الرئيسية » مقالات » موت الليبرالية العربية

موت الليبرالية العربية

منذ أكثر ما يزيد عن 120 سنة أعلن نيتشه موت الإله , لكن ها هو ذا الإله حي يرزق , بل و يبدو قويا كما لم يكن من قبل , على الأقل بعد أن بدا أنه يجتاز أياما عصيبة في القرنين الماضيين , فهل كان نيتشه مخطئا أو متعجلا في إعلانه ذلك , أم أن ما نراه ما هو إلا نتيجة لنبؤته بأن الرجال العظام لم يولدوا بعد , يبدو اليوم إله الليبراليين متمتعا بكل قوته في الظاهر أيضا , بل و قد أعلن أحد منظريه قبل سنوات قليلة عنه كنهاية , نتيجة , لمجمل التاريخ الإنساني , و كأن تشخيص ماركس و غيره من يساريي القرن التاسع عشر بأنه مصاب بمرض عضال كان هو الآخر خاطئا أو متعجلا..أنا أزعم هنا أن هذا سيكون أيضا مصير النخبة العربية المتلبرلة , أقول هذا اليوم بالتحديد , وسط الحرب على غزة , التي أزعم أيضا أنها تحمل رمزية أكبر من مجرد مجزرة عادية……..
دعونا نبدأ من اللحظة الراهنة تاريخيا , و التي أزعم أنها هامة جدا , إنها تطابق تماما تلك اللحظة التي جرى فيها اندماج اليسار الستاليني في بنية السلطة في أنظمة رأسمالية الدولة في الستينيات و أوائل السبعينيات , عندما قام الشيوعيون المصريون بحل حزبهم لصالح التنظيم الواحد لعبد الناصر و انضم الشيوعيون العراقيون و السوريون بعد ذلك بقليل إلى “جبهات” شكلية مع القوى السائدة في تلك الأنظمة خاضعة لها بالكامل , منذ حرب تموز 2006 بدأت عملية اندماج النخبة المتلبرلة في إطار الماكينة الإعلامية لأنظمة الاعتدال العربية , أنظمة رأسمالية الدولة التابعة , و اليوم , في حرب غزة , تصبح هذه العملية أكثر تطورا و اكتمالا , من الطرفين , لم يعد الليبراليون العرب يزعجون هؤلاء الطغاة بالحديث عن أية إصلاحات أو عن حرية الناس , أو حتى حريتهم هم , و أنظمة رأسمالية الدولة التابعة أصبحت تتقبل هرطقتهم المضادة للدين مثلا لكنها هرطقة تخدم تماما الحرب الأمريكية على الإرهاب , و تستخدمهم كمدافعين أساسيين عن سياساتها , الغريب هو هذا التشابه الهائل بين الليبرالية العربية , خطاب النخبة المتلبرلة و أداءها , و بين خطاب و أداء اليسار الستاليني سلفها الملعون اليوم…لم يكن سقوط الستالينية بداية للأحادية القطبية الأمريكية , انتصارا للرأسمالية الليبرالية على خصمها التاريخي اللدود فقط , بل كان أيضا بداية لانقلاب ليبرالي في فكر النخبة المثقفة التي كانت بالأمس قومجية أو يسارية , كانت الليبرالية عربيا قد اختفت جديا منذ وقت طويل لغياب أي رافع سياسي اجتماعي هام أو موجود أصلا , في أيام الحرب الباردة كانت قد اختفت تحت وطأة “التغييرات” التي فرضتها الأنظمة القومية و اعتماد أمريكا و حلفائها , أنظمة الرياض و الأردن و المغرب , على الأصولية الإسلامية أساسا , كرأس حربة في مواجهة حلفاء المعسكر الآخر , الستاليني , المحليين و الإقليميين , و إذا استثنينا السياسات الاقتصادية لهذه الأنظمة نصف الليبرالية فلا يمكن الحديث عن أية آثار لليبرالية في تلك الفترة..تغير الوضع بشكل جذري مع سقوط الاتحاد السوفيتي , لم يكن التغير الأهم هو تلبرل جزء من النخبة المثقفة , و بعضهم جاء من اليسار الستاليني نفسه , نتيجة انهيار الخطابات اليسارية و القومية من جهة و كنتيجة حتمية لظاهرة التماهي بالمعتدي “المتفوق” , بل تنامي العداء بين تلك الأحادية القطبية الأمريكية و حليفها الأصولي الذي انتهى إلى غزوة مانهاتن كتتويج و كفاتحة لحرب ضروس لا هوادة فيها..حتى الأنظمة التي شكلت المؤسسة الدينية جزءا عضويا من بنيتها ( السعودية , الأردن , المغرب ) كان عليها أن تشرع بعملية استئصال عميقة لأي نفوذ أصولي لكي تستمر في سياسات التبعية للنظام الرأسمالي العالمي دون مقاومة جدية من الداخل من حلفاء الأمس الذي انقلبوا أعداءا فجأة , على العكس من الإصرار على فرض النموذج النيو ليبرالي الاقتصادي المناسب لسيطرة كبرى الاحتكارات العالمية الذي جرى تعميمه في كل دول رأسمالية الدولة حتى تلك “المعادية” رسميا لأمريكا مثل سوريا و العراق تحت حكم صدام و إيران , كانت القضية المركزية في المشروع الأمريكي هي استئصال الأصولية , هذا بالذات ما منح النخبة المتلبرلة هذه الأهمية كرأس حربة في هذه المواجهة , على صعيد آخر كانت السياسات الاقتصادية لرأسمالية الدولة التابعة تعيد إنتاج سلطة الطغمة الحاكمة , رأس البيروقراطية الحاكمة , عن طريق تكريسها كرأسمالية “مستقلة” عن الدولة , لم تؤد الخصخصة و لا سائر السياسات النيو ليبرالية سوى إلى تقوية قبضة هذه الأنظمة من دمشق إلى القاهرة و الدار البيضاء على السلطة , لم تكن هناك برجوازية ذات نفوذ هام أو موجودة بالفعل لتكون رأس حربة للبرلة عميقة لبنية النظام السياسي , أي باتجاه إنتاج شكل تعددي لسلطة النخبة , شكل يسمح بإعادة إنتاج سلطة الطبقة الحاكمة بشكل أكثر سلاسة و أقل توترا , هكذا وجد الليبراليون العرب أنفسهم وسط المعارك التي رافقت تقدم المشروع الأمريكي في المنطقة و العالم و وسط معارك الدفاع عن أنظمة رأسمالية الدولة التابعة في وجه المقاومات الأصولية و صعود إيران كلاعب هام في المنطقة , تماما كما نشأ اليسار الستاليني العربي عن الستالينية , نشأ الليبراليون العرب من سياسات و أفكار المحافظين الجدد , كانت بدايات الاثنين تتردد بين الشعارات التحررية للإيديولوجيا التي آمنوا بها و بين السياسات الفوقية النخبوية لآبائهما , المعادية للجماهير و لحريتها , و خاصة مركزية “التحالف” أو الولاء الكامل للشقيق الأكبر : أمريكا هنا و روسيا الستالينية هناك , في الوقت الذي بدأ فيه اليسار العربي بالتشكل كانت الثورة الروسية قد أصبحت بالكامل أسيرة الستالينية , إذا كان هذا صحيحا بالنسبة للشيوعيين , فإن الرأسمالية الليبرالية في أمريكا و أوروبا كانت قد أصبحت منذ زمن طويل يتعدى القرنين قوة رجعية بامتياز إمبريالية توسعية و معادية للديمقراطية , لم يكن من الممكن إذا أن نرى فولتير أو روسو عربي بين صفوف الليبراليين العرب تماما كما لم يكن هناك في الأحزاب الشيوعية العربية سوى ستالينات صغار محليين , حتى سلطوي متطرف كماو , صاحب الثورة الثقافية , لم يكن من الممكن أن يوجد إلى جانب أحادية ستالين العربي , أو في ظله فقط..كان من الضروري أن نرى مناضلين حقيقيين في الأيام الأولى لظهور اليسار العربي , تماما كما رأيناهم وسط الليبراليين العرب في بداياتهم الأولى , قبل أن نصل إلى اللحظة التي اندمج فيها اليسار الستاليني , كنتيجة منطقية لخطابه و موقفه من الواقع و من الجماهير , في بنية أنظمة رأسمالية الدولة القومية , هذه اللحظة التاريخية التي تتطابق مع هذه اللحظة الراهنة الآن , الحرب على غزة , التي يندمج فيها الليبراليون العرب , كنتيجة منطقية أيضا لخطابهم و رؤيتهم , في ماكينة أنظمة رأسمالية الدولة التابعة أو ما يسمى بأنظمة الاعتدال , كم هما متشابهان , تقريبا بشكل كامل و مثير للدهشة , أعني اليسار الستاليني و النخبة المتلبرلة , أو كما يقول الحديث النبوي “حذو القذة بالقذة” , إنهما نموذجان كلاسيكيان للمراهنة على الأنظمة , العربية و العالمية , للمراهنة على السياسات و المساومات الفوقية , و لرفض أي دور حقيقي للجماهير أو الاعتماد عليها لا في تكتيكاتها و لا في أهدافها النخبوية و الفوقية بامتياز , أي باختصار إصرارهما على سلبية هذه الجماهير و هامشية دورها , هذا إن وجد أصلا , و غيابها عن الهدف النهائي , الهدف النهائي “الدوغما – سيطرة الشقيق الأكبر العالمية و الإقليمية” كل شيء , الجماهير لا شيء , إن مساهمة النخبة المتلبرلة اليوم بالترويج لطائفيات و مذهبيات سياسية دفاعا عن أنظمة الاعتدال لا يساويه إلا سكوت اليسار الستاليني عن التطييف المباشر و غير المباشر الذي قامت به أنظمة رأسمالية الدولة “القومية” عبر استخدامها لطوائف أو عشائر معينة كقاعدة اجتماعية للنظام , بما يعني أن أغلبية المنتسبين “الموثوقين” لقوى القمع و الأمن ينتسبون لهذه الطائفة أو العشيرة , عادة طائفة أو عشيرة رأس النظام , هذا الموقف الذي يتحفنا به “علمانيون” دون هوادة كما يفترض في الحالتين…تماما كما برر اليسار الستاليني بالأمس , و حتى اليوم في بعض البلاد , القمع الستاليني و قمع أنظمة رأسمالية الدولة ضد خصومها و في الحقيقة ضد شعوبها , نرى النخبة المتلبرلة اليوم تضحي , في إطار استكمال اندماجها النهائي بماكينة أنظمة رأسمالية الدولة التابعة , بأفراد مثل أيمن نور و الإصلاحيين في السعودية لصالح دورها الوظيفي في إطار هذه الماكينة..لنعد إلى نبوءة نيتشه , دعوني أعرض عليكم رأي نيتشه في الشرط الضروري لتحقق نبوءته “لقد اتجهتم على طريق مبدؤها الدودة و منتهاها الإنسان , غير أنكم أبقيتم على جل ما تتصف به ديدان الأرض” ( هكذا تكلم زرادشت ) , أخيرا , ما عدا النقد المحق تماما للواقع الاستبدادي لما يسمى بأنظمة الممانعة , و ما عدا النقد المحق تماما لخضوع الشارع العربي للشعاراتية الأصولية و أية شعاراتية ساذجة أخرى , لا يمكن للنخبة المتلبرلة أن تلعب أي دور إيجابي أو تقدمي في الواقع اليوم , هذا من جهة , من جهة أخرى , و مع دفع الرأسمالية العالمية و رأسمالية الدولة البيروقراطية في مجتمعاتنا , سواء في أنظمة “الممانعة” أو الاعتدال , البشرية و مجتمعاتنا إلى الانحطاط كبديل عن تغيير هذه الأنظمة , و تغيير هذا الواقع , هذا يعني أنه , إلى جانب أزلام أنظمة الممانعة و بقايا اليسار الستاليني , سيكون على الليبرالية العربية أن تمجد و تأله كل ما يجمع بين الإنسان و الدودة , لكي تمارس دورها الوظيفي , هكذا تصل الليبرالية العربية , بسرعة قياسية , لنفس النتيجة التي وصل إليها اليسار الستاليني , المجد للأمر الواقع , المجد للسلطة , المجد للسوط و للسلاسل , هكذا تصبح كما أصبح اليسار الستاليني في أوربا الشرقية و في دول الممانعة جزءا من أزمة التغلب على الواقع و تجاوزه و ليست جزءا من الحل , و هكذا يترك الشارع إما تحت تأثير الشعاراتية الأصولية الساذجة و لكن المناهضة للواقع و التي تعد بتغييره و إن كانت لن تقر أبدا بالبشر أنفسهم كهدف للتغيير , أو ربما ليسار راديكالي , نسعى لقيامه , ينهي هذا التناقض بين مشروع الحرية و العدالة و بين البشر العاديين أنفسهم , سيتعين علينا إعادة صياغة موقف كامو من الستالينية التي حولت العدالة إلى شعار مزعوم لسيطرتها الشمولية على المجتمع “أنا أؤمن بالعدالة , و لكنني سأدافع عن الإنسان قبل الدفاع عن العدالة” , هذه المرة إنها “الديمقراطية” , أما موت الليبرالية العربية فهو رهن بحاجة المشروع الأمريكي و أنظمة الاعتدال لدورها الوظيفي قبل إعلان انتصارهم النهائي مرة أخرى , فلم يعد لها , كما هو حال اليسار الستاليني , من مبرر آخر للوجود…….