزة القمعية.


لقد ثار الحسين إستجابة لمطامح سواد الشعب،الذي كان يعاني شظف العيش والهوان، ولم تجد معه شتّى ألوان الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب “موت في عزّ، خير من حياة في ذلّ ” وثمة تجسّد رفضه الواعي للعيش الرغيد الخسيس في ظل الخنوع؛ إذْ أجهر:


“إن مثلي لايبايع سراً “؛ فـ “مثلي لايبايع مثله “


حين دعاه الوليد بن عتبة وإلى المدينة إلى بيعة يزيد بن معاوية (لع)


هكذا إذنْ دوّى صوته الواعي الجريء معلناً إنتفاضته على السلطة الإستبدادية الفاسدة الغاشمة، بلاخشية من جبروتها وبطشها، وهي التي ما برحت تمارس سياسة تجويع سواد الشعب وإذلاله واختلاس أموال المسلمين لهدرها في الملذات وقمع الأحرار وتشريد ذوي العقيدة وشراء الذمم الرخيصة وتحريف الدين وتمزيق وحدة المسلمين بالتمييز العنصري ضد غيرالعرب، بل وإفنائهم، ناهيكم عن ممارسة ” فرّقْ؛ تَسُدْ ” حتى بين القبائل العربية نفسها!


ولئن إندلعت ثورة الحسين المؤازر المستميت للحق ضد: الباطل، الإستغلال، الإضطهاد والإنحطاط الأخلاقي والإجتماعي؛ فقد أضحت قدره المحتّم، الذي لامفرّ منه؛ في سبيل إيقاظ أمّة ضلّت عن طريق الحق والهدى؛ ما دام سفهاؤها وفجّارها أضحوا سراتها وتولّوا أمرها واتخذوا الفاسقين حزباً …أجل؛ فقد وجد الحسين(ع) نفسه وجهاً لوجه أمام الضرورة التاريخية؛ فسارع يلبّي نداء التاريخ مؤدّياً رسالته المتمثلة بالدور التاريخي الذي وجب عيله أن يضطلع به، ألا وهو أن يثور؛ ليوقظ بثورته ضمير الأمة ويهزّها بعنف؛ لأنّها طالما انحنت وتخاذلت مسلوبة الإرادة ومهدورة الكرامة أمام جبروت السلطة الأمويّة الغشومة.


من البداهة ليس في المقدور سرد وقائع الثورة الحسينية وأحداثها الملحمية، التي تضيق هذه المقالة بعرض أصغرها( مثلما سردها أبو مخنف الأزدي وإبن عساكر وآخرون…) إنّما لامناص من بضع لمحات خاطفة لتجسيد الدلالات والمغازي الثرّة، لاسيما ذات المساس بما قبيل الفاجعة وخاتمتها المأساوية.


هو ذا الحسين البطل الأسيان يلهج :


– ” ألا وإني قد أعذرت وأنذرت. ألا وإني زاحف بهذه الأسرة مع قلة العدد وكثرة العدو وخذلان الناصر!”


حين أدرك أنّ قوى المال والسلاح قد اتحدت ضد الثوار، الذين لم يبق منهم سوى كوكبة صغيرة؛ بعدما انفضّ عن بيعته ذاك الحشد الغفير من أولئك الذين ” استصرخوه على جلاديهم ثم انكفأوا مع هؤلاء الجلادين عليه!”


– ” خذلتنا شيعتنا!”


لقد لفظها الحسين بحسرة مريرة؛ إثر انقلاب قرابة الثمانية عشر ألف مؤيّد له، لكنه مع ذلك أضاف متيقّناً:


– ” ومن نكث؛ فإنما ينكث على نفسه”!


وبالفعل أثبتت أحداث التاريخ لاحقاً صواب استشرافه النفّاذ…وفي ذلك الوقت الحرج جداً، لم يثنه عن عزمه ماصورح به:


– “…أمّا أشراف الناس فقد طمّت رؤوسهم بالمال، وأمّا سائر الناس فقلوبهم معك وأسيافهم عليك!”


ومثلما خاطبه الشاعر الفرزدق :


” قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أميّة !”


وإذا بالحسين ذي الموقف الشجاع يجيب:


– “هيهات منّا الذلّة ”


طبعاً قد قصد بذلك : مرحى للمنايا ومصارع الكرام وسحقاً لطاعة اللئام ..وهنا لابدّ من التأكيد على ان قتلة الحسين وصحبه كانوا أخلاطاً من الناس، أغلبهم من أهل الكوفة، ممّن استنفرهم عبيدالله بن زياد، وليس كلّهم من هذه الطائفة أو تلك حصراً( ونقصد كلتا الطائفتين: السنّة والشيعة) أمّا لماذا استجاب الإمام الحسين (رض) لدعوات أهل الكوفة الملحاحة، وهو غير متيقّن من ثباتهم على المبدأ والموقف؟! لقد دفعه سبب آخر أقوى بكثير، ألا وهو لم يكن له مفرّ من الذهاب إلى الكوفة؛ لأن والي مكة آنذاك ( محمد بن سعيد الأشدق) كان قد أرسل عشرين رجلاً من جلاوزته لقتله، آمراً إيّاهم:


– ” أقتلوا الحسين ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة” !


ولئنْ أبى الحسين الإستسلام؛ فقد إستشرف ما ينتظره مع رفاقه(الذين ماكانوا يبلغون المائة) من مصير تراجيدي محتّم في تحديهم الجسور للموت:


“سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى


إذا ما نوى حقّـــاً وجاهــدَ مســــــلما


فإنْ عشتُ لمْ أنـدمْ وإنْ متُّ لــم آلـــمْ


كـــفى بــكَ ذلاّ أنْ تعـيـــش وتُـرغَــما


فـإنّي لاأرى المـــــــوتَ إلاّ ســــعادةً


والحــــــياةَ مـع الظـالــمين إلاّ بَرَما”


وحيث وجد الحسين نفسه وحيداً في أرض كربلاء(كرّ و بلاء)؛ شق نداؤه عنانَ السماء:


” واغربتاه!”


ثمّ أسرّ لعياله بالمصير الأليم المنتظر؛ فانتحبت النسوة؛ فأضاف مستدركاً:


– ” إن بكينا؛ ضحك العدو. ومن منّا يريد غبطة على هذا الضحك؟!”


ولأنه كان متيقناً من كون الحق معه؛ فقد استحال طوداً راسخاً وشامخاً يتحلّقُه رفاقه القلائل البسلاء، مبدين آياتٍ من البطولة النادرة والسمو الأخلاقي والتضحية بكل غالٍ ونفيس من روح و بنين ودعة، وهم يخوضون المنازلة اللامتكآفئة بكل إباء ورباطة جأش؛ إذْ كان كل واحد منهم يؤثر سواه على نفسه، بل يندفع مضحياً بنفسه قبل سواه. ولقد ضربوا أمثلة فريدة على نموذج الثوري المبدئي؛ فاشهدوا، مثلاً، أحدهم وقد صيّرَ نفسه درعاً يصدّ سهام الأعداء ذوداً عن الحسين، الذي كان يؤدّي صلاته، حتى إذا ما انتهى منها الإمام ، خرّ صريعاً وودّع الحسين بالكاد:


” أوفيت يا أبا عبدالله؟”


” بلى؛ وأنت أمامي في الجنة”


وهنا يحضرني قول جورج جرداق (الباحث والأديب المسيحي):


– ” حينما جنّد يزيد الناس لقتل الحسين وإراقة الدماء، وكانوا يقولون:- كم تدفع لنا من المال؟ أما أنصار الحسين فكانوا يقولون: – لو أننا نقتل سبعين مرة؛ فإننا على استعداد لأن نقاتل بين يديك ونقتل مرة أخرى أيضاً”!


يقيناً كان إستمرار صمودهم أمام جبروت وغطرسة أوباش الطغاة حتى الرمق الأخير هو عين العمل الفدائي المبدئي، الذي لايستهوي سوى القلائل من المتشبعين بالروح المبدئية، والذي ينطوي على أسمى معاني التضحية ونكران الذات في سبيل المبدأ والمستقبل المنشود؛ حيث يستحيل من إفتدى بروحه سواه مناراً للثوار في كل عصر، في حين أبدى أفراد العدو الضاري ألواناً من الفظاظة والبشاعة والوحشية والإنحطاط مايستحقون عليها لعنة التاريخ والإنسانية؛ فقد بلغوا حدّاًً من البغضاء والجبن والخسّة أن يحرموا حتى الطفل الرضيع من جرعة ماء، قبل أن يجهزوا عليه، ناهيكم عمّا فعله أولئك العتاة الظالمون الغشومون من أنفلة الأسرى، وكان أغلب السبايا نسوة وأطفال أهل البيت النبوي، وكذلك التمثيل والعبث بأجسام ورؤوس الشهداء المقطوعة كرأس الإمام (رض) فقد داسوا أجسامهم بخيولهم، ونهبوا حتى ملابسهم وما على النساء من حلي وغير ذلك من الأفعال الشنيعة، التي يندى لها كل جبين.


هكذا إذنْ ذاق الحسين وصحبه الأبرار الموتَ غصّةً غصّة..ها هو (بشر) يستحضر صورةً واحدةً من عشرات، لا بل من مئات الصور التراجيدية، حيث أصيب الإمام العظيم بأربع وثلاثين ضربة سيف وثلاث وثلاثين نبلة(سهماً):


ـ “الجسم منه بكربلاء مضـرّج


والرأسُ منه على القناةِ يُدارُ!”


فلاغروّ إذنْ؛ إنْ قيل:


– “تزلزلت الآفاقُ منْ عِظَمِ فقده”


بل ونضيف:


– وترجرجَ المستقبلُ…


حقا لقد تقهقر واندحر الموت أمام تحدي واستشهاد تلكم الكوكبة البطلة الخالدة، ولقد أصاب (هلال البجلي) في قوله:


ـ “إذا المنايا حسرتْ عن ساقها


لم يثنها إلاّ الذي قد ســــاقها”


برغم ان النصر لم يحالف ثورة الحسين الشهيد، أي لم تحقق نصراً آنياً (عسكرياً أو سياسياً) فإنها أحرزت نصراً معنويا ذا ديمومة، قلما شهد التاريخ له مثيلاً؛ فقد أجّجت الروح النضالية للجماهير المقهورة عبر القرون اللاحقة حتى يومنا هذا؛ لأنّ أمثال الحسين الشهيد وصحبه الأبرار من شهداء المبدأ والعقيدة، الذين لايساومون ولايهادنون لم ولن يُهزموا أبداً؛ مادامت مثلهم العليا التي ناضلوا و يناضلون ويضحون بأرواحهم الزكية من أجلها ستتواصل وتترسخ في ضمائر وعقول الأجيال المقبلة، أنّى يستلهم منها المكافحون ضد الشر والباطل أروع الدروس والعبر ويستمدون منها الإرادة والعزم على المضيّ قُدماً…وعليه؛ فقد استحال الحسين الثائر نموذجاً نادراً للبطولة والفداء ووهجاً ساطعاً خالداً في ضمائر وقلوب وعقول المسلمين وغيرهم على مرّ الزمن؛ وما الثورات التالية غير قبس من ذلك : (ثورة التوّابين )،(ثورة المدينة)،(ثورة المختار الثقفي )،(ثورة مطرف بن المغيرة ) ،( ثورة ابن الأشعث) ،( ثورة زيد بن علي بن الحسين) وغيرها… والتي تتوجت بالثورة التي مهّد لها، بل قادها فعليّاّ أبو مسلم الكردي الخراساني جالباً العباسيين الى سدة الخلافة الإسلامية، والذين سرعان ما تنكّروا لدوره وفضله الهائلين، بل اغتاله أبو جعفر المنصور بكلّ خسّة ودناءة، ثمّ راحوا ينكّلون أشدّ من بني أميّة بأولاد عمومتهم من العلويين الذين طالما استغلّوا سمعتهم الطيّبة لبلوغ العرش! ومن هنا أيضاً لا يمكن تجاهل العديد من الثورات المندلعة ضد العباسيين وما بعدهم …حتى يومنا هذا….


وهكذا راحت الثورة الحسينية تغور في ثرى التاريخ ثمّ المستقبل؛ كيف لا؟! وهي النابعة من صلب الضرورة التاريخية، إذ كان محالاً ألاّ تندلع وقتذاك؛ من أجل تحرير المقهورين و ردّ اعتبارهم الإنساني، وتمتدّ من ثمّ في ضمير المستقبل بكل دروسها وعبرها العظيمة، وبالأخص بما بثته من الشعور بالإثم في نفوس المتخاذلين؛ ليثوبوا إلى رشدهم ويثوروا على أنفسهم ، ثم على الطواغيت …


وبرغم ان التاريخ، مثلما يعلم اللبيبون، طالما دوّنه ( وعاظ السلاطين) من أزلام ومرتزقة الحكّام قديماً وحتى حديثاً(بإعادة كتابته!) فقد حرّفوه وزوّروه ماشاء لهم التحريف والتزوير، إلاّ أن غرابيل الباطل كلّها قد خابت وتظلّ تخيب في أن تحجب شمس حقيقة الثورة الحسينية ونظيراتها هنا وهناك؛ فلاعجب إنْ ظلّت (فاجعة كربلاء) الدامية تثير الغضب والأسى والغضب في كلّ قلبٍ مرهف سواء أكان لإنسان إعتيادي، أو شاعر، أو كاتب، أو فنّان *، أو باحث؛ لما اشتملت عليه من روح بطولية كامنة في حضورها الملحمي، لاسيما في الأزمنة العصيبة، بل وبمزاياها التربوية من قبل ومن بعد؛ حيثما تشعر الشعوب والأمم المقهورة بحاجتها الماسة الى قادة وساسة وثوّار مخلصين و قديرين يقتفون خطى الحسين الثائر العظيم، في نبله، مبدئيته، زهده ومصداقية وحدة فكره وممارسته، ناهيكم عن تفانيه وتضحياته الجسيمة؛ إذْ ارتكزت حياته على الأيمان والعقيدة، وكان يحفزه مطمح روحي عظيم ، ولم تستبد به النزوات الطارئة والمنافع الآنية والنزعة الأنانية مهما ضؤلت، والتي أضحت(للأسف الشديد) من شيم أغلب المتشدّقين باقتفاء خطاه الجليلة! بل وأكثر أولئك الذين يتمظهرون باللطم والتطبير والتباكي على الهريسة من قبل ومن بعد! أجل؛ْ ما أكثر أولئك الذين ذرفوا عبر التاريخ دموع التماسيح على الإمام الشهيد العظيم، لكنهم لم يختلفوا أبداً في سلوكهم المشين عن جلاّديه! وحسبنا التلميح إلى بعض حكام هذا العصر ممن يدّعون حتى الإنتساب إلى الشجرة العلويّة المباركة، ومنهم صدّامصور، والكثيرون من أزلامه وزبانيته الأوباش العتاة، ولكنّ تمعناً بسيطاً في إيديولوجيا هؤلاء العفالقة وأفاعيلهم الشنيعة منذ ابتلاء العرب والإسلام بظهورهم لحد الآن وحتى سقوط نظامهم الفاشستي الشوفيني حتماً؛ سيبيّن لنا كأنّما تمخضت (سلطة بني أمية ) فولدتهم، فأرضعتهم من لبنها الخبيث! أجل مابرح العفالقة يتقمصون بني أمية وأزلامهم في كل شىء، حتى بقطع مياه الشرب عن أهل الأهوار وأطفالهم ونسائهم ومجاهديهم؛ فما اشبه اليوم بالبارحة! أمّا ممارساتهم الخبيثة واللاإنسانية فيطول تعدادها: سياسة الإرهاب والتطهير العرقي، سياسة الأرض المحروقة، والتجويع، والتنكيل بالأحرار وإذلالهم، وإبادة المواطنين بالآسلحة الفتاكة، والتهجير و الترحيل والتشريد، والطائفية الهوجاء والعشائرية الرعناء؛ وكلها لزيادة البلاء والرذيلة والفتنة في صفوف الجماهير؛ بغية نيل مآربهم الخسيسة؛ حتى تجسّدت الجملة الأثيرة ” الفتنة نائمة، لعن الله موقظها” ثم إن دكتاتور بغداد، الذي يعيث في الأرض فسادا، ويرتكب أكبر الكبائر حتى التألّه، يحاول عبثآ أن يستغفل الناس، بعد إفلاس خطاباته الإشتراكية والقومية، متشبثاً، لديمومة نظامه الغاشم البغيض، بخطابه الديني الممجوج المزخرف والتخديري حدّ انتحال الإنتساب إلى الحسين الشهيد، الذي أمر زبانيته الجلاوزة دكّ ضريحه مع العتبات المقدسة الأخرى بقذائف الدبابات وغيرها إثر انتفاضة1991


إنّ كلّ ما يتمظهر به تجار الدين والسياسة لاعلاقة له بجوهر الأديان، وليس في حقيقته غير بدع مكرّسة لمرامي ومآرب ومقاصد أنانيّة وآنيّة خسيسة، فلنتساءل:- ترى ألايكمن جوهر المأثرة العاشورية في مغازيها الهائلة: التربوية والمعرفية والأخلاقية؟! للأسف الشديد لم يقدّم حتى البحّاثة المسلمون، وفي طليعتهم المتشيّعون شيئاً مهمّاً يُذكَر في هذا المضمار؛ فليس ثمة حتى دراسة مثل ( الحلاّج موضوعاً للآداب والفنون العربية والشرقية، قديماً وحديثاً) للأستاذ كامل مصطفى الشيبي، ناهيكم عن ترجمة أقوال الحسين سيّد الأباة والشهداء(ع) وخطبه وسيرته الإسلامية النموذجية وثورته ذات البعد الإنساني وتحليل شخصيّته المتميّزة بسمات: الشجاعة،التواضع،الحلم،الرأفة،الكرم،الإحسان،الفصاحة والبلاغة. وكذلك فكره ومواقفه ومفاهيم ثورته ، وتقديم المظان التاريخية والحديثة ذات العلاقة بأساليب حديثة شيّقة وجذابة للأجيال الجديدة والأجانب؛ إذ لم يحظ كاتب هذه السطور، خلال عقود وببضع لغات، منها(العربية والفارسية) بمصادر ومراجع تضاهي ما أُنجز عن ثورات: الخوارج، الزنج، القرامطة والبابكيّة(مثلاً)! فلتدركوا معي مغزى قول أنطوان بارا( أحد الشخصيات المسيحية):


لو كان الحسين منّا؛ لنشرنا له في كلّ أرضٍ رايةً، ولأقمنا له في كلّ أرضٍ منبراً، ولدعونا الناسَ إلى المسيحيّة باسمه”


ولعلّ القول الآتي يجلو ويعلل سابقه، حيث يقول توماس ماساريك:


” على الرغم من أن القساوسة لدينا يؤثرون على مشاعر الناس بذكر مصائب المسيح، إلا أنك لا تجد لدى أتباع المسيح ذلك الحماس والانفعال الذي تجده لدى أتباع الحسين (ع) حيث لاتمثل إلاّ قشة أمام طود عظيم!”


ومادام الشيء يالشيء يُذكر؛ فهاكم بضعة أقوال تقييمية لأعلام آخرين من العالم؛ لعلّنا نعرف قيمة هذه الدرّة العظيمة اللألاءة من تراثنا الإسلامي الهائل، الذي لايخلو منها ومن غيرها؛ فها هو المؤرخ والمستشرق الإنكَليزي السير بيرسي سايكوس يقيّم إباء وشجاعة ورباطة جأش واستبسال الحسين وصحبه شهداء المبدأ والعقيدة:


” حقاً إن الشجاعة والبطولة التي أبدتها هذه الفئة القليلة، على درجة؛ بحيث دفعت كلّ من سمعها إلى إطرائها والثناء عليها لاإرادياً. هذه الفئة الشجاعة الشريفة جعلت لنفسها صيتاً عالياً وخالداً لازوال له إلى الأبد”


وعن تأثير الفاجعة التراجيدية يتساءل الباحث والمستشرق الإنكَليزي ادوارد بروان:


– “…وهل ثمة قلب لا يغشاه الحزن والألم؛ حين يسمع حديثاً عن كربلاء؟ حتى غيرالمسلمين لا يسعهم إنكار طهارة الروح التي وقعت هذه المعركة في ظلها”


ثمّ لاعجب إنْ اتخذ الزعيم الهندي العظيم غاندي من الحسين (الشهيد السعيد) قدوة حسنة: – ” لقد طالعت بدقة حياة الإمام الحسين، شهيد الإسلام الكبير، ودققت النظر في صفحات كربلاء؛ فاتضح لي أن الهند إذا أرادت إحراز النصر؛ فلابدّ لها من اقتفاء سيرة الحسين” وعليه؛ فقد أصاب تاملاس توندون(الهندوسي والرئيس السابق للمؤتمر الوطني الهندي) إذ قال:


” هذه التضحيات الكبرى من قبيل شهادة الإمام الحسين رفعت مستوى الفكر البشري، وخليق بهذه الذكرى أن تبقى إلى الأبد، وتذكر على الدوام”


وممّا هو مدعاة للفخر والشرف أن يقول الصحافي والكاتب الألماني جرهارد كنسلمان في كتابه(سطوع نجم الشيعة):


– “صار مصرع الحسين في كربلاء أهم حدث في مجرى التاريخ، وظل هذا الشهيد رمزاً للمسلمين حتى يومنا هذا، وقد أحس يزيد أن الحسين ميّتا لهو أخطر عليه من الحسين حيّا”!


  أجل؛ ففي كلّ سنة كلّما يجلجل ناقوس ذكرى استشهاد الحسين(ع) وصحبه الأبرار؛ يستقبل المسلمون وغيرهم في مشارق الأرض ومغاربها، بكلّ أسى وإجلال، الذكرى الجليلة لكوكبة عاشوراء الخالدة…و ها هو الشعب العراقي، الذي استشهد الإمام وصحبه على أرضه يشهر كلّ ذكرى تحلّ سيفاً بتّاراً في وجوه حفدة: يزيد ، زياد بن سميّة وشمر بن ذي الجوشن…ويستنزل اللعنات عليهم وعلى أسلافهم الأشرار؛ لما اقترفت أيديهم الجبانة من كبائر الجرائم والآثام…


أجل؛ إن شعبنا المنتفض في دياجير الإستبداد ليستهدي بالنور الساطع من رأس شهيدنا العظيم الطوّاف في الأمصار، والذي يستمد المستضعفون من ذكراه اللاهبة الأوار ديمومةَ الإنتفاض والثورة على كلّ متعسّف وطاغية؛ حتى يعمّ نور الحق، التآخي ، السلام والرخاء ربوعهم المنكوبة بأمثال: ضحّاك، يزيد ، الحجّاج وسليليّ الذئاب الغبراء…**


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


* للأسف ما أقل الأعمال الأدبيّة والفنيّة، التي ترقى إلى مستوى ملحمة الطفّ! وهنا تجدر الإشارة إلى إنجاز الفنان التشكيلي العراقي المبدع القدير، والذي يضمّ خمساً وثلاثين رسمة باللونين الأسود والأبيض وبالأسلوب الكَرافيكي، بعنوان ( حين يندحر الموت أمام الإستشهاد) الذي اخترته بنفسي حين أعددت مستلزمات فتح وإطلاق موقعه الفني الكائن ضمن (موقع الفنان العراقي) (ج. زنكَابادي)


* * هذا المقال مزيّد ومنقّح، أمّا أصله فمنشور في جريدة خبات، ع( 681) الأربعاء 30/6/1993 بعنوان: (10 محرّم 61هـ / عاشوراء، حينما يتقهقر الموت أمام الشهادة) بأحد أسمائي المستعارة (هزرفان زاكَروزي)