الرئيسية » مقالات » الحاتي وإبن الرومي والملاّ عبود الكرخي

الحاتي وإبن الرومي والملاّ عبود الكرخي

أيمكنُ أنْ يكونَ الحبُ سوريالياً ؟ لمَ لا ، وما العيبُ في ذلك ؟ أفلم تكنْ ” مشّادةُ ” خلق الإنسان عملية سوريالية ـ قيصرية شديدة التعقيد ؟ إذاً … تقبّلَ الأمر واسكتْ حتى ولو على مضضٍ . حلوة ! مضض ! تمضمضْ وأكرمْنا بسكوتك . لا أسكت ما دامَ السكوتُ من الرِضا ، لا ولن أسكت حتى لو قصصتم رأسي وأطعمتم به ذئاب البرّية أو وحوش البرية الجائعة أبداً للحوم البشر . قال رأسك لا يكفي ، رأسك لا شئ سوى رأس باجة عجلٍ حولي لا أكثر . فكّرت طويلاً بهذه الإهانة غير المتوقعة . رأسي رأس باجة من باجات الحاج الحاتي في شارع الشيخ عمر في بغداد القديمة أيام زمان الوصل والإتصالات المقطوعة كرأسي المُعَد للقطع والجز ّ ، ألا تباً للباجات والبارات ! إحتججتُ ، قلتُ إنما باجات حاتي أو حكواتي بغداد عاصمةَ المستر بوش البلوشي البشبوشي من رؤوس الغنم وليس رؤوس العجول. معه حقٌ هذا اللعين السرسري السوريالي المعقّد ، معه كل الحق ، فعلى قدر سعة ذاكرتي وحدود معارفي ومعالفي كان في مدينة الحلة الفيحاء زمان أيام الوصل صفقة عظام بقرٍ أو عجول يبيعها القصابون بإسم ( كسور ) تقومُ مقامَ الباجة واللهُ أعلم وأكثر دسماً منها. [ لا أحب لفظة جزّارين … ما كان صدامُ حسين إلا جزّاراً من الطراز الأول … لم يكنْ رأس جزرْ مسالم ] . ضحك المعتوهُ السورياليُّ صاحبي وحين شبع ضحكاً قال وهل نسيتَ ما يبيع جزارو الإنكليز في بريطانيا العظمى ( أي العَظمة ) ؟ أجل نسيتُ ، ما يبيع جزارو أبي ناجي المعظّم من باب الشيخ حتى باب المعظم في بغداد عاصمة بوش المحذوف بالحذاء العابر للقارات ؟ يبيعون أضلاع الخرفان طعاماً للكلاب فإنها تحب القرضَ تمارينَ تقويةٍ لأسنانها البللورية ولا تعرف مصَّ وإستخلاصَ نخاع العظام كما هو شأن بني آدم . تذكّرتُ ، وحق الحبيبة آلهتي إينانا البابلية ، تذكّرتُ قصتي مع رجل من بعض بلدان جنوب جزيرة العرب العاربة إذ رأيته مراراً يبتاع هذه العظام في سوق اللحوم والفاكهة والخُضرة المركزي في وسط مدينة شفيلد البريطانية ؟ سالته مرّةً : يا أخَ العرب ، هل لي في سؤال ؟ قال تفضّل يا محَفوظ السلامة ، إسالْ عمّا شئتَ ستجدني إن شاءَ اللهُ من المتعاونين . يا محَفوظ السلامة ، ماذا تفعل بهذه العظام ؟ قال هل أنت جادٌّ بهذا السؤال ؟ لم أهزل في حياتي يا رجل ، خاصةً مع الناس من أمثالك لا تربطني بهم علاقة صداقة متينة .. قال نطبخها مع البامياء فتضفي للقدر مذاقاً ودَسماً ثم فيها بقايا لحم نحن بأمسِّ الحاجة له . لكنها عظام تُعدُّ أصلاً طعاماً للكلاب . قال آآآآ … ومَن تحسبنا في هذا البلد اللعين الكافر؟ لسنا أكثر من كلاب ولسنا أفضل من كلابهم ولا أكثر تحضّراً كما يزعمون ! ذكّرني هذا الرجل البسيط الذي قضّى جُلَّ عمره في بريطانيا ولم يستطع ضبطَ لغة أهل هذه البلاد … ذكّرني بقصة أخرى حيث إلتقيتُ ذات يومٍ بأستاذ جامعي من بربر الشمال الإفريقي أخبرني أنهم في جبالهم يأكلون لحم القطّوز أي القطط . الآن يعجبني ، وأنا متورّطٌ بموضوعة العشق السوريالي ، أنْ أتساءلَ أية طبخة بامياء أفضل : بلحم قطط الشمال الإفريقي أم بعظام كلاب إنكليزية ؟ جاءني صوتُ حاتي باجات بغداد البوشيّة عالياً جهورياً جمهورياً ليقولَ : عليك بلحم باجة الخروف ، اللسان ولحم الفم الداخلي { اللغلوغ أو النغنوغ } والآذان والكراعين ثم الكروش والعيون لا لحم بزازين بربرية ولا عظام خِرافٍ أنكريزية ليست مذبوحة على قبلة المسلمين . لا من أحدٍ يدري كيف حضر المرحومُ الملا عبود الكرخي بعد انْ شمّ رائحة الباجة ، حضر وفي يده المرتعشة قصاصة ورق قرأ فيها بعض ما قال في رائعته الشعرية عن الباجة حيث كتبَ في مطلعها :

أرد أسولفْ خبرْ مُضحكْ يالأحبابْ

فرد يوم معيدي باجةْ لبيته جابْ

ويمضي الكرخي عبود في وصف الباجة وشؤونها ودقائق تفاصيلها ولم أتجرأ لأسأله هل كانت هذه الباجة مُشتراةً من محلات الحاتي ؟ مَن يقرأ قصيدة باجة عبود لا يلوم ولعَ الشاعر إبن الرومي بالطعام فهذا معذورٌ لأنه كان ضحية مرض السكّري فما كان ليشبع وما كان بولُهُ لينقطعَ حتى بلغ به مرضه أقصى حالات الهلوسة العصبية فغدا أضحوكةَ صبيان درابين بغداد العباسية لا البوشية صاحبة أكبر مصانع الأحذية العابرة للقارات وأكثرها شهرةً ماركة ” الزيدي ” التي فاقت شهرة باجة الحاتي وباجة عبود الكرخي . قلتُ لنفسي طالما إجتمعَ رهطُ الكرخي والحاتي الباجه جي بإبن الرومي فليجهزّا للضيف الشاعر أكلة باجة لعلها تسدُّ أبواب نهمه وحاجته الملحّة للطعام ثم لعله يجد في الكروش ما يخفف عنه وطأة إشتداد البول لديه فالأطباء يوصون بالكرش المكروش . رحّب الجميع بهذا المُقترح شرط أنْ يقرأ الكرخيُّ عبود ملحمة الباجة ويقرأ أبنُ الرومي شيئاً من أشعار وصف أطباق طعام زمانه . هل تغيب آلهتي وحبيبتي إينانا البابلية عن مثل هذا اللقاء الأسطوري أو ترفض أكلة الباجة جملةً وتفصيلاً ؟ كتبتُ لها رسالةً بالبريد الألكتروني عارضاً الفكرة على جنابها فأجابت : كيف حالك يا أعزَّ الناس عندي ؟ إنها فرصةٌ في العمر نادرة أنْ ألتقي وهذا النفر المتميّز من الرجال شعراءَ وباجه جيّة لكني لشديد أسفي لستُ من هواة أكل الباجة الخروفية فأنا كما تعلم بابلية لذا أهوى أكلة تشريب الكسور بثريد خبز شعير التنور الحار. قلتُ لها سيكون لك ما تريدين يا آلهةَ ومليكة بابلَ وقلوب أهل بابل قديمها وحديثها. المهم موافقتك على الإلتحاق بنا ومشاركتنا مجلسنا شعراً أو طَرباً أو طعاماً إذْ لا يحلو مجلسٌ إنْ غبتِ عنا وعنه . قالت أمهلني بعض الوقت كيما أجهّز نفسي لحضور حفلكم ولكن ، قلْ لي هل سيقرأ الكرخيُّ شعر الباجة وهل سيقرأ إبن الرومي شيئاً من أشعاره في وصف بعض صنوف طعام زمانه ؟ بكل تأكيد ، بكل تأكيد ، سيقرءان يا نورَ العيون ومهجةَ قلب محبيك المتيمين بحبك ، سيقرءان لك ما شئتِ . قالت وهل سيقرأ إبن الرومي قصيدته التي هجا فيها قائد ثورة الزنج وعابها وهجاها ؟ إذا طلبتِ أنتِ منه فإنه سيكون سعيداً في تلبية طلب مليكة بابل . لمْ يُصدِّق القومُ أنَّ مليكةَ بابلَ قد وافقت على حضور مجلسنا ومشاركتنا ما نحنُ فيه من سَمَرٍ وطَرَبٍ ومرح وإحتمالِ ضربِ كراعينَ وكروش وآذان وعيون وألسنة وباقي مشتقات الباجة المعروفة . غير أنَّ الشاعر إبن الرومي أبدى بعضَ التحفظاّت ثم سرعانَ ما إعتذرَ عن مواصلة السهرة معنا تارةً بدعوى إرتباطه بموعد سابق هام مع أحَدِ أثرياء بغدادَ ليُلقي على مسامعه قصيدة مديح قالها حسب طلبه فيه لقاءَ مالٍ كثيرٍ هو بمسيس الحاجة إليه . ما أنْ تأهّبَ للمغادرة حتى أطلّتْ مليكتنا علينا فانهار الشاعرُ ساجداً أمامها ونهض الباقون وقدّموا بكل وقارٍ فروضَ الطاعة والتعظيم التي كانت زاهدةً فيها أصلاً فإنها متواضعة في مجالس الشعراء والأدباء ورجال الثقافة والفكر . تراهم أكبرَ من تقديم فروض الولاء والطاعة والتعظيم لإمرأةٍ أنثى حتى لو كانت مليكة مملكتهم . أشارت لهم بالجلوس فجلسوا صامتين كأنَّ الطيرَ على رؤوسهم . طلبت منهم أن يتكلموا فإعتذروا وقالوا إنما الكلام لها وما هم إلا مستمعون صاغون صاغرون . قالت قد علمتُ أنَّكم إجتمعتم في هذه الأمسية على قراءات شعرية مع أكلة باجة . قالوا أجلْ . قالت لكني لبيّتُ الدعوة بشرط أنْ يقرأ الملا عبود الكرخي قصيدته المعروفة في الباجة . وأن يقرأ إبن الرومي شيئاً مما قال في وصف بعض الأطعمة الشهية المعروفة في بغداد أيام الخليفة العباسي المعتمد على الله أحمد بن جعفر المتوكل ( 279 ـ 256 هجرية ) . لاحظتْ أنَّ الباجة جي الحاج الحاتي كان غارقاً في حالة صمتٍ عجيبٍ يُثير التساؤلات . سألته ما لك يا حاتي ، هل أنك متوعك الصحة أو لعلك تشعر بالتعب أو ربما الضجر ؟ قال وكيف يشعر مثلي بالتعب في مثل هذه اللحظات وكيف يراودني لا سمحَ اللهُ الضجر وأنتِ مليكتنا وربّتنا بيننا تشرّفين بحضورك لقاءنا وتنيرين ليلتنا وتسعدين قلوبنا وهل إجتمعت في سالف الزمان الباجات والملوك ؟ طلب إبنُ الرومي الكلامَ فأذنت له مليكةُ بابلَ فقال : نعمْ ، كان بعضُ خلفاءِ بني العباس شديدي الولع بأكلة الباجة ولا سيما الرؤوس . ولعلمكم ، مات الخليفة المعتمد على الله إبن المتوكل إثرَ أكلة باجة مع إثنين من ندمائه الأكولين المغرمين مثله بهذه الأكلة . وقيل إنه مات بكؤوس نبيذ مسموم قُدِّمً له مع الطعام ذاك (1) . سأله الحاتيُّ وهل تحبُ الباجة يا ابنَ الرومي ؟ قال على الفور فلتأذنْ مولاتي لي بالجواب ثم قال : بل وأفترس الخروف حيّاً كاملاً بصوفه وقرونه وحوافره وخر … ضحكت مليكةُ الملكات وقد فهمت تتمة آخر كلمة أرادَ قولها الشاعرُ فاسترسل القومُ معها في ضحك طويل وزال الحاجزُ النفسيُّ المعروف الذي يعزل الشعوب عن الملوك . هكذا تفعل الفكاهة والبساطةُ فعل السحرَ في النفوس . سألته وهل قلتَ يا ابنَ الروميِّ شعراً في الباجة ؟ قال كلا يا مولاتي ، لكني قلتُ في شأن آخرَ لا علاقةَ له بالباجة ، ثم إنه قد لا يُعجبُ مولاتي سيدة ومليكة بابلَ وجميع خلايا النحل فيها وفيما يجاورها من ممالك . ضحكت الملكة من نكتة إبن الرومي وقالت قلْ منها ما شئتَ ومن غيرها مما قال رفاقك الشعراء من عاشقي جيد الطعام من أمثال الملا عبّود الكرخي . تضاحك الملاّ عبّود على وَجَلٍ واستحياءٍ ثم إنكمشَ كالأرنب على نفسه كأنه لم يجالس بعض ملوك زمانه [ فيصل الأول ، ملك العراق ] ولم يضاحكهم ويقرأ عليهم ساخر شعره .. قرأ إبن الرومي شيئاً مما قال إبن المعتز في وصفِ سلّةٍ فيها سكارج كوامخ (2) :

أمتعْ بسلّةِ قضبانٍ أتتكَ وقد

حفّتْ جوانبهَا الجاماتُ أسطارُ


فيها سكارجُ أنواعٌ مُصفّفةٌ

حُمرٌ وصفرٌ وما فيهنَّ إنكارُ


أعطته شمسُ الضُحى لوناً فجاءَ بهِ

كأنهُ من ضياءِ الشمسِ عطّارُ


وكامخُ الزعترِ البريِّ إنَّ لهُ

لوناً حكاهُ لدينا المِسكُ والقارُ


وكامخُ الثومِ لمّا أنْ بَصُرتَ بهِ

أبصرتَ عطراً لهُ بالأكلِ أمّارُ


كأنَّ زيتونَها فيها ظلامُ دُجىً

في الجنبِ منه من الممقورِ أسفارُ


إذا تأمّلتَ ما فيهنَّ مِن بَصَلٍ

كأنّهنَّ لُجينٌ حشوهُ نارُ


وسلجمٌ مُستديرُ القدِّ خالطهُ

طعمٌ من الخلِّ قد حازتهُ أسطارُ


كأنَّ أبيّضَهُ فيهِ وأحمَرَهُ

دراهمٌ صُففتْ فيهنَّ دينارُ


في كلِّ ناحيةٍ منها يلوحُ لها

نجمٌ إلينا بضوءِ الفجرِ نظّارُ


كأنها زهرةُ البستانِ قابلها

بدرٌ وشمسٌ وإظلامٌ وأنوارُ


رفعت مليكة بابلَ نظرها صوبَ الباجة جي الحاتي وسألته : ما رأيك بما سمعتَ وأنت صاحب الباجة البغدادية الشهيرة ؟ قال في القصيدة كلمات لم أفهمها لكني كنت بشغفٍ أتابعُ وصف الثوم والبصل وحبّات الزيتون وألوان الشلغم الذي أسماه إبن المعتز ( السلجم ) ثمَّ الخل والزعتر البرّي وهي مقبّلات ومُشهيّات كثيرة علينا وعلى باجاتنا إذْ لا نقدّمُ لضيوف مطعمنا المتواضع مع صحون الباجة غير رؤوس البصل الجاف وربما بعض النارنج إذا توفر في الشتاء .. لا سلجم ولا زعتر ولا زيتون . وأنت يا ملاّ يا عبود يا صاحب المجارش والجاروشات ؟ قال الملا وعيناه في الأرض : يا مولاتي ومولاة كل آبائي وأجدادي لقد جنى عليَّ إبن المعتز ، هذا الخليفةُ المخلوعُ البطرانُ إذْ قرّبني وصفهُ الدقيقُ لوجبة واحدةٍ من وجبات طعام الملوك من حافة الموت جوعاً لا سامحه ربّهُ . لذا فلا من غرابة إنْ نفقَ بعضُ خلفاءِ بني أُميّةَ وبني العبّاس وهم في عزِّ شبابهم من فرطِ غرامهم بجيد الطعام وخاصةً ما كثُرَ فيه السمنُ والزيوت والسكريات . كأنهم ما عرفوا الحكمة أو الحديث القائل : المعدةُ بيتُ الداءِ والحِمْيةُ رأسُ الدواء . وأنت يا ابنَ الرومي ؟ قال واللهِ يا سيدتي لولا حيائي منك وإعظامي لمقامك هذا بيننا لأفترستُ رأسَ الحاتي حياً لأنه حضرَ مجلسنا ولم يُحضرْ معه عدداً كافياً من رؤوس الباجات . ضحكت مليكةُ بابل فجاراها الجميعُ . سألته لِمَ اختار قصيدة الخليفة المخلوع ولم يقرأ سواها فقال : وجدتها سيدتي أفضلَ ما قالت الشعراءُ في أطباق وألوان الطعام في زماننا ثم إنها أفضلها نظماً ووصفاً وأقومها وزناً وتقفيةً.

ففي وصفه لرأس الشلغم قال :

كأنَّ أبيضَهُ فيهِ وأحمَرَهُ

دراهمٌ صُففِتْ فيهنَّ دينارُ

فاللون الأبيض هو لون دراهم الفضة واللون الأحمر هو لون دنانير الذهب . جمع عُملتي النقد الفضة والذهب معاً في وصف لوني رأس السلجم وفي هذا البيت الكثير من الشعر الذي لم أجد مثله في أشعار بقية الشعراء ممن وصف موائد الطعام وما فيها . قالت عظيمةُ بابلَ لا حاجةَ بنا لسماع قصيدة باجة الملا عبود الكرخي فلقد أشبعتنا مائدةُ إبن المعتز حدَّ التخمة القصوى . لذا أرتأي أنْ يقرأ إبن الرومي على مسامعنا قصيدته التي قالها في ثورة الزنج وقائدها عليٍّ بن محمد . لماذا هاجم هذه الثورة وذام قائدها وهو متشيّع . أطرق إبن الرومي طويلاً قبل أنْ يرفعَ رأسه ليقول : مولاتي مليكة بابل وما جاورها ، كنا نتكسّبُ بالشعر فهو مورد رزقنا الوحيد فلا تجارةٌ ولا إقطاعٌ ولا عقارات ولا نخيل ولا أنعام . لذا كنا نجاملُ سلاطينَ زماننا ونمشي في خطوطهم السياسية فنعادي مِن يعادون ونحبُّ مَن يُحبون . تماماً كحال الكثير من شعوب الأرض في زمانكم هذا . الموت حبساً أو جوعاً لكل من يعارض إرادة السلطان أو يقف في وجهه . حين سألته هل هو نادمٌ على ما قال في هذه القصيدة أجاب وما جدوى الندم يا سيدتي ومَن روحي في يديها الجميلتين وقد مرّت حِقبٌ على ذاك الحدث ومرّت أزمانٌ وأزمان . ثم إني أخشى منك إذا ما قلتُ رأيي صريحاً لأنك أنت مليكة من صنف سلاطين أزمنتنا والملوك والسلاطين ضد شعوبهم كما تعلمين سيدتي لكأنَّ بينهم حلفاً مقدّساً ولطالما عقدوا وأقاموا مثل هذه الأحلاف . لاحظت مليكةُ بابلَ أنَّ الملاّ عبود الكرخي يردد مع نفسه هامساً (( إنّ الملوكَ إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزّةَ أهلِها أذلّةً وكذلكَ يفعلون / سورة النمل 34 )) ، تبسّمت السيدةُ الجليلةُ وقد فهمت رسالةَ الكرخي فوجّهت كلامها لإبن الرومي قائلة : بل قلْ رأيك ولا تخَفْ. أنا ملكةٌ ليست كباقي الملكات ! أنا ديمقراطية بسليقتي ونشأتي أحترمُ شعبي وأصونُ حقوقَه كاملةً ولا سيّما حق التعبير عن الرأي المخالف وحق معارضتي وفي عُنُقي مسؤولية صيانة شرائع أبي حمورابي كاملةً لا نقصانَ فيها . قال وقد إطمأنَّ إبن الرومي شكراً لكِ يا سيدةَ نساء العالمين ويا تاجَ جميع الملكات القديمات والمعاصرات ، بلقيسَ سبأٍ وليزابثَ لندن … شكراً جزيلاً … الآن في وسعي إذا سمحتِ جلالتكم أن أُصرِّحَ أني كنتُ في قلبي وجميع نوايايَ مع ثورة الزنج ومع قائدها عليٍّ بن محمد وإنْ إختلفت الروايات في حقيقة نسبه إذْ لا أهتمُّ أكان الرجلُ علويَ النسبِ أم لم يكنْ . المهم أنه نظّمَ وقاد ثورةَ المستضعفين في الأرض والفقراء والمعدمين من فلاحي العراق والعبيد وفقراء مدن الجنوب وهذا هدفٌ سامٍ كما أراه يعلو على أي إنتساب عائلي أو قَبَلي أو مذهبي . لا من إنتسابٍ للرسالات السامية إلا للإنسان وقضاياه المصيرية وتحرره من القيود والأغلال الطبقية . كانت الملكة معجبة بما كان الشاعرُ يقول كأنها تسمع هذا الكلامَ لأول مرة وكانت على حق ، فمن ذا غيرُ الشاعر والفيلسوف قادرٌ على قول الحقيقة كما يراها حتى لو أدت إلى قطع رأسه أو تجرعه كؤوس السم كما فعل سقراط وغير سقراط . إنطلقَ الشاعرُ على سجيته الحرّة بعد أنْ ضمنتْ السلطانةُ حريته فأمنَ العقابَ . لقد تهيأ الجو الآنَ ليلقي إبن الرومي بعض شعره الذي قال في ثورة الزنج وفي صاحبها القائد تحت عنوان ” رثاء البصرة ” (3) :


وتسمّى بغيرِ حقٍّ إماماً

لا هدى اللهُ سعيَهُ مِنْ إمامِ


دخلوها كأنهّم قِطعُ اللي

لِ ، إذا راحَ مُدلهمُّ الظلام


صبّحوهمْ فكابدَ القومُ منهمْ

طولَ يومٍ كأنهُ الفُ عامِ


أينَ ضوضاءُ ذلكَ الخَلقِ فيها

أين أسواقها ذواتُ الزِحامِ


أينَ فُلكٌ فيها وفُلْكٌ إليها

مُنشآتٌ في البحرِ كالآعلامِ


وخلتْ من حلولها فهيَ قفرٌ

لا ترى العينُ بينَ تلكَ الآكامِ


غيرَ أيدٍ وأرجلٍ بائناتٍ

نُبذتْ بينهنَّ أفلاقُ هامِ


وُطئتْ بالهوانِ والذُلِّ قَسراً

بعدَ طولِ التبجيلِ والإعظامِ


فتراها تَسفي الرياحُ عليها

جارياتٍ بهبوةٍ وقَتامِ



[[ هذا ما قال الشاعرُ إبن الرومي عن البصرة وأهلها بعد أنْ دخلتها جيوش عليٍّ بن محمد وإستباحتها عام 257 للهجرة زمن الخليفة العباسي المُعتَمِد على الله . أليس هذا هو حال بغداد بعد إحتلال العراق ؟؟ ]] .

ظلَّ القومُ صامتين لفترة طويلة كلٌّ على ما يبدو لأسبابه الخاصة . قالت الملكة هذا هو حال المدن التي دخلتها جيوشُ بابلَ . وقال الملاّ عبود الكرخي وهذا بالضبط هو حال بغدادَ اليوم . أما الباجة جي الحاتي فقال كان خرابُ البصرة عيداً لنا نحن أصحاب دكاكين الباجات إذْ كانت تأتينا رؤوس البشر رخيصة الثمن فجعلنا منها ثرواتٍ طائلةً !! يعتادُ البشرُ زمنَ الحروبِ على أكل رؤوس ولحوم البشر . لم تُطقْ مليكةُ بابلَ الدمقراطية المتحررة التي درست في جامعة السوربون الفرنسية … لم تُطقْ سماع ما قال السيد الحاتي الذي أثرى زمن الحرب فأعلنت ختامَ اللقاء الدرامي شاكرةً الجميع على دعوتها والإصغاء إلى ما كانت تقول . إرفضَّ الجمعُ فأنزلتْ عشتارُ الستارةَ وأطفأتْ الأنوار ومضتْ إلى سبيلها واثقةَ الخُطى .

01.01.2009


هوامش

1ـ مروج الذهب للمسعودي / الجزء الرابع / الصفحة 140 . الناشر : دار الأندلس ، بيروت ، الطبعة الرابعة 1981 .

2ـ المصدر السابق / الصفحة 268 .

3ـ أحمد عُلَبي / ثورة الزنج وقائدها عليّ بن محمد / الصفحة 132 . الناشر : دار الفارابي ، بيروت ، الطبعة الجديدة 1991 .