الرئيسية » مقالات » الطريق الثالث بين الاستسلام و مقاومة تدعو إلى شهداء بالملايين…..

الطريق الثالث بين الاستسلام و مقاومة تدعو إلى شهداء بالملايين…..

ليست القضية في الإصرار على خلق طريق ثالث لمجرد الاختلاف الفكري و السياسي مع الخطابات السائدة الموجودة , أي بغرض تسجيل موقف أو بغرض المناكفة السياسية و الفكرية للخصوم , بل في وجود حاجة جدية حقيقية لهذا الطريق الثالث , و هي يفترض ألا تكون أيضا حاجة نخبوية أو مجرد حاجة ممكنة أو حاجة فكرية مجردة مثلا , بل حاجة تقوم أساسا على البشر , على واقعهم , على حاجاتهم الفعلية , و على آمالهم بالحرية و بعالم أفضل..يجب التأكيد هنا أن القضية قد طرحت منذ وقت طويل على هذا الشكل : المقاومة أو الاستسلام ؟ كان من الواضح أن المقصود بالمقاومة هنا هو الاستمرار في النضال المشترك العام بكل أشكاله نحو تحقيق دولة فلسطينية مستقلة , انتهى الجدل داخل فصائل المنظمة إلى القبول بقيامها في الضفة و القطاع , و بعدها يمكن للخلافات الإيديولوجية أن تحدد من سيتولى السلطة و سياساتها و اتجاهاتها و حتى شكلها في هذه الدولة الفلسطينية المستقلة..كان البديل الذي اعتبرته القوى السائدة في المنظمة – البيروقراطية الحاكمة مع تحالفاتها الطبقية الداخلية – الطريق الوحيد تارة و الرئيسي تارة أخرى نحو هذا الهدف , أي قيام الدولة الفلسطينية المستقلة , و هو خيار المفاوضات إلى ما لا نهاية على حساب خيار مقاومة الاحتلال , قد دخل مأزقا مستفحلا في السنوات الثلاثة الأخيرة من قيادة عرفات للمنظمة و للسلطة الوطنية , لم يكن من الممكن التغلب عليه لا باقتحام الضفة و لا حصار عرفات في المقاطعة من قبل الجميع خاصة النظام العربي الرسمي كمقدمة لشطبه الهادئ , فقط غياب عرفات الجسدي فتح الطريق أمام معاودة المفاوضات إلى ما لا نهاية وسط الدمار و القتل و الإذلال و بناء المستوطنات و الجدار الفاصل و تهويد القدس وسط دعم من النظام العالمي الذي تقوده القوى الإمبريالية و من النظام العربي الرسمي الشريك المباشر و القزم في كل هذا , بقصد التحضير لفرض شكل من المعازل البانتوستانات على أنها تلك الدولة الموعودة بتشجيع و رعاية مباشرة من هذه القوى..هذا يعني فرض الاستسلام النهائي على الفلسطينيين..لكننا بالمقابل لا نعتقد أن الفلسطينيين يموتون اليوم , كما ترى حماس و القوى القومية و الإسلامية مثلا , في سبيل فكرة , انتصار فكرة , أو انتصار عقيدة ما , و بالملايين بشكل يبدو فيه أنها تكاد لا تساوي شيئا فيما تنحصر كل القضية في أولوية هذه الدوغما أو العقيدة أو تلك , على العكس تماما , إن الناس هنا يقاتلون قوى غاشمة دفاعا عن عالمهم , عن حقهم في عالم أفضل , في حياة أفضل , و عن حريتهم , هذا سيعني بالضرورة سقوط ضحايا , خاصة مع وجود عدو دموي بهذه الدرجة و تواطؤ عربي و عالمي على هذه الدرجة , لكن جوهر القضية هم هؤلاء البشر أنفسهم , الأرض هنا هي امتداد أو جزء طبيعي من هذا الوجود , و ليست جوهر هذا الوجود , نفس الشيء ينطبق على الهوية الثقافية و الحضارية للناس , إنها جميعا جزء من هذا الوجود يستمد أهميته من محاولة الفكر الفاشي الصهيوني إلغاء هذه الهوية كشرط أساسي لتثبيت شرعية مشروعه الاستيطاني لكنها ليست جوهر هذا الوجود نفسه , جوهر القضية هم البشر أنفسهم , و هذا التحديد للقضية و الإصرار على مركزية الإنسان الفلسطيني أولا و أخيرا , يفترض بالنتيجة أهدافه و وسائله النضالية , إن الهدف الفعلي هنا يجب ألا يكون استنساخ نظام فلسطيني على شاكلة الأنظمة العربية البيروقراطية التي يخضع فيها البشر , حياتهم و عملهم و آمالهم , لأقلية متنفذة تحكمهم بالحديد و النار و الخداع , حتى لو كانت من أبناء جلدتهم , و حتى لو نصبت نفسها وصية على تلك الفكرة أو العقيدة , و أخذت تمارس قمعا منفلتا ضد الناس باسم هذه العقيدة , إن المطلوب هو إقامة سلطة شعبية مباشرة ديمقراطية يتحكم فيها البشر أنفسهم بحياتهم دون امتيازات مزعومة تدعيها أية أقلية مهما كانت , هذا هو الشكل الوحيد الذي سيعني حرية الناس و حياة أفضل يعيشونها , لا أية ديكتاتورية تفرض على الناس وفقا لأية دوغما مهما تكن..هنا تبدو المشاركة في “العملية السياسية” لأوسلو التي تهدف في نهاية المطاف إلى تبرير الاحتلال و تأبيده عبر شكل من البانتوستانات التي تعلن كدولة فلسطينية أو العمل تحت سلطة بيروقراطية السلطة الفاسدة و المرتبطة بهذا المشروع لا معنى له ( إذا اخترنا وصفا مخففا ) بالنسبة لقضية الناس الفلسطينيين العاديين أنفسهم , بعيدا عن المنافع الخاصة للنخب التي تبحث عن موقع لها في النظام القادم أو شكله الجنيني الحالي , أما المقاومة التي تقوم أساسا على شكل ميليشيوي فوق الجماهير و مرتبط بعمق مع المشاريع و الخطابات العقيدية الدوغمائية للمنظمات المختلفة فهي أيضا تبرير لوصاية أقلية , نخبة ما , على الشعب باسم هذه الدوغما أو تلك , هذه إما مشروع ديكتاتوريات قادمة أو قائمة بالفعل كما شاهدنا في غزة قبل بداية الحرب حيث وجهت قوة حماس العسكرية ضد النخب المنافسة و ضد الأقليات المخالفة , و كانت هي أساس استمرار حماس بالسيطرة على القطاع حيث حكمت حماس مباشرة “كممثلة” عن الناس الذين استمر تهميشهم كما كان الحال دوما و طلب منهم “وضع ثقتهم” بالسادة الجدد كرافعين أساسيين أو وحيدين للمقاومة هذه المرة و الاكتفاء بموقف المتفرج و انتظار رد الميليشيات التي تربيها حماس و غيرها كأساس لسلطتها الفعلية أو الموعودة و بتلقي الصواريخ الإسرائيلية القاتلة و الصبر..في الحقيقة هذا الكلام , خلافا للكثير من الخطابات الرائجة اليوم بين الليبراليين العرب , لا يراد منه الوقوف إلى جانب أنظمة العار و الاستهتار بحياة شعوبها ناهيك عن حياة الفلسطينيين , و لا تبرير قتل و تجويع ملايين الفقراء باسم الاعتدال و لا حتى مواجهة الأصولية أو الإرهاب بالتعريف الأمريكي – الإسرائيلي , إنه ينصب على البشر , ضحايا قذائف القتلة و أحادية دوغما المقاومين و رغبتهم بإقامة ديكتاتوريات لا مكان للإنسان فيها أمام أولوية الدوغما أو العقيدة التي تتولاها نخبة أو أقلية فوق الناس و على حساب حياتهم وحريتهم , إنها لا تكترث , و لا تبرر و لا تريد أن تدعو الناس للخضوع , لا لبوش و لا لأمريكا و لا لدوغما تزعم أنها علمانية تريد أن تصبح مبررا لقمع جديد لقهر جديد لديكتاتوريات قائمة أو قادمة , و لا للنظام العربي الرسمي الذي تتهاوى شرعية استبداده بحياة البشر في منطقتنا تحت ضربات الدبابات و الطائرات الإسرائيلية , بل تكترث فقط بالفقراء العاديين , حريتهم , حياتهم , طريقهم نحو عالم أفضل , إن الهدف الذي يصوغه اليسار التحرري ليس الدعوة إلى اختيار سادة جيدين من بين السادة القائمين أو المحتملين بل أن يصبح البشر أنفسهم هم سادة حياتهم , سادة أنفسهم , أن يجري استبدال النظام الفصائلي الميليشيوي لحكم البشر سواء في رام الله أو غزة بمؤسسات شعبية ديمقراطية قاعدية لا تشترط لا العلمانية و لا التدين لإقامتها أو للمشاركة فيها بكل حرية و بكامل الأهلية , لا داعي لتحريم أية دوغما ما دام هناك بشر يؤمنون بها , القضية هي أن هذه الدوغما أو العقائد , مهما تكن , دينية أو تدعي العلمانية , لن تكون مبررا أو أساسا لامتيازات اصطناعية تنسب إلى هذه الأقلية أو تلك , ستكون الحرية الكاملة للجميع و المساواة الكاملة بين الجميع هي القاعدة هنا , هذا الهدف سيصطدم بالضرورة مع الاحتلال الذي يريد اليوم فرض استسلام غير مشروط على الشعب الفلسطيني , لا ريب أن المقاومة المسلحة ضرورية هنا , لكن المقاومة الشعبية , مقاومة كل البشر أصحاب المصلحة في حريتهم و في عالم أفضل , هي الأساس , مقاومة ديمقراطية تقوم على أوسع حوار و نقاش و مشاركة شعبية , إن انتفاضة ثالثة شعبية تؤسس لشبكة قاعدية من هذه المؤسسات التي تقوم على الديمقراطية المباشرة ستستعيد قضية حرية الملايين من أيدي الفصائل الميليشيوية و تضعها من جديد في أيدي الجماهير الثائرة..اليسار التقليدي هنا محشور بين سلطة رام الله و غزة , بعضه يخاصم حماس , على الأغلب , أو رام الله , في أحيان أقل بكثير , لأسبابه الخاصة , و ينخرط بجد في عمل المؤسسات الفوقية الفاسدة للمنظمة , التي تستدعى فقط لمنح بعض الشرعية الإضافية لسلطة رام الله بين وقت و آخر و خاصة لتمرير القرارات غير الشعبية لهذه السلطة , أو في البحث عن حل توفيقي مرة أخرى , أي على شاكلة ما كان يجري أثناء فترة قيادة عرفات للمنظمة , بين حماس و السلطة , لكنه حل وسط مستحيل دون هزيمة طرف ما بشكل نهائي و حاسم ,هذا اليسار التقليدي يقوم بالمناسبة وفق هيكلية تنظيمية تراتبية هرمية صارمة تتبع فيه القاعدة للقيادة بشكل يقوم على أساس الولاءات و تفوض فيه هذه القيادات , التي أصبحت هي أيضا تسمى تاريخية ككل شيء عتيق قادر على الاستمرار طويلا دون نقد جدي من جهة و دون إنجازات من جهة أخرى بعيدا عن السمع و الطاعة من القواعد في عالمنا , برسم ما تريده مع موافقة القاعدة المسبقة على أي شيء تقرره و تبرير و ترويج تلك السياسات على أنها مطلقة الصحة مثل قادتها دون نقاشها أو حتى نقدها , بحيث يحتاج تبديل أمين عام مثلا إلى جهد هائل من العمل داخل هذه النخبة الحاكمة للتنظيم , هذا نموذج مصغر دقيق عن هيكلية الأنظمة الاستبدادية التي تحكمنا بالفعل و عن القوى التي تنتظر أن تحكمنا بنفس الطريقة و إن وفق مبررات مختلفة , إن القضية اليوم في حال أراد هذا اليسار أن يلعب دور طريق ثالث , بعيدا عن الانخراط شبه الكامل في تبرير سلطة رام الله أو الترويج لها كسلطة “وطنية” فوق الشعب الفلسطيني , أو ممارسة المقاومة كمجرد شريك صغير في مقاومة حماس في سياق مقاومة تعد الناس لديكتاتوريات جديدة كبديل عن السلطة الفاسدة التي تنهار شرعيتها مع ضربات شريكها في المفاوضات : الأمريكي الإسرائيلي – العربي الرسمي على الجوعى في غزة , هي في استبدالها بتنظيمات ديمقراطية فعلية تتشكل من القاعدة نحو الأعلى , تتبع فيه القيادة القواعد و تخضع للنقاش الحر و تبادل الآراء في هذه القواعد التي ترسم في نهاية المطاف سياسات هذه التنظيمات و تنفذها و تدافع عنها و تضحي في سبيلها بعيدا عن الأشكال الميليشيوية السائدة كنموذج يحمل داخله جنين البديل الذي يناضل في سبيله و كشكل وحيد ممكن لتعبئة الناس للدفاع عن حريتهم و حياتهم..البديل هو حرية الناس , كجوهر للقضية , كهدف وحيد للمقاومة , و عبر مؤسسات ديمقراطية فعلا , تقوم على البشر أنفسهم , يمارس من خلالها هؤلاء البشر سلطتهم على واقعهم وعلى حياتهم و على نضالهم ضد الاحتلال و عملائه………….