الرئيسية » مقالات » بدون عنوان ..!

بدون عنوان ..!

نحن هنا في وطننا في هذا العالم؟ يدور حولنا هذا المطلق كما نعتقد في ذاتنا، أو كما نحب أن نعتقد، أو أننا نتمسك في أطراف هذا العالم وحوافه؟ ما هي الفرص والإمكانيات التي نملكها على هذا الكوكب؟ هل تستطيع الفراشات البقاء والحياة بعدنا(بعد انقراضنا)؟ كيف حضر الشر، السيئ، المعاناة إلى هذا العالم؟ كيف أسرنا واعتقلنا الشيطان ووضعناه في السجن؟
لماذا لم يريد “كيبلر” الاعتقاد بحساباته نفسه، بأن الكواكب تدور بالشكل الذي صار الآن معروفاً؟ ماذا يربط خلق العالم مع الألعاب التي نعرفها ونلعبها؟ هل ضحك يا ترى في يومٍ ما النبي موسى أو السيد المسيح أو النبي محمد؟ لماذا نتحدث بالنكات كثيراً عن العوالم الغريبة – البعيدة عنّا -؟ ماذا يربط الجمال مع القبح؟ ما علاقة السيارة مع رائحة العطور؟ هل من رابط يجمع التراكتور مع موتزارت؟ ما علاقة الطابع بلساننا؟ هل من جامعٍ بين الجزمة والوطن؟ وهل……

يعيش الإنسان كونه كائن حي في “وجهين” أو طبقتين، يلعب كممثل رئيسي في دورين بنفس الوقت، يقوم بإنجاز مهامه اليومية بشكل جيد، وهذا هو الوجه الظاهر أو السطح المشاهد(بفتح الهاء). هذا صحيح، لكن هناك وجه “خفيّ” تحت قناع، يغور في الأعماق أيضاً.. كل شيء يعمله، ويقوله هو دورٌ يقوم به في مسرحية دراما حياته ومكانته وحضوره الشخصي. لأنه – وبدون تأكيده الواعي الكامل – يكافح في كل دقيقة وساعة من حياته لمعرفة الهدف من وجوده كإنسان، وهو السؤال النهائي الذي يعيش طول عمره محاولاً الإجابة عليه.. يريد تحقيق وجوده وذاته في الحياة، يبحث عن الهدف من الحياة ومعناها، يسابق الزمن، يسابق الفناء.. وبشكل ما يكافح من أجل الخلود، أو على الأقل يكافح على أملٍ بالخلود، أو حتى إذا كان ذلك مجرد خيال وحلم…
نتراشق، نركض في هذا الزمن…
نرقص كالفراشة حول الشمعة…
وفي غفلة نفقد أجنحتنا خلال الرقص…
وكل هذا، يسموه الحياة…

ثنائية الحياة ليست بالتأكيد ماثلة أمام عيوننا جميعاً، نحن نميل لإشعار أنفسنا وكأن حياتنا مجرد “وجه” واحد، أو ذات سطح واحد، ظاهر لكل إنسان وبدون إخفاء شيء، وكأن إظهار ذلك مهم جداً لنا، لذا يجب علينا الانتباه كثيراً كي لا يبدوا للآخرين ما نخفيه في أعماق قلوبنا المضطربة القلقة…

الحياة بحد ذاتها غير محددة، لا شكل لها، ويمكن القول أنها غير مكتملة، كجملة كتب نصفها وبقي النصف الآخر يتأرجح في الهواء. يظهر مصير المرء أو قدره عندما يبدو – على الأقل هكذا يظهر – أن سلسلة أحداث ما تجري في حياته كإنسان حي يعكس أو يرسم منحنىً خاصٌ به ويميزه.. إذا بدأ يشعّ منه شيء، إذا قال شيء، كل هذا يعكس ويشير إلى كونه إنسان وكائن حيّ..

من أكون أنا؟ أسأل نفسي أحياناً كي أستطيع معرفة الآخر – معرفتهم هم -، كي يقدموا لي قصصهم وتصوراتهم التي تسير إلى الزوال، كيف ينظرون لي؟ ماذا يعتبرونني ويقيّمونني؟..
أين تبدأ الحوادث في هذه الرواية المستمرة بدون تلوين؟.. في إحصائيات نظام خلايانا الاعتباطي(الصدفي) الغير منسّق؟.
في اصطدامات وصراع الأفكار الخاطئة التي تقوم بإرهاب ذواتنا؟.. في ماضينا ومحطاته؟.. وفي الحقيقة ما هو الشيء السيئ وغير الجيد الذي أعتبره، وبالنسبة لماذا سيئ؟..
هي حبة صغيرة في فقاعة موجودة في داخل هذا الجبل الكلسي.. هي الفرص المؤجلة – الهاربة – بإرادتنا الحرة، لكن حتى لو كان ذلك هو كل الذي أستطيع عليه، فأنا حبة صغيرة في فقاعة ضمن نقطة فارغة في هذا الفراغ الكبير الذي أقوم من خلاله بالحكم والتوجيه واتخاذ القرارات الكبيرة…..

مرفوض تجويع الرضيع، إذا كان مريضٌ يجب أخذه للطبيب، ليس محبباً أن نضعه بالقرب جداً من مدفأة حارة أو نحبسه في قبو بارد.. يجب عدم إطعام صديقتنا طعامه وشرابه.. لا يجب تعليمه السرقة، وممنوع الضحك عليه ومنه، عدم الصراخ بوجهه، لا يجب تحقيره وتعنيفه……..

أسئلة كثيرة وكبيرة تفرض نفسها: الوجود، عدم الوجود، المصير، اللاشيء…
كلنا كنّا صيادين، رعاة ماشية، فلاحين،… ولم ننتبه إلى الشعاع القادم من الشمس عبر الأثير إلى البحر، وما يعكسه البحر من ذلك الشعاع، فالحياة أو الوجود والمصير يتبادلان ويتأثران مع بعضهما البعض، كما نرسمه ونلقنه لأنفسنا منذ مئات أو آلاف السنين من خلال لوحات، دراما، قصص وروايات وأشعار، تماثيل ومؤلفات موسيقية…
ومع كل هذا نادراً ما نملك حاجتنا من القوة في هذا الوجود..

وفوق كل ذلك، ما زلت أذكر جيداً أن السنة هي 12 شهراً، وحقيقة أيضاً أن تلك الشهور “تسيل” مع العام السابق للعام الجديد.. ورغم أنه كان هناك بضعة أمور مثيرة ومهمة، البعض تصوّر، أو “رغب بتصوّر” المستقبل بشكل آخر، لكنني لم أكن من هذا البعض…
في هذا العلم لا يمكن أن تكون ذكياً!، أو، يجب ألاّ تكون ذكياً؟.. الحياة ليست جهاز لعب وتسلية نشغّله بـ”الكبسات” كالفليبر.. مهمٌ الانتباه كي لا نحمل الكثير من البلادة، كي لا نكون مثل ذلك الصياد الذي أطلق النار على غزالٍ يقف على صخرة فوقه، ثم سقط الغزال ميتاً على الصياد وقتله.. لكنه لا يجوز الخوف من كل سيارة شحن تأتي من الطرف المقابل على احتمال أن ينفجر دولابها بالقرب منك، رغم ضآلة الاحتمال، ورغم معرفتنا أن احتمال الصفر له وجود أيضاً، ومن المفيد التذكر أنه لحدوث اصطدام سيارتين على العموم تحتاج لخطأ”بلادة” اثنين ، أو على الأقل واحد – لهذا أيضاً تركت سواقة السيارة منذ عشر سنين – …
كما أنه مهمٌ جداً أن نعرف الانتصار وكيفية التعامل معه، قد يكون أكثر أهمية معرفة التعامل مع الهزيمة – طبعاً هناك من يصنع من الهزيمة انتصاراً، وبالتالي لا يعرف طعم الهزيمة، لذلك لا يشعر بحقيقة الانتصار – وانتصاره يكون وهميٌّ…

وفي هذه اللحظة تذكرت أنني سوري ووطني أيضاً – قد يشكك بهذا الذين لا ينسون “وطنيتهم”-، تذكرت أنني تألمت لفلسطينيي غزة كما تألمت للبنانيي الجنوب، وربما بكيت أمام التلفاز في أوربا أكثر من مشعل في دمشق، وربما أكثر من نصر الله يومها في الضاحية بين ملاليه.. وربما ازداد “قرفي” من وطنية السبع مشعل، كما ازداد “قرفي” يومها من وطنية نجادنا نصر الله..
لقد كان الله وما زال مع المدفعية الثقيلة ومن قبل نابليون.. نعم تقاطعت ثلاث فاشيات في أحياء وشوارع غزة، كما تقاطعت في لبنان.. إسرائيل المتطرفة المتعجرفة العدوانية، مع “قروسطية” حماس وأخواتها وملاليها، وممانعة أسدها وخرفانها. وكل منهم يغني على غزّاه…
وما زالت الجماهير: تردد الهتاف، وتحرق العلَم .. تزمجر غضب، تناشد العالم .. بغريزة القطيع لن نلحق الأمم ..
المثل الشعبي يقول” الله يرحم جدّك كان يجبّر المكسور” فردّ عليه قائلاً:”الله يرحمه، كان يجبّره قبل ما ينكسر”!.

فقط أبكي الأطفال والمدنيين الأبرياء.. وهل يستطيع إنسان تبرير قتلهم – حتى لو كانوا شهداء، مجاهدين، سكان الجنة، أبطال الوطن والأرض، شموعنا… ومئات الفذلكات التعبيرية.. شيء واحد سموّه ما شئتم.. – لقد سقطوا، ماتوا، لن يحلموا بالعشق، ولن يتصايحوا في المدرسة، لن يتأخروا عن البيت مساءً، ولن تنتظرهم أمّ قلقة حتى الفجر… سمّوهم ما شئتم، قتلهم الثلاثي الفاشي..
أطفال غزة، لا يليق بكم أي عنوان.. تخجل العناوين منكم..

6 / 1 / 2009