الرئيسية » مقالات » مجالس الحسين ولائم فكرية

مجالس الحسين ولائم فكرية

يبدو ان ثورة الامام الحسين عليه السلام قد بدأت بعد استشهاده كونها ظلت خالدة لاكثر من الف عام والدلائل تشير الى انها ستبقى ما بقيت الارض، كما لا يخفى بان ثمار هذه الثورة آتت اكلها بعد سنين من حادثة عاشوراء ، فالحسين نور والله متم نوره وقد وصل هذا النور الى جميع بقاع العالم وصارت مع الايام مجالسه ولائم فكرية غنية بالعلم والفكر والعرفان والفلسفة والتاريخ والحكمة والاخلاق، و مدارس مجانية يفد اليها الكبار والصغار ، النساء والرجال بلا دعوة توجه اليهم، والمسئولية هنا تقع على عاتق العلماء والخطباء لتحديد نوعية العلم الذي يقدمونه الى العوام من خلال هذه المدارس التي تبدأ من بداية محرم وتستمر حتى اوائل ربيع الاول .
الحسين عليه السلام هو مربي ومعلم للاجيال بل هو منهاج تربية متكامل ، دون ان تؤثر على هذا المنهاج النقي القويم شطحات بعض الخطباء وخروجهم عن النص وقيامهم بتحريف الواقعة بحسن او سوء نية .
نعم هناك انتقادات للاساليب التي ينتهجها البعض وترويجهم لافكار ليست من صلب النهضة الحسينية، ويمكن تمييزها اذا كانت لا تدعو الى الاصلاح لاسيما وان الحسين افصح عن غرضه في الخروج بقوله ( انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي) وايما صوت يدعو الى الفرقة والافساد والفتنة ليس صوتا للحسين .
والتصدي للمنبر لا يعتمد على الصوت الرخيم فحسب وانما يجب ان يتحلى الخطيب بالعلم الصحيح والعقيدة الصحيحة حتى لا ينعكس ارتقاءه للمنبر سلبا على الناس الذين يتركون منازلهم لساعات طويلة فيحضرون الى المجلس الحسيني للاستفادة والعبادة ، و قد شاهد الناس من على احدى القنوات مجلسا حسينيا في البصرة يحضره عشرات الالوف يفترشون الشوارع على مرمى البصر للاستماع الى الخطيب الحسيني ، وهنا تتضاعف المسئولية على الخطيب ليقدم ماهو نافع و مفيد من محاسن علوم اهل البيت لا سيما وان الفضائيات ايضا صارت تنقل هذه الوقائع الى ملايين المشاهدين في العالم وبصورة مباشرة .
واقول حتى مسيرات المشي الى زيارة الامام الحسين يمكن ان يستفاد منها بتعويد المشاة على صلوات الجماعة وقراءة القران والوعظ في الطريق واثناء الاقامة جوار الامام ، وكم حاولت القوى الظلامية والحكومات طمس معالم النهضة الحسينية بمنع الزيارات وهدم القبور وغيرها من الاساليب ولكن التلاحم القوي للناس مع الامام الحسين افشلت كل هذه الخطط وذلك عن طريق المجالس الحسينية ، ولعل السيدة زينب عليها السلام كانت اول منبر حسيني متنقل أوصل اهداف الثورة ونتائجها الى الكوفة ثم الى دمشق ومنها الى المدينة.
الحسين احد مشاهير الانسانية واحدد قمم البشرية وعظمته اكبر من ان تحيطها مقالة او كتاب او موسوعة فقد كتبت فيه ملايين الصفحات شعرا ونثرا ودراسة وتحليلا، وستظل البشرية تنهل من مجالسه النور والعلم والمعرفة والحكمة ويتوجب على المراجع العظام ان يتنبهوا لاهمية هذه المجالس ويراقبوا ما يطرح فيها ، كما يمكن ان تكون المجالس الحسينية موضع اهتمام الحكومات ايضا كونها دروس مجانية لبناء الفرد والمجتمع.
و يمكن الاستفادة من مجالس الامة واخراجها من التقليدية البحتة كأن يتم توزيع الليالي العشرة على اكثر من خطيب تجنبا للملل والتكرار كما يمكن ان يكون في الليلة الواحدة اكثر من متحدث بينهم الاكاديمي والطبيب والمحامي وغيرهم من الاختصاصيين في العلوم الاخرى لتنويع ثقافة الحاضرين وتعميم الفائدة من هذه المجالس المليونية العظيمة.
الحسين اصبح عالميا في شهرته وتسامى الى ارقى مدارج العظمة ومن مثله يذكر كل عام بنفس الحماس وقد وصل الى دول اوربا وامريكا واستراليا واليابان وغيرها ، وصار الناس يسألون عنه ليتعرفوا على سر خلوده ونحن نحتاج الى تصور صحيح ومقنع لنقدمه لهم .
المجالس الحسينية مجالس مباركة فيها اكبر تجمع بشري والجانب المأساوي للمجالس يظل جانبا ثانويا امام الجانب التربوي والتعليمي لا سيما ان الوقت المخصص للنعي في المجلس الواحد لا يمثل شيئا امام الوقت المخصص للجانب التثقيفي، ويجب ان لا ننسى اسهامات الدكتور احمد الوائلي الذي يعد عميدا للمنبر الحسيني في ايصال الاشعاع الفكري لهذه المدارس الموسمية الى الجماهير وضيق الطريق على القلة من الخطباء الذي يتطرفون ويغالون ويستخدمون المجالس لارساء الفرقة والبغض مستغلين بذلك حب الناس للحسين واستعدادهم لقضاء الساعات الطوال في هذه المجالس وبعضهم يتنقل في اليوم الواحد في عدد من المجالس لبناء النفس من الداخل وتعويدها على الزهد والصلاح والتقوى والصلاح ومكارم الاخلاق.
كما انه من الاهمية بمكان ان ننوه الى ان الحسين ليس للشيعة فحسب كما انه ليس للمسلمين وحدهم دون سائر الاقوام ، هذه الشخصية الاستثنائية التي استطاعت ان تلوي عنق التاريخ والاحداث ، انتصرت رغم القتل بل جسدت معنى الانتصار الحقيقي وليس الظاهري .
فسلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين .