الرئيسية » مقالات » ستار مهدي معروف الخواجه

ستار مهدي معروف الخواجه

كثيرون سطروا كلمات مضيئة في شجرة الشيوعية الوارفة ،وكثيرون مروا وقد تركوا آثارا لا تمحى من الذاكرة العراقية وذاكرة الشيوعيين بالذات ،وستار المعروف واحد من هؤلاء الذين تركوا أثارا لا تنسى لما تميز به من تفان ونكران ذات ،فهو من أسرة حلية وطنية قدمت للحزب الكثير ولا زال أبنائها يعملون في حزبهم المجيد لم تثنيهم عذابات السنين أو زنازين الطغاة والجلادين بل زادتهم شموخا وإصرارا على مواصلة المسيرة ورفع الراية الشيوعية عاليا في سماء العراق.
وعندما نستذكر هذه القامة الشامخة في تاريخ الحزب نستذكر من خلاله تلك الوجوه الكريمة التي لم تغب الابتسامة عنها في أحلك ساعات الحياة ولم تثنيهم الصعوبات عن مواصلة مسيرتهم النضالية ،فكانوا ولا زالوا يرفدون الحزب بالدماء الجديدة التي تجعله باقيا ماثلا إلى أبد الآبدين،فرغم ما عاناه الحزب لا زال راسخا ثابت الجذور في نفوس العراقيين بفضل أبناءه النجباء الذين لم تشغلهم الدنيا ومصاعبها عن مواصلة المسيرة لإصلاح ما أفسده الأدنياء والسفلة في سنين العبث والضياع،أن حزب الشهداء والشرفاء ،حزب الأمل والعمل ،لا زال كما عهده العراقيون حزما وأصالة بفضل التربية الشيوعية التي انغرست في عقول أبنائه فلم تغيرهم الدنيا وأحوالها أو تلبسهم مدلهم ثيابها فكانوا هم هم في ساعات العسر والرخاء يحدوهم الأمل أن يعيدوا العجلة إلى مسارها ولن تثنيهم المصاعب عن مواصلة مسيرتهم الظافرة،لذلك تراهم ماثلين دائما في قلوب العراقيين يذكرون أيامهم ويفخرون بأخبارهم،ويرسمون منهم صورا للتضحية والفداء ليكونوا المثل الأعلى لأجيال من العراقيين.
وعندما أردت الكتابة عن هذا الشيوعي البار عدت إلى لداته وأقرانه ومن عملوا معه طلبا لرأي أو معلومة فكانت الألسن تلهج بذكره ،فهو من مواليد الحلة الفيحاء 1935 “و كنا وستار في أربعينيات القرن الماضي كالجيران في محلة واحدة اسمها “جبران” وزقاق عريض واحد أسمه ( عكد المفتي ) لكنه كان أسبق مني في المدرسة بعام واحد أو عامين . كان كاليتيم حيث تعهده خاله السيد “فرهود المعروف” الرجل ذو الخلق الرفيع وهذا هو أبن عم الصديق “قحطان جعفر المعروف “ولا ريب في أنّ قحطان يعرف عن ستار أكثر بكثير مني . كان ستار هادئاً بين بقية أطفال عكد المفتي مؤدباً لا يدخل في عراك أو شجار مع باقي الأطفال كما كان شأننا في الكثير من الأحوال . كانت يوم ذاك علاقته الوثقى بكل من “عبد حمزة الشهربلي” و”عدنان أحمد دنان . “دخل دار المعلمين الابتدائية في بغداد / الأعظمية وكانت حينذاك الدار الوحيدة في عموم العراق التي يتخرج فيها المعلمون جيلاً بعد جيل”وتخرج فيها سنة 1952” . لا أتذكر أنه مارس التعليم بعد إكماله دراسته في دار المعلمين غير أنه غاب فجأة عن الحلة وما كنتُ أعرف سبب غيابه إلا بعد مرور العديد من السنين : اختفى تفرغاً للحزب الشيوعي وحتى قيل في حينه إنه تخفى وتنقل َّمع البدو الرحل هرباً من شرطة العهد الملكي . ظهر ستار مهدي بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 وتزوج من السيدة ساهرة حميد طخة شقيقة الأصدقاء رضا طخة وهادي والحاج مهدي حميد طخة لكنهما لم ينجبا أطفالاً على حد علمي .
قيل في حينه إنه مسئول خطوط الفلاحين في منطقة الفرات الأوسط وكان معروفاً في الحلة أنه عضو في اللجنة المركزية للحزب . كانت له علاقات قوية جداً بعائلة زكوم ولا سيما الجار القديم والصديق كاظم باقر زكوم شقيق نجاة زوج الصديق مجيد طعمه . كان ستار يزور الحلة بين الحين والحين زمن عبد الكريم قاسم والظن يوم ذاك أنه أنتقل حزبياً إلى بغداد وكنتُ أرى السيدة ساهرة في بيت أخيها السيد الصديق رضا طخة . حين ادلهمت الخطوب وغامت الأجواء في سني قاسم الأخيرة تعرض كاظم باقر الزكوم إلى مضايقات في مدينتنا الحلة فأنتقل إلى بغداد وفتح محلاً لتصليح الراديوات في الصالحية في مدخل الجسر هناك أو في رقبته كما كنا نقول . وكنت أجد المرحوم ستار مهدي المعروف هناك كلما زرت الصديق العزيز كاظم الزكوم في محله الصغير . وكنا نتبادل الأخبار وكان ستار حريصاً على أنْ يسمعَ مني عن أوضاع الحلة وتكالب البعثيين والقوميين والرجعيين وإستقوائهم علينا وصعود مدهم الدموي وتفاقم الحالة السياسية وما رافقها من اعتداءات واستفزازات وخاصة في فترات انتخابات نقابة المعلمين في لواء الحلة ..
تمت تصفية ستار للأسف بعد انقلاب شباط الأسود وأستشهد تحت التعذيب في 9/10 شباط 1963 تاركاً زوجه ساهرة أرملة ً وحيدة تعيش مع إخوتها .”نقلا عن الدكتور عدنان الظاهر
وذكر الرفيق الحلوائي في رسالة أن ” الرفيق ستار معروف ذكي ويمتاز بإمكانية تكوين رأي مستقل والتعبير عنه بشكل ملائم وهذه سمة مطلوبة جداً لاسيما بالنسبة للكادر الحزبي وكانت في ذلك الزمان تنطوي على جرأة وثقة بالنفس، آخذين بنظر الاعتبار ضعف الديمقراطية داخل الحزب. وأتذكر جيدا بأن ستار هو أول من أعترض على تقدير الحزب الوارد في الوثيقة الصادرة من الكونفرنس الثاني (1956) بشأن أسلوب الكفاح وقد ناقش سلام عادل في الاجتماع. فقد شخصت الوثيقة طبيعة المعركة “باعتبارها معركة ذات طابع سلمي غالب”. ولم يقتنع العديد من المشاركين بالتوضيحات التي قدمت للاجتماع لتبرير هذا الاستنتاج. وقد صححت اللجنة المركزية هذا الخطأ على أثر انتفاضة تشرين الثاني 1956 التي جوبهت بالرصاص من قبل السلطات، وذلك في بيانها الصادر في 11 كانون الأول 1956، لتقرر بأن الأسلوب ألعنفي هو الأسلوب الغالب.)

تفرغ للعمل الحزبي بعد تخرجه من دار المعلمين
ولحركته الدائبة فقد أستلفت أنظار المباحث الجنائية التي هالها هذا النمو المتصاعد في الوعي الطبقي للجماهير فأخذ يتنقل بين المحافظات لمواصلة عمله التنظيمي ،فنسب الى النجف ،مسئولا عن قيادتها سنة 1956 فقام بما أوكل إليه على أحسن ما يكون،وتمكن من بناء العمل التنظيمي بما عرف عنه من جدية وصرامة وقدرة على التحرك في مختلف الظروف، وأصبح حينها عضو لجنة الفرات الأوسط،وكانت لجنة المنطقة تتكون من الرفاق فرحان طعمة وصالح الرازقي وعبد الأمير حسون مسئول محلية بابل ثم حل محله حمد الله مرتضى،وحسن عباس الركاع الذي كان منسبا للمنطقة عندما كان مسئولا عن محلية الديوانية ثم حل محله موسى جعفر مسئول السماوة،وهادي صالح متروك.
وبعد كونفرنس 1956 الذي أشرف عليه الشهيد سلام عادل أصبحت لجنة الفرات الأوسط تتكون من :
صالح ألرازقي سكرتير اللجنة وعضوية : حمد الله مرتضى مسئول الحلة وحسين سلطان مسئول النجف وعدنان عباس مسئول الشامية وستار معروف مسئول الديوانية وكاظم الجاسم مسئول الفلاحين ،وأصبح مسئولا عن مكتب اتحاد الشعب في الحلة،وانتقل بداية الستينيات إلى بغداد ونهض بمهمة مسئولية لجنة التوجيه ألفلاحي المركزي ،وعضو اللجنة العسكرية للحزب حتى اعتقاله ليأخذ على عاتقه العمل في الريف بما يحمل من صعوبات ومشاكل في ظل التسلط الإقطاعي وانعدام الوعي في الريف ولكنه بما يمتلك من مؤهلات عالية تمكن من تذليل الصعاب التي اعترضت العمل وتمكن من بناء المرتكزات المهمة لتنظيم فلاحي أمتد ليأخذ مدياته الواسعة تنفيذا لمقررات الحزب في ضرورة توسيع نشاط الحزب في الريف والعمل لبناء قاعدة قوية لأن الفلاحين يشكلون النسبة الأكبر بين الجماهير ،فكان النضال الحزبي يعتمد على بث الوعي وضرورة تشكيل الجمعيات ألفلاحيه التي تعمل لنشر قاعدة مهنية كبيرة تأخذ على عاتقها تحفيز نضال الفلاحين في المطالبة بحقوقهم في تطبيق قانون الإصلاح الزراعي وخصوصا بعد أن حاولت القوى الرجعية الالتفاف عليه من خلال علاقاتها بإدارات الألوية التي كانت تعمل بالضد من القانون،وهذا التحرك في الأوساط الريفية كان وراءه خيرة الكوادر الحزبية التي نذرت نفسها لهذا العمل واستطاعت استمالة الفلاحين لجانبها ليأخذوا بناصية النضال الوطني لانطلاقة جديدة ويشكلوا الإسناد الطبيعي لجماهير المدن في نضالهم لنصرة الثورة وحماية منجزاتها التي كانت تصب في مصالح الفقراء ،وكان يتجول في الألوية العراقية لمتابعة العمل ألفلاحي وتشكيل الجمعيات والعمل لتذليل المصاعب التي تواجهها بسبب تواطؤ الإدارة المحلية مع كبار الملاكين.
وأستمر في عمله النضالي من خلال عضويته في اللجنة المركزية واضطر للعمل السري بعد انحراف عبد الكريم قاسم ومحاولته تقريب العناصر الرجعية والقومية وإرضائها من خلال محاربة الشيوعيين واعتقالهم،حتى امتلأت السجون بالشيوعيين ،وظل وفيا لمبادئه وحزبه حتى ساعات الأخيرة حيث القي القبض عليه بعد انقلاب شباط الأسود 1963 ،فتعرض للتعذيب من قبل المجرمين البعثيين حتى لفظ أنفاسه ليلة 9-10 شباط 1963 بسبب التعذيب البشع الذي تعرض له ،ولم يستطع هؤلاء الفاشست انتزاع اعتراف منه فحافظ على الأمانة وأعطى درسا للآخرين كيف يكون الصمود ،وهذا هو ديدن الشيوعيين العراقيين في الصمود والتصدي فقد قام البعثيين المجرمين أمثال فاتك الصافي ومحسن الشيخ راضي وعلي صالح السعدي ووهاب الأعور وغيرهم من البعثيين الأوباش باستعمال مختلف الوسائل لانتزاع الاعترافات إلا أنهم بائوا بالفشل بسبب الصمود الأسطوري للقيادة الشيوعية التي أصبحت مثلا أعلى لباقي المناضلين في الصمود ومواجهة الموت بشجاعة منقطعة النظير.
المجد والخلود لشهداء الوطن والحزب وستبقى أسمائهم خالدة في ضمير العراقيين،ورمز لكل المناضلين بما تمثل فيهم من تضحية وفداء جعلتهم في القمة من المناضلين في شتى أصقاع العالم.